الفرق بيننا و بينهم .. أطفال الطبيب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الفرق بيننا و بينهم .. أطفال الطبيب

  نشر في 20 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 23 مارس 2016 .

هذا الصباح قررتُ أن أصاحب طفلي إلى حصة التطعيم ، و حيث أن الدولة المغربية قد تكرمت على رعاياها بمجانية التطعيم ، قررتُ أن أصطحب ابني إلى المكان الذي طُعمتُ فيه أنا حينما كنتُ في مثل سنه ! الطريق كالعادة في هذه المدينة يتنفس الدخان أكثر ما يوزع الأوكسيجين على المستعمليه بالقسطاس ، و الوجوه المتبرمة تشي بأشخاص يختفون وراءها ، مستعدون للإنفجار في أية فرصة قريبة ، حتى و إن كان استعمالا لمنبه السيارة ، ضجيج ، تلوث ، وجوه متبرمة ، لا شيء يبعث على التفاؤل على الأقل في الطريق ، و كالعادة ، وجدت القوانين التي تنظم السير من أجل الآخرين ، و ليس من أجلنا نحن ، لتصير الدار السوداء ، التي كانت في يوم ما بيضاء ، غابة تتصارع فيها الوحوش الآدمية الراجلة ، مع الوحوش الآدمية الحديدية ، مع الوحوش الآدمية المستقلة عربات مجرورة ، كلهم يتتصارعون معا في صورة سوريالية ، تتكرر كل صباح ، و من اراد أن يتفاداها ، فما عليه إلا أن يستيقظ ساعة قبل موعد خروجه المعتاد ، حينما يكون الناس في صراع مع المنبه !

طفلي الصغير ، لا يزال يشير إلى كل سيارة بإشارة من سبابته ، كل سيارة تمر ، أو دراجة نارية يناديني باسمي و يشير عليها ، و علي أنا أن أقول له في كل مرة : أوه إنها سيارة ، أنها دراجة نارية ، إنها دراجة هوائية ! فيضحك في كل مرة ، و لكني من إشاراته لا أمل ، أتساءل فقط ، عن موقفه حينما سيبدأ في الكلام ، لا بد أنه ثرثار كأبيه ، و سيملأ الدنيا أسئلة ، و يجب علي من الآن أن ابحث عن إجابة ! الشيء الأكيد عندي الآن أنه لا يعلم الوجهة التي نؤمها ، و إلا ما كان فارق أمه و أتى معي !

بين الفينة و الأخرى ، و كلما اضطررتُ إلى الوقوف في الإشارة الحمراء ، فوجئت بمتسول أو متسولين يهجمان على السيارات ، يستجدون الصدقات ، كالعادة أقفل النوافذ ، و أعلي صوت المذياع ، فمن كثرة ما رفعتُ يدي لهؤلاء ، لأقول لهم ـ الله يسهل ـ كرهتُ في نفسي هذه الحركة ! و الحقيقة أني لا أعطي النقود لمتسولي الإشارات إلا نادرا ، ليس لبخل في نعوذ بالله منه ، و لكن لعدم ثقتي فيهم ! القاعدة عندي أن اصحاب الحاجة الحقيقيون ، لا يسعفهم ماء وجههم على مد الأيدي لطلب الصدقة ، و هؤلاء هم الذين أبحث عنهم و أعطيهم ما تيسر !

بعد نصف ساعة و نيف ، وصلنا إلى مشفى الحي بشارع بوركون ، بعمالة آنفا ، الساعة التاسعة إلا ربعا ، و جمع من النساء برفقة مواليدهن ، يشكلن تجمعا صغيرة ، كتلك التجمعات التي تتشكل إضرابا أمام إحدى الشركات ! رباه إننا لا نعرف للنظام اصطلاحا ، كيف ندخل في عقول هؤلاء أن النظام سيسهل الأمر كله ، و يحيلنا إلى استخدام صحي للمصلحة ! ترجل طفلي من السيارة ، و عبثا حاولت أن أحركه من مكانه ، و لكنه يشير بأصبعه إلى الأرض ، فأدركت أن ثمة شيء يحاول أن يريه لي ، لا بد أنها قطة ! بالفعل ، كانت هناك قطة متسخة الجسد تقتات على بقايا خبزة … ابني مجنون بحب القطط ، و يجب عليك إذا وجد قطة أن تكون ممثلا بارعا حتى تلهيه عنها ! كالعادة استغرق الأمر مني ٥ دقائق من أجل أن أقنعه بالدخول إلى المشفى الذي ابتلع جموع الأمهات ، حينما كنتُ أشرح لولدي أن القطة لا يمكنها مرافقتنا …

وقفتُ بعيدا شيئا ما عن باقي الأمهات ، و بيتُ النية على الصبر حتى تنتهي كل واحدة منهن من تطعيم أطفالها ، ثم أمر أنا ! و هكذا كان ، في انتظار دورنا ، كان طفلي يشير إلى الصور المعلقة ، و يحملق فيها طويلا ، كشخص فقد شيئا ثم وجده صدفة ! صور كلها عن الامراض و العدوى ، و التحذير ، بعدها هبطنا الدرج إلى ما يشبه قبو تحقيق في مركز شرطة ، يحتوي على كراس خشبية ، و نافذتين علويتين عليهما سياج حديدي فكان المنظر كمكان للتحقيق عند الشرطة !

جاء دورنا أخيرا ، دخلتُ ، و كانت المفاجأة ، أن الممرضة التي ستعطي اللقاح لابني هي نفس الممرضة التي أعطتنيه قبل أكثر من ٣٠ سنة ! عرفتها أول ما رأيتها ، و استرجعتُ تلك الذكريات الأليمة التي كنتُ أقضيها هنا في هذا المشفى كل مرة كان يتوجب علي أن أخوض هذه التجربة ! عرفتها و لم تعرفني ، كانت شابة حينما كنتُ إحدى ضحاياها ، فأكلت الأيام شبابها ، و أصبحت عجوزا ! مرور الأيام كفيل بتليين الحديد فما بالك اللحم و العظم !

بقيتُ أحملق فيها كثيرا ، حتى انتبهت للالتهام عيوني فسألتي قائلة بوجه متبرم :

ـ لماذا تحملق في هكذا ؟

أخرجتني كلماتها الحادة من ذكرياتي فقلت :

ـ هاه ، كلا لا شيء ، الظاهر أنك كنت أول من أعطاني التلقيح في حياتي ، و إني أذكرك جيدا !

لم يتغير شيء في قسمات وجهها ، فردت ببرود !

ـ أنا لا أذكرك ! و لكن هيا لا تضع وقتي هكذا ، ما الذي تنتظره ؟ هيا ، اقلع سروال ابنك ، و لا تضع وقتي !

تمتمت مخاطبا نفسي : تفو باقا هي هي ! ما تبدلت فيها حتا زفتة ! تبارك الله على السي مصطفى ، اليوم غادي تتشوط !

سألته في حدة و كأنما سمعت شيئا مما قلت :

ـ آش قلتي ؟

ـ لا والو ألالا ، غير و كان نسيت الدفتر الصحي ديالو !

ـ هادشي فاش فالحين ! واش يسحابليكم غير آجيو و ديرو الدراري ! راه المسؤولية هادي ! ماشي غير ولد ! ماشي موشكيل ، يالاه جيب الدري و حطو هنا !

ـ أياه ألالا عندك الحق ، الموشكيل فيا أنا اللي جايبو ، و ما أنا آش لاحني لهادشي ، كون صيفت ليك مو !

ـ مو ؟ هاهوما لعيالات معمرين الدنيا ! فيناهوما لعيالات ديال شحال هادي ! وا الدنيا تمسخت لا رجالا لا عيالات !

لم أدر لم تحنق هذه الممرضة على العالم هكذا ! هل هو الزمن ؟ لا بد أنها لم تتزوج ، أو لم ترزق بأطفال ! بحال والو تكون عاكرة ! و اعترتني ضحكة خفية حاولت سترها قدر الإمكان ، فتبسمت و قلت :

ـ واش غادي تديري غير الصبر ألالا ، دابا واش نحيدليه السروال ؟

ـ سربي سربي راه عندي مازال الخدمة !

نوعتُ سروال ابني الذي خمن ماذا سيحدث و بدأ في البكاء ، فقالت بصوت مرتفع أخافه أكثر :

ـ هاي هاي هاي لفشوش كيف داير ، مازال تا ما قصنا فيك و بارك تبكي ! مازال ما جرنا ليك والو !

ـ ألالا ، راه باقي دري صغير كايخاف !

ـ صغير على فم السبع ، حنا قدو ككنا غير كانتجاراو فالزنقة !

أخرجت اللقاح من الثلاجة ، و فتحته ، و بدون سابق إنذار ، و لا تمهيد نفسي للطفل ، غرزت الإبرة الأولى في فخذه الأيمن ، و كان طفلي من الأطفال الذين يصبرون حين الألم ، و إذا بكى ، فاعلم أن الألم لم يكن محتملا ! بعدها تناولت اللقاح الثاني و غرزته في فخذه الأيسر ، و هنا بكى طفلي ، و هوى بيده على يدها ، حتى تألمت ، فقالت له :

ـ ولايني راك ما ساهلش ! بحال باك واقيلا !

ـ ياك كلتي ما بقيتيش عاقلا عليا !

ـ أياه ما بقيتش عاقلا و لاكين باينا فيك !

ـ الموهيم دابا وقتاش نجيبو ؟

ـ ملي يدير خمس سنين جيبو !

ألبستُ ابني ، و مسحت دموعه ، و قبلته و همستُ في أذنه بالألمانية :

ـ لا تقلق يا حبيبي ، لن آتي بك بعد اليوم إلى هذا المكان ! يكفيك الم اليوم !

في مجرة موازية و عند طبيب الأطفال :

تدخل السيدة باولا برفقة طفلتها هايدي ذات الخمس سنوات ، فيدور بينهما الحوار التالي :

ـ انظري يا ماما ، لقد غير الدكتور إيستيفان شكل العيادة ، هناك رسومات زائدة على الجدران

ـ نعم ! و لكن يا هايدي ، لا أدري لم تحبين هذا الطبيب بالذات !

ـ إنه لطيف يا ماما ، و يعاملني بحب ، بالإضافة أنه جميل !

ـ أوه ، أيتها المشاغبة !

تأتي السكرتيرة إلى غرفة الإنتظار و تخاطب الأم بابتسامة احترام

ـ سيدة باولا ، أرجو أن تمديني ببطاقة التأمين أرجوك ، و سبب الزيارة !

ـ أوه نعم تفضلي ! في الحقيقة نحن هنا من أجل اللقاح !

ـ طبعا طبعا ، تفضلا معي !

هذه العيادة أشبه بمكان للأحلام ! حولها صاحبها إلى قطعة من السحب و الأزهار و الألوان ، حتى يشعر الأطفال الزبائن ، براحة نفسية قبل مقابلته ، حتى و إن كانت مقابلته في حد ذاتها قطعة أحلام حلوة حلاوة الشوكولا المعتقة !

فتحت السيدة باولا الباب ، و ما لبثت هايدي أن جرت باتجاه الطبيب و عانقته ، فاستقبلها بحملها ، بابتسامة حب كبيرة !

ـ هايدي ! ماذا تفعلين !

ـ مهلا سيدة باولا ، اتركيها تعبر عن مشاعرها ، ها كيف حالك يا هايدي ؟

ـ الحمد لله ، أنا بخير ، تعلم لماذا أتينا اليوم يا دكتور ؟

ـ هممم دعيني أخمن ! صحتك جيدة ، لا بد أنه اللقاح !

ـ نعم هو ذاك ، و لكن لي شرط صغير ، أن لا أشعر بالألم !

ـ لا عليك ، لن تشعري إلا بوخزة صغيرة ، ثم بعدها ينتهي كل شيء ، هيا اكشفي لي عن فخذيك !

كشفت هايدي عن فخذيها ، فقال الدكتور استيفان :

سأعد لثلاثة ، ثم أعطيك أول حقنة ، اتفقنا ؟ هيا : واحد ، اثنان …

ـ أي دكتور ، قالت هايدي ضاحكة ، هذا غش ، أنت لم تكمل حد الرقم ثلاثة !

ال استيفان ضاحكا : نعم هذا هو الس أيتها اللطيفة ! و الآن هيا إلى الحقنة الثانية !

ـ هل ستخدعني مرة أخرى ؟

ـ كلا هذه المرة لن أعد إلى الرقم اثنان فقط ، هيا : واحد …

ـ ضحكت هايدي و قالت : هذا ليس عدلا ، عددت إلى الرقم واحد فقط !

ضحك الدكتور إيستيفان ، و طبع قبلة على يد هايدي الصغيرة و قال :

ـ حسن ، ها قد تم كل شيئ ، كيف حال الدراسة أيتها الأميرة ؟

ـ بخير ، أنا من الأوائل !

ـ جيد جدا ، و هكذا أريدك دائما ! حيا ، خذي مني هذه ، و لنضرب موعدا في لقاء قادم

أخرج من جيبه قطعة شوكولا ، و ناولها الصغيرة ، شكرته و عانقته ، ثم أخذت يد أمها جرتها إليها للذهاب ، شكرت السيدة باولا الدكتور ، و ودعته ، ثم خرجا ، لتجد السكرتيرة قد قامت بكل شيء ، ناولتها بطاقة التأمين ، ثم خرجتا ، كخارج للتو من حلم جميل !

الفرق بيننا و بينهم ، أن بلادنا تحتوي على أطباء أطفال ، و بلادهم تحتوي على أطفال أطباء ! الفرق جملة مقلوبة ، و الحق أن مجرتنا نحن لا يمكن أن تلتقي بمجرتهم ، إلا التقاء في نقطة اسمها : الأخلاق

طيب الله مساءكم !

مهدي يعقوب


  • 11

  • يعقوب مهدي
    اشتغل في مجال نُظم المعلومات .. و اعشق التصوير و الكتابة
   نشر في 20 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 23 مارس 2016 .

التعليقات

راوية وادي منذ 2 سنة
رائعة الفكرة و طريق طرحها. أحسنت السرد و الوصف سلمت يمناك
1
مقال جميل أعجبتني الفقرة الأخيرة في الفرق بيننا و بينهم !
أن بلادنا تحتوي على أطباء أطفال ، و بلادهم تحتوي على أطفال أطباء ! الفرق جملة مقلوبة ، و الحق أن مجرتنا نحن لا يمكن أن تلتقي بمجرتهم ، إلا التقاء في نقطة اسمها : الأخلاق
2
ايناس منذ 4 سنة
خاطرة جميلة.احيي مجازفتك على استعمال اللهجة المغربية العامية.الوصف الدقيق يجعل من نصك قابلا لتصوير فيلم قصير
1
يعقوب مهدي
شكرا جزيلا إيناس

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا