في وداع 2020 " مذكراتُ جيلٍ ماضٍ إلى جيلٍ قادم " - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

في وداع 2020 " مذكراتُ جيلٍ ماضٍ إلى جيلٍ قادم "

  نشر في 10 مارس 2021  وآخر تعديل بتاريخ 10 مارس 2021 .


تُكتبُ هذه الرسالة بتاريخ يوم من أيام الحرب والمآسي، من العام 2020، عام من الأعوام التي جمعت في حقائبها الكثير من البأس الذي لم يزل، ضعف وقتل وفساد ودماء وتهجير واحتلال بكل أنواعه وأصنافه، ولا أخفيكم إنَّ هذه حالنا منذ مئة عام مضت، ومُذْ وُلِدنا نَرانا نُقتل، كبرت من سقيا دمائنا أشجارٌ وغابات، وجرت بها أنهارٌ وبحيرات، قبلاً جُرِحنا في فلسطين والعراق، واليوم أرض الشام على إِثرِها تنزف، وغيرها الكثير، وكل يومٍ، كل ساعةٍ أرضٌ ودماءٌ منَّا تُستباح.

وكنا ومازلنا على يقين أنْ لا ظلم يدوم ولا بأس، حتم الله تعالى ذلك، وقضى أن الأيام دولٌ، وقال : {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ (١٩٨)}. ونحن قد عاهدنا أنفسنا يوماً وعاهدناكم أمام الله: إننا سنعمل وسنبني ما استطعنا إليه سبيلاً، وما شاء الله لنا أن نبلغه، وإنا لا نضمن لأنفسنا أن نعيش الغد، ولا نملك لكم حياة يملؤها الهناء والسعادة والرفاه، سعادتكم وقوتكم أنتم وحدكم من سيصنعها، ونرجو الله لكم ذلك، نرجوه أن يعز الإسلام بنا أو بكم، ربما لا يسعفنا الزمان والسويعات التي نعيشها اليوم أن نعيد لكم فيها مجداً وحضارةً تملأ الدنيا ويشهد عليها التاريخ، ربما لا نملك أن نستعيد أوطاننا التي سُلبت، أو مساجدنا التي هدِّمت، أو ننصف الأرواح التي ظلمت، أو نداوي الجراح التي ثقلت، ولكن ينبغي أن تدركوا أن ثمة أناس هنا يفنون حياتهم لأجلكم، تتوق قلوبهم شوقاً ولهفةً إلى نهضة أمتهم، يحرمون أنفسهم طيب الحياة لأجل حياةٍ كريمةٍ قد تعيشونها في ظل دينكم، هنا أقوام يبذلون دمائهم وأرواحهم، يُقتلون كل يوم ولا يسمع أحد بهم، مخلّفين وراءهم ثكالى يفطُر الفراق قلوبهن، ويثقب الأنين حناجرهن، هنا دماءٌ تهدر وأشياء باهظة الثمن تبذل كل يوم، لأجل الغد الذي ستحيونه، وقد لا يملك الزمان أن يدونها لكم، فاحذروا لا يضلكم التاريخ أنه زمنٌ خلا من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقد يكون كاتب التاريخ عدوكم.

ولا تكترثوا إن كانت هذه الفئة هي القلة القليلة، فالله يبارك فيها وهي الغالبة بإذنه في زمن ضاعت فيه العزائم وفترت الهمم، ونحن نؤمن بقوله تعالى {كَم مِنْ فِئَةٍ قليلةٍ غلبتْ فئةً كثيرةً بِإذنِ الله}، وهذا الركب سيمضي، ونحن وإياكم سنمضي، فكونوا أعزةً بتاريخكم مهما ظهر به من ضعف، واعلموا أن صخرة جثمت على قلب أمتنا لم تكن لتزاح بقوة الأبدان وحدها، ولكنها قوة الإيمان التي في القلوب، فإن نحن لم نزيحها جميعها فإن الأمل مايزال معقود بكم، فلا تخيبوا تلك الدماء الطاهرة التي نزفت وتنزف، لا تخيبوا الجهود الصادقة التي بذلت وتبذل، لا تغركم الحياة وزخرفها كما غرّت أقواماً من قبلكم، فضلوا السبيل، ولم يحابيهم الموت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ).

وقال: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ»

أنتم أيضا للأجيال من بعدكم حقٌ عليكم، أن تبذلوا قصارى جهدكم لأن تستعيدوا مجدكم - {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} - العدو من أمامكم والموت لا محالة ملاقيكم، فسيروا على هدى وبصيرة من ربكم، إن هذه أمة يُراد بنائها بناءً صلباً عزيزاً بلبنات الصدق والإخلاص في السعي والعمل والبذل.

ولا أملك ختاماً إلا أن أقول ما قال الله تعالى على لسان موسى عليه السلام:

{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.

بكم السلام وعليكم.


  • 3

   نشر في 10 مارس 2021  وآخر تعديل بتاريخ 10 مارس 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا