قبل أن يسرقكِ العمر بقلم : إحسان طالب - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

قبل أن يسرقكِ العمر بقلم : إحسان طالب

أمام المرآة

  نشر في 10 أبريل 2015 .

وقفتْ أمام المرآة تتأمل وجهها ، لاحظت ظهور خطوط جديدة وذبولاً في نظرة عينيها ، أصابتها الدهشة: هل تقدمت بالعمر بهذه السرعة أم أنني غفلت عن نفسي لزمن طويل حتى لم أعد أعرف متى غزت تلك التجاعيد وجهي ، لقد أهملت جمالي وصحتي بحجة الانشغال بالعمل وانهماكي بهموم الآخرين وأمضت ردحا طويلا من حياتي متجاهلة ذاتي وحاجاتي. لا أتذكر أخر مرة ذهبت فيها لعيادة طبيب أو زرت بوتيكا نسائيا ، ياترى منذ متى كانت آخر مرة اشتريت فيها لنفسي مكياجا أو أمضيت ساعات أتجول في محلات الملابس النسائية ،

كان ينظر إلي من خلفي بحنان وحب وكأنه يستمع لما بداخلي، لم يتحدث إلي بكلمة، وفي صباح اليوم التالي أخبرني بأن الوقت قد حان لتكوني أنت همي وهمك الأول وقدم لي مفاجأة لم أكن أتوقعها !

سؤال :

ـ سألتها : لماذا تتحول المرأة بعد عدة سنوات من الزواج إلى آلة ميكانيكية لتلبية طلبات الجميع، وتتراجع مكانتها تدريجا حتى تصل ليوم تنسى نفسها وينسى الآخرون أنها أنثى، وينظر الجميع إليها كشخص مهمته إرضاء الآخرين وتقديم الخدمات لهم ؟

ردت: تعيش المرأة في أول سنوات زواجها باحثة عن مكانة تجمع فيها بين الزوجة والمرأة والأنثى ويدفعها الزوج والمجتمع ببطء لزاوية ضيقة نمطية تصبح فيها زوجة وأم، وإذا حاولت الجمع بين مهامها العائلية وتوقها كأنثى تحب الظهور والتنافس والجمال والحياة تجد الجميع ضدها.

قلت لها: ربما كان تخلي المرأة عن كثير من حقوقها وحرصها الكامل على أداء واجباتها دون شكوى أو مطالبة سبب لجرأة الرجل والمجتمع عليها.

الكلام بالعموم والاستثناءات كثيرة.

من يدري ؟.

أريد الصراخ :

كنت شابة رومانسية حالمة ، أحب الموسيقا والشعر أمضي نصف ليلي ألتهم روايات عربية وغربية ، أنسى نفسي مستغرقة على شطآن الرواية والسرد ولا أنته إلا والفجر يؤذن بنهار جديد ، أحرص على اقتناء أحدث الأسطوانات لمشاهير الغناء في العالم ، أشترك في نقاشات حادة عن الحرية والتحرر وانخرط بعمل حزبي سياسي يخدم قضية التقدم والحداثة التي آمنت بها ، لم أبلغ العشرين عندما وجدت نفسي عروسا على الأيكة ، والضجيج يملأ المكان وروائح العطور تختلط برائحة العرق وأصوات المحبين تتداخل مع أصوات الغيورين والحساد ، لا أنكر أنه شاب وسيم وطموح ووعدني بحياة مليئة بالترف والسفر ، لم يخدعني وعشت سنوات طوال أفتش عن مظاهر الحفلات والاختلاط بالطبقة المثقفة وبات منزلي الخاص صالونا ثقافيا لا بد أن يمر عليه مشاهير الأدب والفن والموسيقا من أهل البلد ومن زواره

عند عتبة الأربعين لم أكن أدري كم بلغت من العمر ، حفلة عيد ميلاد رائعة طغت فيها التهاني والأمنيات وملأت زوايا الصالة هدايا جميلة ورائعة ، دخلت إلى غرفة نومي وحيدة كما هي عادتي منذ سنوات والهدوء يعم أرجاء المكان بعد انحسار الليل ، أريد الصراخ بأعلى صوتي ، أريد أن يعرف الجميع ، أريد كشف كل الحقيقة ، أنا لست سعيدة ولا أشعر بطعم الحياة الحلو ، لا أعرف معنى الهناء والسكون الداخلي ، لا أذكر أخر مرة تحسست فيها جسدي كامرأة تنبض بالشباب والعنفوان .

منذ سنوات أنام في غرفة نوم منفصلة عن غرفة زوجي ، وإذا جمعنا سرير واحد فصل بيننا عالمان مختلفان ، كنا دائما كالماء والنار ، كموج البحر الصاخب وخرير ساقية ماء مهجورة ، كنا كعصفور أخرس وبلبل شادي لا يكف عن الغناء

لا أعرف كم مضى علي من شهور أو سنوات وأنا وحيدة بين الجموع أحتضن وسادتي الخالية بغرفة مجاورة لغرفة يعلو من خلال بابها الموارب صوت شخير زوجي ، بت جسدا بلا روح وامرأة بلا أنوثة ، عندما أزور صالات عرض الألبسة الكبرى في المدينة تطالعني صور المانيكانات فأشعر مباشرة وكأنني واحدة منهم ، صنم بلا روح وبلا حياة ، مشجب تلقى عليه أجمل الثياب وأرق كلمات الإعجاب ، دون رد أو جواب.


  • 8

  • Ehsan Taleb
    احسان طالب كاتب وباحث في الدراسات الإسلامية من دمشق ، سوريا. مواليد 1956 ولد في عائلة مسلمة تلقى تعليما متعدد التوجهات والده هو الشيخ بهجت طالب ، كان واحدا من أئمة المساجد الشهيرة في دمشق في مرحلة المراهقة المبكرة ، تعلم ا ...
   نشر في 10 أبريل 2015 .

التعليقات

نعم وراء كل تلك الالوان الزاهية و تلك الوجوه المبتسمة ..روح تحتضر ..
.في منتهى الجمال .. كان سردك للاحداث دقيقا ..و مميزا في نفس الوقت .. اخذتني بعيدا ..
دام ابداعك .. سلامي و حبي الى اهل سوريا الشقيقة ..
0
,,, ( احسنت سيدي الكريم ) ,,, و اسمح لي ببعض الكلام الذي لن يعلو على ما تفضل به صاحب هذا القلم ذو التاريخ العريض المشرف ,,, اتحدث عن شيئا واقعيا ليس من الخيال او التاْليف , الابطال دائما هم مسوْولون بشكل مباشر عن نجاح القصة من فشلها , ذلك لان كل ماحدث عند بداية هذه القصة كان برغبتيهما و الموافقة كل منهم على الاخر و بدون اي تدخل خارج ارادتهما , عليه عندما يبداْ مشوار الحياة و التحول من و الى كان يجب ان يكون ذلك بالحسبان قبل ان نقول نعم , فالاصلاح بات صعبا الان , لانه لم تكن او لم يكن الشخص الصحيح لشراكة الحياة لكنه كان فقط شخصا مناسبا و كنت اظن انه مثاليا و سنعيش بسعادة ابدية , لكن الفرق كبير بين المناسب و الصحيح , و هذا على العموم ليست قاعدة عامة تشمل الجميع لكننا نستطيع القول انها تشمل الغالبية من الناس , لهذا تزداد اعداد القصص الحزينة كل يوم ,,, بعد مرور فترة معينة على الزواج يكتشف كل منهما او احد الطرفين انه كان مخدوعا بالاخر لانه قد بذل اكثر ما في وسعه لانجاح هذه الشراكة لكن سعيه كان هواءا في شبك , و نرى كل يرمي بالاسباب على الاخر ,,, و انا اقول ( ان الجميع على حق ) ,,, لان كل منا يرى شخصه و سلوكه و تصرفاته و مستواه الشخصي و العلمي و الاجتماعي صحيح و انه على حق شئت ام ابيت و هو لا يناسبني و تظهر عيوب الدنيا كلها بين ليلة و ضحاها و كاْننا كنا قد اجتمعنا لقضاء نزوة ( هذا الكلام يصدر اغلب الاحيان من كلا الطرفين ) ,,, جميع الناس يتمنى السعادة و يطمح للحصول عليها , بعضهم بعمل و جهد و عناء و واقعية , و البعض الاخر بالتمني و الاعتماد على الاخرين , لا اود الاطالة سيدي الكريم , و دون الدخول في تفاصيل الحياة اليومية , و بما ان الجميع على حق فيجب ان تكون هناك عدالة حيث لا ينبغي و لا يجب على اي كان التواصل و الاستمرار بحياة لا تتوفر فيها ابسط معايير الشراكة الحقيقية للطرفين ,و لا يوجد سبب رئيسي يجعل صاحبة القصة التحمل الى هذا الحد الذي وصلت اليه , و يمكن لها و له اختيار طريق اخر فلا ضير و لا ضرار , بدلا من الاستمرار و زيادة الالم كل يوم بالشكوى او دونها , عندما نرى ان الطريق الاخر افضل فلا نتاخر في صنع القرار حفاظا على ما تبيقى من كرامتنا , و عجلة الحياة لا بد لها من الاستمرا ر ,,, احترامي للجميع
0
Ehsan Taleb
أهلا بك أخي الكريم اسماعيل : أتفق مع ما ذهبت إليه ، والواقع أن العلاقات الاجتماعية معقدة ومتشعبة، وفي بعض الأحيان يكون نقص النضوج الاجتماعي والعاطفي سببا لهدم العلاقة أو تحولها لحالة من العنت والشقاء ، وربما تكون الاشكالات المادية أيضا ذات تأثير سلبي بالاضافة إلى تدخلات المحيطين السلبية . دمت بخير

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا