سلاما من منطقتي النائية - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

سلاما من منطقتي النائية

  نشر في 14 يوليوز 2021 .


قبل أن أقطن منطقتي النائية، كنت أعيش في منطقة تعج بالحركة والضوضاء.. تلك التي تثير في النفس أبشع الأحاسيس. أنه لعذاب دائم ومتجدد، كأنني سجينة في أزمنة الدول السادية التي كانت تتفنن في اختلاق طرق التعذيب. كم مرة ثارت أعصابي حتى أنني أوشكت على الصراخ أثناء سيري، وكم مرة اغتلت فيها دموعي كيلا يحسبني الرائي أنني إحدى الفتيات العاشقات التي تخلى عنها حبيبها فتركها في منتصف الطريق. فلن يجيء على بال عابر سواء أكان رجل أو امرأة، أنني أبكي وجودي وسط هذا الصخب المدمر لكل فكرة خارجة للتو من شرنقة الأمل. 

"إن المزاجيون لا يصلحون للحياة!" اقتباس قابلني منذ فترة على تويتر. من بعيد يبدو أنه كلام ساذج معمم. أما من قريب فيبدو منطقياً مع بعض التحفظات البسيطة، لأنني من الذين يملكون مزاج متقلب لعين!

ولكن أي تحفظات تلك؟! فصديقتي أخبرتني ذات مرة بصراحة تامة "أنني لا أصلح للزواج!" وهي قالت هذا بكثرة ما أخبرها عن مزاجيتي، فأصدق على قولها رغم الأسى الذي يقطع قلبي "بالفعل، أنني بالكاد أتحمل نفسي!" لكنها عندما تلمح الحزن في عيني تقول مهدئة "بالتأكيد ستجدين شخصا ما يقدر على تحملك!"

أنا لم أستطع تحمل الذهاب إلى المحاضرات، كان الأمر أشبه بالسير على مضمار ملتهب، كل ما حولي يؤؤل إلى الإنهيار لا محالة. لم يكن هناك أي لمعة استثنائية في السماء تمنحني سببا للمضي، ولا أي بادرة تشي بأن هذا الطريق هو محطتي الأخيرة. لم يكن هناك سوى مزاجي بأشباحه العتية وهو يفسد لحظاتي كما شاء له، حتى جاء يوم أخذت فيه قرارا بعدم استئناف دراستي. جاءت الامتحانات، عائلتي شكَّت في صحتي العقلية لأنني رفضت تأديتها. لم يعرفوا أنني بمجرد ما ألغيت فكرة الدراسة ألغيت كل شيء يتعلق بها! فأنا لم أكن مهيأة لأنني لم أذاكر. قالوا لي أكتبي أي شيء المهم أن تؤديها! حاولوا كثيراً معي لكنني كنت صممت على قراري.

استغنيت عن دراستي - ولحسن الحظ أنها كانت دراسة تكميلية - لأنني لم أستطع تحمل أجواءها، فكيف لي أن آمل في انتظار شخص يقدر على تحملي؟!

قبل أن أغادر منطقتي القديمة حرصت على مقابلة الجميع، أغلبهم ظن أنني سأنساهم، بينما في الواقع هم الذين نسوني من ضمنهم صديقاتي القريبات. أخبرتهن قبل مغادرتي أنني سأبقى لفترة بدون اتصال بالانترنت، لأن نقل خط الهاتف يأخذ وقتاً. والمفارقة أنني  قلقت عليهن واتصلت بهن. كانتا بخير، بدا حتى أن اتصالي شوش أفكارهن.. ربما لأنني عاتبتهن بصوت مختنق، فالسكون وقتئذ لم يترك لي شيئاً إلا والتهمه. تحايلت على واحدة منهن طلبا للخروج، لكنها رفضت. وبعد مرور عامين تقابلنا ثلاثتنا، لم أصدق أننا حافظنا على عهدنا رغم أنه جيء بالدفع الذاتي! وكم عجبت على مزاجيتي أنها تتحمل مسؤولية العلاقات، ولا تستطيع تحمل مسؤولية يوم واحد!

ثمة فجوات كثيرة تراكمت علي أنا وكل من جاورني، أغلبها مبطن بالعتاب والتجاهل، أما ظاهرها - وأعني عندما نتقابل فقط - نبدو أننا رائعون وفي أحسن حال!

"يكون حراً من لا ينتظر شيء" كم كان عظيما الكاتب نيكوس عندما توصل لتلك المعادلة. لربما كتبها بعد معاناة وصراع طويل خاضه بمفردة، في أقصى زاوية من الأرض، دون أن يسأل عنه أحد، أو يحاول أحدهما الوصول إليه. نحن حتى عندما تجرفنا ظروف الحياة نحو بقاع بعيدة، ستجد أن لكل شخص باب موارب نحو العالم، أنه لا يريد أن يضيع أو يُنسَى بالكلية حتى لو كان يردد هذا طوال الوقت. هو يأمل في أن يعثر عليه أحدهما، ولو رسى الأمر على التلويح بالأيدي من بعيد! لكن عندما تتبخر تلك الآمال، يفقد صاحبنا الرغبة في التواصل، بل ويتوجس من أي محاولة لمخاطبة وده.

الحياة النائية هنا علمتني كما علمت نيكوس، ولو أني - منذ أن لمحت معادلته تلك مذ أعواماً طوال - اعتبرتها منهجا للحياة برمتها. ولكننا نتغير، تتبدل مشاعرنا على الدوام ويحل مكانها النقيض في لمح البصر. وما حل بي مؤخراً هو النسيان.. نسيان غضبي وحساسيتي اتجاه أتفه الأمور، نسيان اجتماعيتي ومبادراتي نحو الناس والعالم، الناس رائعون لكنني ما عدت أحبذ الاقتراب منهم، يكفي أنني أدعو لهم من كل قلبي بالسلام والطمأنينة.

فسلاما من منطقتي النائية.. لكل الذين تجاهلوا نجاحي عن عمدٍ وهم في القلب من الأحبة. سلاما للذين أستشعر بافتقادهم لي دون أن يسألوا عني. سلاما للتي أراها صديقة عمري على رغم تقصيرها الدائم معي. وأخيراً.. سلاما لهؤلاء البعيدين الذين يتذكرونني من خضم اليأس؛ فتحاياكم الروحية تصلني. والتحية هي آخر ما تبقت لي من آمال نحو العالم، غير هذا فأنا لا أريد ولا أنتظر منكم شيئ.


  • 7

   نشر في 14 يوليوز 2021 .

التعليقات

Abdou Abdelgawad منذ 2 سنة
خاطرتك قيمة مليئة بالمشاعر الانسانية المعبرة والراقية وسأحاول فى كلمات قليلة الاشارة لبعض من النقاط المضيئة الكثيرة بين حروفك..أولا: يشترك كل الكتاب فى رغبتهم الدائمة فى الهدوء المجتمعى من حولهم والهدوء الداخلى الذى يجلب الفكر ، ثانيا: المزاجيون يعانون من التأقلم مع الحياة والمحيطين بهم واذا كانوا لا يصلحون للحياة كما يقول القائل فلعيب الحياة وليس عيبهم لأنهم فى الحقيقة طيبون مسالمون يبغون الخير للجميع ، ولا يعلم تلك الحقيقة الغائبة سوى من يقترب منهم ويتفهم فكرهم ويتعمق فى وجدانهم.،أما الباقين فيرونهم انعزاليين أو منطوين على أنفسهم ..شخصيتهم تجلب الحزن والاكتئاب وقد يشك البعض أحيانا فى قواهم العقلية!
ثالثا:جملة"يكون حرا من ينتظر شيىء" اعتبرها فقط مجرد تعبير عن قسوة الانتظار وكأن الانسان سجينا لآماله واحلامه التى ينتظر تحقيقها ولكن واقعيا فلابد أن يحلم الانسان ويفكر ويملأه الطموح والأمل فى الغد ويرتضى بهذا السجن وقيد الحرية من أجل النجاح فى الحياة ويكون له اسم وكيان وقيمة فما معنى ان اكون حرا وفى ذات الوقت بلا قيمة أو أثر فى الحياة ... تحياتى لحضرتك ولكافة الزملاء والكتاب العزاء على المنصة.
1
Walaa Atallah
شكرا لك أستاذ عبدو على مشاركتك رأيك عن التدوين.
لكن بالنسبة لآخر نقطة فإن عدم الانتظار الذي أقصده هنا، هو انتظار الأشياء التي تأتينا من الآخرين، وأيضاً تلك الآمال البعيدة التي نعشم نفسنا فيها. فحتى أحلامنا وآمالنا التي ننشدها دوماً هي في الغالب مزروعة فينا أو لأقل جزء منها وإلا ما كنا شغفنا بها. أنا أحلم وأفكر وآمل في غد رائع ولكن يجب أن يكون بقدر. الحرية هنا أنك ستكون غير مقيد بانتظارات لن تأتي. ستكون مكتفيا بذاتك وبما تريد تحقيقه وحسب. وتحية مرة ثانية لشخصك الكريم، دمت بخير دائما.
Abdou Abdelgawad
شكرا وارجو لكم كل التوفيق

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا