ابتسم، فأنت الآن حراً... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ابتسم، فأنت الآن حراً...

  نشر في 16 يونيو 2022  وآخر تعديل بتاريخ 19 يونيو 2022 .

لا أقدر على النظر حولي، كل أركان المنزل منكسة الرأس مثلنا، خاوية هي لأول مرة من وجوده. عندما كان يسافر أو يذهب لعمله وقضاء مشاويره كانت الأركان تفتقده مثلنا، ونقول.. كلها ليلة أو ليلتان ويعود، أما الآن فكلنا على دراية بأنه لن يعود، لقد اختار مغادرتنا نهائيا هذه المرة، لقد فضل الموت على دنيانا البالية التي طالما شكاها وصارعها. قلبه كان هشا، أما روحه فكانت كريشة في مهب ريح عاصفة، سرعان ما ينقلب حاله ويتقوقع داخل سراديب نفسه. كنا نلحظ هذا من فورنا، شفافا كان، أي ضيق يداهمه كان باستطاعته محو ملامحه في لحظة واحدة فلا نعرفه.

كنا أصحاب، كلنا كذلك مع بعضنا البعض، رغم الفروق العمرية الكبيرة التي بيننا. لم يكن بيننا أي حواجز ولا فروق، نتضاحك ونمزح ونشاهد الأفلام معا، كما كنا نلقي النكات على بعضنا دون أي انزعاج أو ضيق، بل كنا نقصد أحياناً ممارسة ذلك اللهو الطفولي استدرارا للضحك، كما كنا نحب التصوير في أوضاع طفولية محضة، وبعدما ننتهي نتصفح صورنا ونحن نموت على أنفسنا من كثرة الضحك. ماذا حل به ليجعله يختار الفراق، لماذا قطع العُقد تاركا إيانا مبعثرين وضائعين من بعده، وهو الذي يمثل لي ولأخي الصغير أبانا الثاني؟ بينما أبانا الأول لم يمارس معنا أي من أفعال الأبوة.

أتعجبك آلامنا وعذاباتنا الآن يا أحمد؟ لماذا بعد كل ذلك العمر الذي قضيناه معا في بوتقة واحدة، تتخلى عنا وتفارقنا؟ الحياة كريهة ولا تطاق؟ نعم، كلنا نعرف هذا، كنا نلمح هذا فيك، حاولنا كثيرا حثك على مقاومتها، جميعنا كنا نقاوم يا أحمد، الإنسانية برمتها تقاوم، لماذا لم تفعل مثلنا، لماذا تمني الموت والاستسلام لغواية سراديبك القاحلة؟ الموت راحة لمن لا يستطيع المقاومة، أعرف ذلك أيضاً، لكن ماذا سيحل بنا في رأيك؟ ألا تدري أنك ضاعفت وأثقلت كاهلنا بمقاومة جديدة، من منا يقدر على مقاومة فكرة فراقك عنا؟ 

نحن لسنا أقوياء إن كنت تحسب هذا، وإن رأيتنا مرة ننتصر على آلامنا، فهذا لأننا معا، في السراء والضراء ما دمنا معا، نربت على أكتاف أحدنا الآخر ثم نبتسم ونقوم بصنع الشاي، فتتلاشى خواطرنا وأفكارنا السلبية إلى غير رجعة، ويبقى سر سعادتنا في مقاومتنا معا. لكن يبدو أن تلك الأفكار كانت تتسلل إليك خلسة أثناء وحدتك، فتحفر فيك وتزيدك هما وغما. ورغم هذا قد أخذت منا ذلك السر أيضاً، خطفته منا كما الموت الذي خطفك باكراً.

أتعرف أنني ضد النواح في الجنائز وتلك الأفعال الهيستيرية التي تفعلها نساء القرى، لهذا أنا لم أستطع حضور جنازتك. آمل أن تشفع لي ذلك، أنت تعرف أن أعصابي هشة وسهلة التفتت، في الواقع هي بدأت بالتفتت فعلا، ما يعزيني حقا هو رغبتك في الخلاص، وقد تحققت. فمن ذا الذي لا يود تحقق رغبته؟! ابتسم يا أحمد.. ابتسم، فأنت الآن حراً طليقاً، حرا من ضيق الدنيا وسجونها وتفاهتها. وشكرا لأنك شاركتني تلك الابتسامة الراضية على محياك، التي لولاها لما استطعت البدء في المقاومة! لك أن تعرف أنني أقاوم من أجل أمي وأبي واخوتنا أيضاً.

أشعر بك وأنت تحلق الآن فرحا، بينما نحن نحلق كالطيور الجرحى. ولكن لا بأس، فبما أنك سعيداً بهذه النهاية فلتنعم بها وبحريتك، ونحن لنا الله ونآمل أن يلهمنا الصبر والسلوان على فراقك، فمهما طالت أو قصرت لابد من السفر.




  • 4

   نشر في 16 يونيو 2022  وآخر تعديل بتاريخ 19 يونيو 2022 .

التعليقات

Ghazi منذ 2 أسبوع
رائع المقال انني تأثرت به جداً
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا