وَسّعْ شَرَايينَ خَيَالِك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وَسّعْ شَرَايينَ خَيَالِك

  نشر في 26 ماي 2017 .

يتناسبُ الضغطُ عكسيًّا مع المساحة، فزيادةُ مساحةِ تفكير المرءِ يترتبُ عليها تراجع التأثير السلبي للضغوط النفسية والحياتية على هذا الشخص؛ فيصبحُ الإنسانُ أكثرَ قدرةً على الإبداع في دروب حياتِه، وتتزايدُ إسهاماتِه الطبية في مجتمعِهِ وبيئتِه. وأن تنجح في حياتك على كافةِ الأصعدة والمستويات فهذا لا يعني بالضرورة أنّ حياتك أضحت صِفرًا من المشاكِلِ والمُنغِّصات، بل يشيرُ إلى قدرتِكَ على استثمار خطوات التفكير وتوظيفها في التعامل مع ما يطرأ من مستجداتِ الأمر. في ذلك إشارة ضمنية لما يبدو عليه الشخص من قدرة على ضبط النفس، وإدارة العوامل الداخلية -وتشمل القلق والتوتر والغضب- فضلاً عن التعامل بذكاء مع عناصر البيئة الخارجية؛ ويكون نِتاجُ ذلك التوازن بين البيئتين، وتحقيق السلام الداخلي والأمن المجتمعي.

القدرة على تفعيل خطوات التفكير تجعل الفرد ينتقلُ وبشكلٍ إبداعي من دائرةِ الطيش والعجلة والتسرع إلى فيلقِ الحكمة، وهذا في حد ذاته أدعى لأن يكون المرءُ كبيرًا في أعين الناس، فمن عُرِفَ بالحِكْمَةِ تلاحظتْه الأعينُ بالمهابة والوقار، وأن يكون قدوةً لغيره. ومن تعاريف الحكمة ما أورده الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: «الحكمةُ فِعلُ ما ينبغي على النحو الذي ينبغي في الوقتِ الذي ينبغي، وأدواتُها العِلمُ والحِلْمُ والأناة، وآفاتُها الجهلُ والطيشُ والعجلة». فإن كان ذلك كذلك، فنحن الآن على موعدٍ مع تفعيلِ ملكةٍ من الملكات التي لا غنى عنها بشكلٍ يوميٍ متكرر، ألا وهي ملكةُ توظيفِ خطواتِ التفكير. قد تُشيحُ بوجهِكَ عني، وأنت تتمتم: أنا مِن أبرعِ الشخصياتِ في استخدام خطوات التفكير، فما الجديد لديك إذن؟! أقولُ لك وبصدق: لم يخامرني الشك -لجزءٍ من الثانية- أنك لا تستخدم خطوات التفكير، ولكن! وآهٍ مما بعد لكن! هل لي أن أسألك: متى كانت آخر مرةٍ استثمرتَ -لا أقولُ استخدمتَ- هذه المهارةِ الفذة؟ اصدُق في الجواب.

تفعيل مهارة استثمار خطوات التفكير لا فِكاكَ عنها في كل شؤون الحياة، فإذا ما قمنا بتكرار تفعيل هذه الملكة الفريدة بشكلٍ دائم؛ لانتقلت من العقل الواعي إلى العقل الباطن، ويترتب على ذلك ممارسة خطوات التفكير بشكلٍ يضمن أنّ هذه الخطوات أصبحت جزءًا من شخصيتنا، وكما قال الأحنفُ بن قيس «من لزِمَ شيئًا عُرِفَ به»، فلنجعل مهارة استثمار خطوات التفكير جزءًا من شخصيتنا؛ لنفهمَ العالمَ بمنظورٍ أكثر رحابة، ولنتعاملَ مع من حولنا بمرونةٍ أكبر ونستخرجَ منهم أفضلَ ما لديهم، فَنَسْعَدَ ويسعد الناس.

تنقسم خطوات التفكير إلى مراحلٍ ثلاث: الإدراك، والتحليل، والإجراء. خطوات التفكير هذه قد يُطلَق عليها أكثر من مُسمى، لكنّ جميع هذه المسميات لها ذات الدلالة والمنهاج. والخللُ في التفكير قد يكون في واحدةٍ أو أكثر من هذه المراحل؛ فلربما كان الخللُ في الإدراك. ومثال ذلك أنّ توما الحكيم -والذي هو مضْرِبُ المثلِ في الجهل- ماتَ أبوه وكان طبيبًا، فقرأ توما كُتُبَ أبيهِ وطَبَبَ الناسَ فأفنى منهُم الخلقَ الكثير، وفي صبيحةِ يومٍ قرأ حديثَ الحبةِ السوداء: «الحبةُ السوداءُ دواءُ كُلِّ داءِ» -وكانَ في الكتابِ بعوضةٌ- فقرأها توما: الحيةُ السوداء؛ فالتمسَ حيةً سوداءَ؛ فلدغتْهُ فمات، وبهذا قد جنى عليه سوءُ إدراكِه للأمر. ذاع صيتُ خالد محمد خالد -صاحب كتاب رجالٌ حول الرسول- إثر ظهور باكورة مؤلفاته وهو كتاب «من هنا نبدأ»، وقد طَبَّقَت شُهْرَةُ الكتابِ الخافقين حتى طُبِعَ ستُ طبعاتٍ في سنتين، وتُرْجِمَ للإنجليزية في سنته الأولى، وتلقف الغرب الكتابَ بحفاوةٍ وترحابٍ مُنقطِعا النظير. هنا كان خالد محمد خالد قد أعْمَلَ إدراكَهُ في الأمر، وسألَ نفسَه: ما سِرُ كتابي ليحظى بهذا الاهتمام لاسيما عند الغرب؟! وبتفعيلِ مهارةِ الإدراك، تبينَ للرجلِ أنه عرضَ لفكرةِ فصلِ الدينِ عن الدولة؛ مما قادَ الكتابَ للوصولِ إلى معاقِلِ العلمانية لتحتجَ به على الإسلام، ثم تداركَ الأمرَ وقدّم كتابه «الإسلامُ دينٌ ودولة».

الخلل في التفكير قد يكون محصلةَ قصور معلومات التحليل، وتحليلُ الموقفِ أو الفكرةِ أو المشكلة يتطلب قدرًا كبيرًا من توافرِ المعلومات، ويكون التحليل ميسورًا في ظل امتلاكِ المرءِ للخبرةِ في الحياةِ بشكلٍ عام، وتزداد القدرة على التحليل المتزنِ عندما يكون صُلبُ المشكِلةِ من صميمِ تخصُصِ المُحلّلِ لها. فغيابُ التحليل المُنصِفِ يُثقِلُ الكواهلَ بقدرٍ لا يوصف -لا أبالِغ ولا أُجَيِّشُ العواطفَ، وإنما أعرضُ لك الحقائِقَ كما هي- تعال معي إلى شركة جرونتال الطبية الألمانية، وقد أنتجت عقارًا في عام 1956 أُطْلِقَ عليه الثاليدوميد Thalidomide لعلاج حالات غثيان الصباحِ لدى السيدات الحوامل، وتم الترويجُ للعقار على أنه الوحيد الذي ليس له أضرار جانبية! ثم ماذا؟ تريث هنا واطرح على نفسك عدة خيارات حول تبِعَاتِ ذلك! وأضف إلى معلوماتكَ أن هذا العقار قد انتشر انتشار النار في الهشيم في اثنتي عشرة دولة، بينما رفضت فرانسيس هيكسلي -الموظفة بمنظمة الغذاء والدواء الأمريكية FDA- وبحزم إدخال هذا العقار للولايات المتحدة الأمريكية. أعود إليكَ: هل وضعت مجموعةً من الاحتمالات حول هذا العقار؟ إذن هل كان مُدرجًا ضمن احتمالاتِكَ أن الثاليدوميد أنتجَ جيلاً عُرِفَ لاحقًا بـــ«جيل الثاليدوميد» وهم أشخاص بلا أيدي أو أقدام! ثم هل تعلم ما سبب إصرار رفض هيكسلي لإدخال الثاليدوميد لأمريكا؟ قالت في تقريرها حرفيًّا «يفتقر ملف العقار للكثير من معلومات التحليل حول مأمونية استعماله خلال فترة الحمل». تريدُ دليلاً آخر حول كوارث قصور عملية تحليل المعلومات قبل الإقدام على اتخاذ قرارات حيالها؟ لا بأس! سأوافيك بما تقرُ به عينُك خلال السطورِ القليلةِ القادمة.

يرتبطُ وثيقًا بتحليل المعلومات تفسير المواقف والمشكلات؛ ذلك أنّ التفسير الذي يطرحه الشخص على نفسه، أو مجلس إدارةِ شركته، أو على الصعيد الشعبي، والسياسي يلعب الدور الرئيس في الإجراء المزمع تنفيذه، مما يُجسِدُ حجمَ المسؤولية التي يجب النهوض بها لتحقيق إجراء يداوي الجُرْحَ لا أن يتخذ الرجلُ إجراءً يكونُ ضِغْثًا على إبالة، يزيد المشكلة اتساعًا، ويُضِيعُ كُلَّ فرصةٍ لحلها. التفسيرات المطروحة من الشخص ترتبطُ بدرجةٍ أو بأخرى بمعتقداتِه، وبما يحمِلُه من قيم، وبحالتِه النفسية، والاجتماعية، وطبيعة تفاعله مع المحيط الذي يكتنفه. أيضًا يرتبط تفسير الموقف أو المشكلة لدى الواحدِ منا بما قد مرَّ عليه من مواقف أو ملابسات شبيهة؛ فعندها يقوم بالإسقاطات والمقارنات والمقاربات بين ما مضى وبين الوقت الراهن، مع الأخذ في الاعتبار أنّ المخَ يبني على آخر تجربة، فإن كانت إيجابية فقانون التوقع يرشِدُنا لارتفاع احتمالات التفكير بشكلٍ إيجابي، والعكس صحيح.

ليصبح تحليل المعلومات ومعالجتها صحيحًا؛ فإننا قد نجد أنفسنا في حاجةٍ لنصائحِ الخبراء، كُلٌّ في مجالِه وتخصُصِه، وهذا يعكس مدى قدرتنا على الحيادية في تناول المسائل، والمحاولة المتزنة لاختيار الإجراء الرشيد. لن أُطِيلَ النفسَ في مسألةِ الإجراء الآن -على وعد بأن أُفْرِدَ لها مقالاً منفصلاً لأهميتها القصوى- ولكنني أصُبُ جِمَاعَ فِكرتي حولَ الإدراك والتحليل، ذلك أنّكَ -وأعتذر منك في هذا التعبير القوي- «إذا أفسدتَ أولَ كُلِّ أمرٍ ** أبتْ أعجازُهُ إلا التواءَ»؛ ولذلك فأنا أركِزُ على البدايِة الصحيحة لنصلَ من خلالِها للنهاية القويمة التي نتطلعُ إليها. فتحلى بالإدراك الصحيح والتحليل المتزن ليتسنى لكَ اتخاذ القرار الصائب.



   نشر في 26 ماي 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا