حديث الخريف - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

حديث الخريف

تجاربهم لاتجاربنا.....

  نشر في 06 غشت 2019 .

يومها كانت كل واحدة منا متقوقعة في عالمها الخاص، هي تنظر أمامها الى نقطة وهمية دون أن ترف أهدابها الجميلة , وأنا أنظر عبر النافدة إلى الٳنفعالات التي تحدث خارج سيارة الأجرة هذه ,نعم الكل منفعل متفاعل مع اللاحياة التي تآلفوا واندمجوا معها حتى غدت من المسلمات… أتأمل بعضهم فينفلت مني البعض الآخر، ولأول مرة منذ سنوات صداقتنا نكون في مكان واحد دون أن ندردش قليلا، هذا التقوقع جعلنا نحتفظ بأفكارنا هذه المرة، أطلقت تنهيدة في رغبة مني لكسر هذا الصمت الثقيل:

−أتعلمين …عزيزتي أنا وأنت تشاركنا معظم آلامنا∙∙∙ كل ما مر بنا ومازال يمر سالبا إيانا إرادة العيش وحلم الإكتشاف… تشاركنا معاناتنا وأسرارنا حتى الخصوصية منها …

لتقاطعني بابتسامة شقية: − نعم حياتي

فأدرت وجهي مجددا، واستطردت:

−ولكنني توصلت لنقطة مهمة ,أننا شابات في مقتبل العمر دون تجارب تقوينا او تهيئنا لنكون كذلك∙

لتقول وهي تتأفف: ربما المشاكل التي عشناها جعلتنا كذلك

نظرت إلى ملامحها التي بدأت تتقلص قليلا فابتسمت بسخرية وقلت:

−إن الوخزة التي ضربت قلبك الآن ,نفسها هي التي حاولت قتلي منذ أيام وانا أفكر في نفس الموضوع ,أتعلمين ماهي المصيبة الكبرى أن معظم هذه المشاكل أو تقريبا كلها كانت لمن هم حولنا ,أي أننا عزيزتي قضينا سنوات عمرنا حتى طفولتنا ,نعيش مشاكلهم لا مشاكلنا… معاناتهم لا معاناتنا… ٳنكساراتهم… وخيباتهم لا خيباتنا…

نظرت الي بدهشة كبيرة لتقول بحزن:

−عشنا كل شيء حياتي، بالتفصيل الممل، عايشناهم وتفاعلنا مع آلامهم حتى ظنوا أننا جاهزون لكل الصدمات لأجلهم… لقد امتلأت يا إبتسام، امتلأت حد الشبع… لو أنني أرحل الى مكان خال جدا، أرتب فيه حياتي …طبعا ستكونين معي فمصابنا واحد.

إبتسمت في وجهها لتسرقني إحدى الذكريات البعيدة نحو وجه بدأت بعض ملامحه تتشوش ببطء شديد، كأنها تفعل ذلك عن سبق إصرار، لكن كلماته مازالت ترن في ذاكرتي كمنبه من حين لآخر، لأقول لها مجددا:

−قال لي شخص ذات يوم، انت أكبر مخادعة عرفتها في حياتي

لأجيبه بشيء من الإنفعال:

− الكل يراني أفضل من هذا بكثير, لتقول أنت هذا الكلام الغريب,لكن إجابته كانت كصفعة وقعت على وجهي المراهق حينها :

−بل هم لم يعرفوك أبدا، تظنين أنك تخدعينهم بل تخدعين نفسك لا غير، دور الفتاة المثالية التي تعيش آلام الآخرين، تنصت …وتسمع لهم حتى وهم يعيدون أمامك الكلام ألف مرة، كأنك تؤكدين لهم أنك موجودة لترهاتهم على طول الزمن، ليتابع غير آبه بالدموع التي تحجرت في عيني وقتها:

−قناعاتك الغبية… تفاؤلك المزيف سينكسر عند أول تجربة حقيقة تخوضينها، وهذا ما لا أريده لفتاة تشع ذكاء لكنها تحاول التغابي, لازلت اذكر حينها كان يضرب على جبيني بسبابته ليتابع… لا تتفاعلي حين لا ترغبين في ذلك، لا تستمعي لأحد حين تشعرين بالٳكتفاء, ولا تضحكي حين ترغبين في البكاء … كوني أنت فقط

نظرت الي صديقتي بشيء من الدهشة، لأتابع ودمعة تفر من عيني:

−لقد كان أول شخص يعري روحي أمامي بفظاظة، لكنه كان صادقا ومحقا لقد رأى جوهري واستمع إلى فوضويتي رغم صمتي… حتى بعثرتي حاول ترتيبها ، وانكساراتي حاول مداواتها لكنني كنت حينها غير ناضجة لأتفهمه جيدا…

استدرت إليها، كانت تمسح دموعها كي لا أراها فتقول بصوت مخنوق:

−دمرونا يا ابتسام، دمروا ثقتنا في الحياة… في العيش بسلام، بعد الخيبات التي لا تنتهي، تجاربهم أهلكتنا لا تجاربنا

توقفت بنا سيارة الأجرة، بعدها قدمت للسائق أجرته… فور أن خرجنا صفعتنا رياح الخريف ببرودتها ودفئها, نظرت الى الأوراق المتساقطة، حملت إحداها وٱلتفت إليها:

− يؤسفني القول عزيزتي, أنا وأنت كهذه الوريقات بكل تشققاتها وتمزقاتها حتى في وحدتها وهي تتخبط وحيدة كالمتشردين بلا موطن تلعب بها الرياح كيفما تشاء, رفعت وجهي نحوها لأستطرد :

−وعند اول تجربة حقيقية سنعيشها سنصبح هكذا تماما، فضغطت على الوريقة قليلا لتغدو غبارا

لتضحك بسخرية قائلة: تشبيهاتك تسحرني وتخيفني في نفس الوقت، دعيها فقط أننا شابات بلا تجارب حقيقية …

لأطلق قهقهة ,ٱلتفت لها بعض الطلاب مستغربين لتقسوا نظراتي قليلا وأنا أرى أبعد نقطة لأقول بهمس أشبه بالخوف:

والأعظم يا حياتي، هل بقي لنا القليل من الطاقة لنعيش تجاربنا حتى نحن؟ أم ٱستنزفناها ونحن نفكر في معاناتهم ؟ام نعيشها مستنزفات فيكون خصمنا هو الأقوى ؟ام سنختار الهروب ككل مرة حتى نغدو عجوزات بلا تجارب.


  • 1

  • ابتسام تغزاوي
    محبة للفنون.رسامة .معلقة صوتية .وكاتبة حاصلة على جائزتين في فن القصة القصيرة
   نشر في 06 غشت 2019 .

التعليقات

Dallash منذ 3 سنة
احسنت اختي ..بالتوفيق
1
ابتسام تغزاوي
شكرا عزيزتي
Dallash
تحياتي اختي

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا