إليزابيت كولبرت- الإنقراض من الصدفية العمياء للطبيعة إلى التدميرية البلهاء للإنسان. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إليزابيت كولبرت- الإنقراض من الصدفية العمياء للطبيعة إلى التدميرية البلهاء للإنسان.

  نشر في 22 يوليوز 2019  وآخر تعديل بتاريخ 23 يوليوز 2019 .

   

   يمكن اعتبار العدد 471 من سلسلة عالم المعرفة المنشور في أبريل 2019، واحدا من أروع الأعداد التي صدرت عن هذه السلسلة الثقافية على الإطلاق، حيث ترجم كل من أحمد عبد الله السماحي و فتح الله الشيخ و هما كميائيين عرب، كتاب الأمريكية إليزابيت كولبرت Elizabeth Kolbert المعنون بـ"الإنقراض السادس- تاريخ لا طبيعي The Sixth Extinction: An Unnatural History"، و موضوعه كما هو واضح من العنوان هو "الإنقراض"، إذ تعرضت الكاتبة في 13 فصلا للإنقراضات التي حدثت على فترات متباعدة أحدها قريب لنا زمانيا كانقراض الضفضع الذهبي في بنما، و بعضها أبعد من ناحية التاريخ كانقراض الماستدون الأمريكي و الديناصورات، العجيب في هذا الكتاب بل المذهل هو أنه بموازاة قراءته يحصل لك الإنطباع بأن من كتبه متخصص في الموضوع على الأقل لأكثر من 40 سنة، إلا أن الكاتبة مجرد صحفية متخصصة في الصحافة الإستقصائية journalisme d'investigation، أي ذلك النوع من الصحافة الذي يعد تقارير محكمة حول وضع من الأوضاع البشرية، اختارت إليزابيت كولبرت أن تتخصص في "الصحافة الإستقصائية البيئية" و بعد سنوات وجدت نفسها مضطرة لفهم التغيرات المناخية من خلال الإطلاع على أهم الدراسات و النظريات في مختلف العلوم الطبيعية، لذلك انكبت على قراءة كل ما يسقط بيدها في هذا الصنف من العلوم، إلى درجة أن كتابها هذا اعتمد على أكثر من 180 مرجع علمي، بالإضافة إلى ذكرها في متن الكتاب لأكثر من 90 عالم و باحث و خبير بعلوم و شؤون البيئة و التغير المناخي و أثر ذلك على حياة الأنواع الطبيعية على جهة الإنقراض، زد على ذلك الكاتبة زارت كل المواقع التي عرفت انقراض لأحد الأنواع (التي كتبت عنها) أو المواقع التي فيها نوع مهدد بالإنقراض، حيث توزعت هذه المواقع على مختلف أسقاع الأرض و عددها تجاوز 7 مواقع، إذ اجتمعت كل هذه المميزات كي تمنحنا تحفة علمية رائعة، و مازاد من جمالية الكتاب هو ترجمته الممتازة -بالنسبة للقارئ العربي- التي انفلتت من عقال الركاكة في الكثير من أجزاء الكتاب.

  صدَّرت المؤلفة كتابها بتوضيح علمي تاريخي مفاده أن التاريخ الطبيعي عرف موجات انقراض مدمرة، و كان أضخمها 5 كوارث يطلق عليها علماء الأحياء اسم "الخمسة العظام Big Five"، و تلاحظ الكاتبة بأن الكارثة السادسة أو ما سمته بـ"الإنقراض السادس" يحدث في أيامنا هذه و هو جاري منذ قرن على الأقل و لازال مستمرا بالطبع، و من مظاهره الإحتباس الحراري و ارتفاع درجة الحرارة و تآكل الغابات المطيرة و ارتفاع معدل حموضة المحيطات و تقلص الشعب المرجانية و غيرها (ص17)، و هو ما يؤثر سلبا على الأنواع الطبيعية التي تعيش في هذه الفضاءات، حيث يهدد بالإنقراض ما يزيد على مليون نوع طبيعي قد تختفي في 50 سنة القادمة أو على أكثر تقدير متفائل بعد 100 سنة (ص192)، فإذا كانت ميكانيزمات الطبيعة هي سبب الإنقراضات أثناء الكوارث الخمس السابقة الذكر، فإن سبب الإنقراض السادس و الذي يجري حاليا فهو الإنسان الكلباني الذي يوصف تجاوزا بالعاقل Homo Sapiens (ص17).

الفصل 1: استهلت الكاتبة الحديث عن المجزرة اللاطبيعية التي تهدد أعداد تتزايد كل سنة إن لم نقل كل يوم من الأنواع الطبيعية بالإنقراض، بـ"الضفدع الذهبي Atelopus Zetek" الذي يعيش في بنما، و هو من صنف البرمائيات التي ظهرت عندما كانت كل اليابسة على الكوكب كتلة واحدة تسمى بانغيا Pangaea، حيث دَبَّت أولى البرمائيات فوق الأرض قبل 400 ملون سنة، و منذ 250 مليون سنة تطورت عنها البرمائيات الحديثة التي جرى التعرف على أكثر من سبعة آلاف نوع منها (ص26-27)، قرأت إليزابيت كولبرت مقالا علميا نشر في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم من تأليف اثنين من علماء البرمائيات و الزواحف كان عنوانه: "هل نشهد حاليا انقراضا سادسا؟ رؤية من عالم البرمائيات" (ص21)، حيث أشار المقال إلى أن التاريخ عرف 5 انقراضات ضخمة، وقع الإنقراض الأول في نهاية العصر الأوردفيكي Ordovician Period منذ نحو 400 مليون سنة عندما كانت الحياة محصورة بشكل رئيسي في المياه، ثم حدث الإنقراض الثاني الأكثر دمارا في نهاية العصر البرمي Permian Period أي منذ نحو 250 ملون سنة، و كان على وشك القضاء بشكل شامل عن كل أنواع الحياة، و الإنقراض الجماعي الأحدث و هو الخامس كان في نهاية العصر الطباشيري Cretaceous Period، و تسبب في إفناء الديناصورات و الأمونيتات و التيروصورات (ص22)، كان معدل الإختفاء السريع للبرمائيات خصوصا في صنف الضفادع يؤشر إلى أن انقراضا سادسا يجري حاليا، بحثت الكاتبة عن موقع للتحقق من ذلك فوجدت أن بنما موطنا لأحد أنواع الضفادع و الذي منذ فترة لا تزيد على عقدين كان متوفر بغزارة في سهور و وديان بنما إلا أنه بدأ يختفي بشكل سريع، إلى حد أن طالبة دراسات عليا أمريكية تدرس الضفادع قصدت هذه المواقع في بنما و لم تجد أي ضفدع، و حدث نفس الشيء لباقي البرمائيات التي كادت أن تختفي تماما (ص20).

  بعد بضعة سنوات من البحث عن سبب هذا الإختفاء المتسارع، قد لاحظ القائمين على حديقة الحيوان القومية في واشنطن أن أعداد ضفادع السهم السامة Poison-dart Frogs تتراجع باستمرار، فاستخلص أحد الباحثين عينة من الضفادع النافقة كي يدرسها مخبريا، فوجد على جلد معظم الضفادع الميتة فطرا قاتلا ينتسب إلى مجموعة فطريات تسمى "تشيتريد Chytrids" الذي يوجد في الكثير من الأوساط الطبيعية كقمم الجبال و الأودية، إلا أن هذا الفطر لم يعرف من قبل إلى درجة أن العلماء اخترعوا له تصنيف وتسمية جديدة وهي "Batrachochytrium Dendrobatidis" التي تشاع في الكتابات العلمية باختصار Bd، و هو فطر يحتاج البرمائيات كي يبقى على قيد الحياة، حيث يتداخل مع قدرة الضفادع على الحصول على الإلكتروليتات الضرورية لجلد الضفدع الذي يقوم بأدوار بيولوجية تتوقف عليها حياة هذا الحيوان ليس أقلها التنفس، لذلك يسبب هذا الفطر أزمات قلبية للضفادع ما يودي بحياتها (ص28-29). و يعود انتشار فطر Bd القاتل إلى أحد فرضيتين إما أنه انتشر بواسطة شحنات الضفادع ذات المخالب الأفريقية التي كانت تستخدم في سنوات 60 و 70م في المختبرات للكشف عن الحمل عند نساء البشر، أو أن الفطر انتشر بواسطة ضفادع الثور Bull Frogs الأمريكية التي صدرت إلى أوربا و آسيا و أمريكا الشمالية بغرض الإستهلاك البشري، ما يعني بأن العامل الرئيس لإنقراض الضفادع الذهبية قد انتشر بسبب الإنسان إن بطريقة واعية أو غير واعية (ص34).

الفصل 2: تنتقل المؤلفة بعد ذلك للتطرق إلى حالة انقراض حيرت علماء الأحياء و التشريح في القرن 18م، حيث امتلئت متاحف باريس و لندن بعظام مخلوقات تراءت لأهل ذلك الزمن و كأنها سقطت من السماء، حيث اعتقدوا أنها تعود إلى مخلوقات غريبة لم يكونوا يعرفون سوى أنها غير موجودة سوى في خيالهم، و منذ سنة 1705م عثر بعض الأوربيين في أعالي ولاية نيويورك على ضرس غريب أرسل إلى لندن و كتب عليه "ضرس مخلوق عملاق" (ص41)، و في سنة 1739م اكتشف "تشارلز موين Charles le Moyne" و هو عسكري فرنسي يلقب بلونغويل، في نهر أوهايو الكثير من الأنياب العملاقة و العظام الضخمة احتار في نسبتها لأي مخلوق يعرفه، فشحن من نيو أورليانز نابا و سنا و عضمة فخذ ضخمة إلى باريس (ص42)، بعد وصولها حاول الكثير من العلماء و المهتمين حل لغز هذه العظام الغريبة، فاقترح سنة 1762م أمين حجرة الملك لويس 15 (اسمه جان ماري دوبنتن) بأن العظام القادمة من أوهايو تنتسب إلى حيوانين و ليس إلى حيوان واحد، فالأنياب و عظام الساق تعود إلى فيل، و الأضراس حدس بـتَرَيُّبٍ على أنها لفرس نهر، بعد ذلك أرسلت الشحنة إلى لندن فتلقفها كبير الأطباء الإنجليز آنذاك "وليم هانتز William Hunter" حيث قدم أول تفسير شبه دقيق وهو أن العظام القادمة من أمريكا كانت لحيوان جديد كليا، و هو غير معروف و لا مؤلوف لدى علماء التشريح و الأحياء (ص43)، ثم أضاف البيولوجي الفرنسي البارز "كونت دو بوفو Comte de Buffon" بأن العظام تعود إلى 3 حيوانات وهي فيل و فرس نهر و الثالث مجهول النوع، سيبقى لغز عظام أوهايو الضخمة محافظا على سره إلى حين ظهور أهم عالم أحياء في القرن 18م و هو فريدريك كوفييه Frederic Cuvier"، فكيف حل اللغز؟

  قضى كوفييه أياما بل شهور في دراسة العظام التي أرسلها لونغويل إلى لويس 15، فانتهى إلى أن العظام تعود إلى نوع مختلف تماما، و هو لم يعد موجود في الطبيعة، هنا لأول مرة سوف يعرف الإنسان أنه كان مسبوق بكائنات طبيعية عاشت لملايين السنين قبل أن يظهر هو على مسرح الحياة، ثم بعث بعد ذلك بالكثير من العظام الغريبة إلى كوفييه قصد دراستها، فصنف منها على الأقل 4 أنواع اعتبر أنها كائنات كانت موجودة فاختفت، و بما أنه وجد 4 أنواع مختفية فإن تفكيره قد قاده إلى استنتاج أن ظاهرة الإنقراض هذه ليست ظاهرة منفردة بل كانت ظاهرة واسعة الإنتشار في تاريخ الطبيعة (ص46)، و هذا يتبث شيءين: أولا هناك كائنات لا نعرفها لأنها انقرضت، ثانيا تاريخ الطبيعة و الأنواع أقدم مما كان العلماء يعتقدون حتى حدود القرن 18م، كل النتائج حتى ذلك الحين كانت تشي بأن عظام أوهايو تعد بإكتشافات علمية عظيمة، لعل ذلك ما شجع كوفييه ليكون متصدر قائمة العلماء الذين سوف يبسطون معالم هذا الإكتشاف، لذلك انقطع للبحث عن عظام الحيوانات المنقرضة، و انتقلت قائماته من 4 أنواع منقرضة إلى 23 (ص51)، بعد أكثر من 30 سنة أي سنة 1801م سوف يتجدد الحديث عن عظام أوهايو الجزئية حيث اكتشف في أمريكا هيكل عظمي متكامل أقل ما يقال عنه أنه لم يسبق لعين بشر أن رأته، شحن الهيكل إلى لندن و من هناك إلى باريس حيث يوجد مختبر كوفييه، حلل الفرنسي الهيكل العظمي فأكد ما كان قد أعلنه من قبل حيث أن البشرية في بداية اكتشافها أن هناك حيوانات ضخمة كانت تعيش في الطبيعة ثم انقرضت، أطلق كوفييه على الحيوان العملاق الذي اكتشفت عظامه "الماستودون الأمريكي Mammut Americanum" (ص54) الذي له سلف مشترك مع كل من الفيلة و الماموثات حيث عاش قبل 30 مليون سنة (ص49)، نشر كوفييه بشكل رسمي نتائج أبحاثه في كتاب من 3 مجلدات حمل اسم "أبحاث حول عظام حفريات رباعيات الأرجل" (ص55).

  كل ما قام به كوفييه كان عظيما إلا أنه غير كافي لفهم شامل، حيث اظطر عالم الأحياء الفرنسي إلى البحث عن سبب الإنقراض، فأي شيء يجعل مخلوقات عظيمة و قوية تنقرض؟ اقترح كوفييه بأن السبب يعود إلى "كوارث طبيعية" بمختلف أنواعها الشيء الذي أدى إلى دحر كل الأنواع التي تعيش في الفضاء الذي تحدث فيه الكارثة (ص60)، تلقى العالم الشهير "جون باتيست لامارك Jean-Baptiste de Lamarck" اقتراح كوفييه بشأن سبب الإنقراض بكل ازدراء، حيث اعتبر بأن الإنقراض فكرة خاطئة لأن الأنواع لا تنقرض أو تختفي كليا بل إنها "تتحول" أو باللغة المعاصرة "تتطور" عن أنواع بدائية، و بالتالي فالأنواع الجديدة هي نفسها الأنواع القديمة إلا أنها تعيش في زماننا بشكل و مظهر مختلفين (ص58)، بدوره تلقى كوفييه تحليل لامارك بكل سخرية و اعتبر فكرة التحول و التطور فكرة مثيرة للسخرية (ص59)، و يتضح سبب اخلاف العالمين بالنظر إلى منطلقاتهما البحثية فكوفييه غير مهتم بأصل الأنواع أو كيف تظهر و إنما درس فقط كيف تختفي لذلك لم يسقط في لغز "التنوع الطبيعي" الذي يوجه العلماء إلى فكرة التطور، أما لامارك فقط كان مهتما بأصل الأنواع و كيف تظهر و كيف يحصل التنوع ضمن مملكة الطبيعة لذلك انتهى به بحثه إلى وجهة التطور و التحول الذي يفسر كلا من أصل و مآل الأنواع كما سيأتي بيانه مع دارويين و أساتذته، لعل هذا ما أبقى على ثقب أسود من دون تفسير في مشروع كوفييه وهو لغز التنوع الطبيعي و أصل الأنواع، لذلك ستعتبر الكاتبة بأن: "المنظور التطوري هو ما كان يفتقر إليه مشروع كوفييه" (ص49)، في آخر هذا الفصل تشير إليزابيت كولبرت إلى أن الماستودون قد انقرض قبل 13 ألف سنة، و هي الفترة التي تزامنت مع ظهور الإنسان و وصوله إلى أمريكا، حيث يؤكد عدد متزايد من علماء الأحياء و الحفريات و الأنثروبولوجيين أن انقراض الماستودون كان سببه الإنسان (ص62).

الفصل 3: بالمرور من القرن 18م إلى 19م سوف تجري مياه كثيرة في نهر العلم الذي تطور بشكل لافت، حيث عرف القرن 19م أعظم علماء الأحياء على الإطلاق، كان الإنجليزي "السير تشارلز لايل Charles Lyell" بدون شك واحدا منهم، قرأ حصاد ما جاد به علماء الأحياء في القرن 18م و على رأسهم كوفييه، حيث رد عليه نظرية الكوارث التي حاول من خلالها كوفييه تفسير سبب انقراض الأنواع، فبما أن لايل كان جيولوجيا متمرسا فقد أعلن بأنه لا يوجد ما يتبث حصول كوارث عظيمة في تاريخ الطبيعة أدت إلى اختفاء بعض الأنواع (ص64)، زد على ذلك منطقيا فإن الأنواع تستعمر معظم الكوكب أما الكوارث فلا تحدث إلا في أجزاء منه، و بالتالي فأيما كارثة فهي عاجزة عن تفسير انقراض كلي لأحد الأنواع إلا إذا عمت الكارثة الأرض كلها، و هذا مما لم يحدث في التاريخ و أكبر دليل على ذلك هو استمرار ملايين الأنواع في الحياة، و بالتالي فنظرية الكوارث فاشلة في تفسير سبب الإنقراض.

سيبقى الإنقراض فجوة في علم الأحياء إلى أن يأتي "تشارلز داروين Charles Darwin" و يسدها بإلهام من لايل نفسه، كان هذا الأخير مستغربا من مورفولوجيا الكوكب و تقسيمات قاراته و جباله و هضابه و محيطاته، فاعتبر أن كل هذه المكونات لم توجد في التاريخ بل تشكلت تدريجيا عبر مختلف مراحله، أي أن مثلا جبال الأنديز لم تكن موجودة في فترة من التاريخ غير أنها ظهرت بشكل متأخر زمانيا، ذلك ما يدل على أن الجبال ليست عناصر جيولوجية تابثة و إنما تتشكل باستمرار، حيث ما يعتبر اليوم جبلا قل يصبح غدا هضبة، و ما كان سهلا قد يصبح جبلا شاهقا، كل هذا عند لايل كان يرتبط بشكل جذري بنمط حياة و تنوع الكائنات الطبيعية، حيث نشر لايل مابين سنة 1830 و 1833م دراساته في 3 مجلدات تحت عنوان "مبادئ الجيولوجيا Principe of Geology" (ص65)، و كان داروين من أوائل قرائه حيث عكف على قراءة كتاب لايل كما وصف بنهم وهو في رحلته على سفينة البيغل Beagle (ص66- 67)، بإلهام من أفكار لايل في الجيولوجيا سوف ينقل داروين أفكاره إلى البيولوجيا، حيث أدرك داروين بأنه مثلما تكونت سمات العالم غير العضوي (الجبال مثلا) بواسطة التشكل المستمر فإن بالمثل العالم العضوي خاضع إلى نفس الشيء، حيث أن التنوع الحاصل في الأنواع مَرجعُهُ إلى حدوث تطور في الأنواع القديمة ينتج عنه أنواع جديدة لم تكن موجودة في التاريخ، يحصل ذلك من خلال مراكمة صفات نافعة للنوع و ترك صفات لا فائدة منها، إذ مع مرور الزمن تصل صيرورة مراكمة الصفات النافعة إلى تشكيل كائن جديد كليا، ذلك ما يسميه داروين بـ"الإنتقاء الطبيعي Natural selection" (ص69)، التي خضعت له كل الأنواع بما في ذلك الإنسان، ستغير فكرة دارويين هذه ليس فقط تحليلات علم الأحياء بل ستغير الفكر البشري العلمي و الفلسفي بشكل جذري، و من ذلك انفتح باب من خلاله سيحل داروين لغز سبب الإنقراض الذي حير علماء الأحياء في القرن 18م و على رأسهم فريدريك كوفييه، اقترح دارويين بأن الطبيعة تتميز بصراع بين الأنواع حول شروط الحياة، الأنواع التي تنجح في الإبقاء على الصفاء الصالحة لبيئتها و درئ الصفات غير الصالحة، تتفوق في ضمان شروط حياتها ما يمد في زمن عيشها، و بالعكس الأنواع التي لا تتوفق في ذلك بشكل حتمي تنقرض (ص70)، و هذا يستبعد تفسير كوفييه المتمحور حور الكوارث الطبيعية كأسباب للإنقراض، التي لا تحدث إلا في جزء من مملكة الطبيعة، إلا أن الإنتقاء الطبيعي الدارويني فإنه يعم كل أسقاع المعمور، و بذلك صار العلماء يفهمون بشكل أكثر ظاهرة الإنقراض، رغم أن جزء كبير منهم رفض فكرة التطور في بادئ الأمر و على رأسهم أستاذ داروين تشارلز لايل، إلا أنه بعد مدة سوف يستيقض في صبيحة أحد الأيام بعد أن قرأ أول مقال كتبه داروين معلنا فيه عن نظريته الجديدة، ليكتب: "لقد أدركت الآن أن تلك العبارة البسيطة (انتقاء طبيعي) قد وضعت حدا لكل ذلك اللغز"(ص83)، و يقصد لغز الإنقراض و التنوع المذهل في الأنواع الطبيعية.

بالتزامن مع تكون فكرة التطور في عقل داروين، حدث أن انقراض نوع جديد من الطبيعة كان يعيش بالقرب من إنجلترا حيث كان يعيش داروين، هذا النوع هو "الأوك العظيم Great Auk" و هو طائر ضخم يشبه البطريق له أجنحة إلا أنه لا يطير، كانت آيسلندا و الجزر التي تتحلق من حولها آخر موطن لهذا الحيوان، الذي كان متوفرا بالملايين و يعيش في بقعة تمتد من النرويج حتى نيوفاوندلاند و من إيطاليا إلى فلوريدا (ص73)، إلا أنه فجأة اختفى كليا و لم يعد يُرى منذ سنة 1844م، و كما هو معتاد فإن سبب انقراض هذا النوع الرئيسي هو الكلباني الإنسان، الذي أحدث مجازر في المواطن التي كان يتجمع فيها الأوك بغرض التزاوج، كان يستغل البشر ذلك للقيام بصيد مفرط و همجي في صفوف هذا الحيوان، ففي تقرير يعود إلى سنة 1534م كتب المستكشف الفرنسي "جاك كارتييه Jacques Cartier" بأنه زار جزيرةً شرق نيوفاوندلاند فوجد سكانها ضخاما سمانا بسبب تغذيهم على لحوم الأوك، الشيء الذي دفعه على القيام بصيد جائر لهذا الطائر حيث يحكي بأنه في أقل من نصف ساعة ملئ رجاله زورقين بطائر الأوك (ص75)، كما يحكي أحد البحارة الإنجليز وهو "آرون توماس Aaron Thomas" قد أبحر إلى نيوفاوندلاند فقال له أحد السكان: "إذا جئت لتحصل على ريش الأوك فلا تجهد نفسك بقتله، انتف أفضل ريشه و اتركه يموت ببطئ بسبب البرد"، و بما أن الجزر التي كان يعيش فيها هذا الطائر لم تكن فيها أشجار كما أنها كانت شديدة البرودة، فإن البشر كانوا كما يحكي توماس يؤخدون وعاءا و يضعون فيه الأوك ثم يضرمون نارا تحته تنتج بدورها عن احتراق بطاريق أوك أخرى، إذ أن أن جسمها مليئ بالذهون لذلك كانوا يستعملونها للطهي بما في ذلك طهي الأوك نفسه(ص76)، بقيت وتيرة استنزاف هذا الحيوان إلى أن انقرض نهائيا سنة 1844م، حيث خطف آخر زوج للأوك و قتل و بيع هو وبيضه بـ9 جنيهات (ص81)، هكذا فإن طائر الأوك هو الآخر يضاف إلى قائمة الأنواع سيئة الحظ التي قضى عليها الإنسان.

الفصل 4: بعد أن كسفت تحليلات داروين للإنقراض تفسيير كوفييه الفرنسي، بدأ علماء الأحياء يستشعرون النقص حتى مع نظرية داروين، فقد اعتقدت هذه النظرية أن الإنقراض يحدث بشكل متدرج، إلا أن السجل الأحفوري تضمن انقطاعات و اختفاءا كليا لبعض الأنواع بشكل تزامني، كما هو الحال مع "الأمونيتات" و هي كائنات بحرية صغيرة تعيش في أجساد كلسية، حيث انقرضت كليا في أواخر العصر الطباشيري، و هو ما لم يجد له داروين تفسيرا، حيث عبر فقط عن اندهاشه في كتابه أصل الأنواع من الإنقراض الكلي للأمونيتات في نهاية العصر الطباشيري دون أن يقدم أي تفسير (ص81)، إذ أن نظريته لا تفسر سوى الإنقراضات التي تحدث بشكل تدريجي و ليس التي تحدث في وقت واحد فجأة، لذلك بقي النوع الأخير من الإنقراضات غامضا، فما الذي يجعل كائنات بحرية صغيرة تنقرض بشكل كلي و في وقت واحد؟ لعل هذا قد يدفع السائل إلى العودة إلى تفسير كوفييه للإنقراض بواسطة الكوارث الطبيعية، حيث يبدو بأن كوفييه كان يعتقد بأن الإنقراض نوع واحد، و هو النوع الذي يحدث فجأة في نفس الوقت و بشكل كلي، و هو النوع الذي يرحج العقل حدوثه بسبب كارثة طبيعية مروعة تقضي على أحد الأنواع في وقت واحد و بشكل كامل، فهل يمكننا الإستعصام بتفسير كوفييه حينما يَزُّم فمه داروين؟

الجواب سيأتي من مدينة غوبيو Gubbio الإيطالية حيث أدى نتوء القشرة المحيطية إلى تكون جبال الأبنين Apennine Mountains، الشيء الذي دفع في أواخر السبعينات بأحد الجيولوجيين الأمريكان و هو "والتر ألفريز Waler Alvarez" إلى دراسة هذه الجبال، إلا أنه سوف يقع على اكتشاف مذهل سيقلب تفسيرات الإنقراض السابقة رأسا على عقب، و هو الإكتشاف الذي ساعده في بسطه و إقامة الدلائل عليه أبوه "لويس ألفريز" الذي حصل على جائزة نوبل سنة 1977م، نصح ألفاريز الأب ابنه بقياس عمر الطين في جبال الأبنين باستخدام عنصر الإيريديوم Iridium، وهو عنصر نادر الوجود على سطح الأرض و لكنه أكثر شيوعا في الأماكن التي تحدث فيها انفجارات بسبب النيازك القادمة من الفضاء الخارجي، بعث ألفريز الإبن بعينة إلى مختبر صديقه "فرانك أسارو Frank Asaro" بغية تحليلها، بعد تسعة أشهر رن هاتف ألفريز ليخبره بخبر صاعق، كانت العينة ذات تركيز هائل فيما يخص الإيريديوم، فطار إلى الدنمارك لأخذ عينة من بعض الطبقات الطينية التي تشكلت عند نهاية العصر الطباشيري، أرسلها للمختبر، فكشفت عن وجود مستوى هائل من عنصر الإيريديوم (ص92)، كل هذه الأدلة أدت بـوالتر ألفريز إلى تقرير الفرضية الغريبة التالية وهي: أن كويكبا اصطدم بالأرض قبل 65 مليون سنة و عند ملا مسته للأرض انفجر مطلقا طاقة تعادل مليون ميغا طن، أي ما يعادل مليون قنبلة هيدروجينية (ص93)، فتكونت سحابة من البخار الحارق، إذ حرقت السحابة كل ما وجدته في طريقها من غابات و حيونات، فأثناء سقوط الكويكب أطلق في الجو كمية هائلة من الصخور المسحوقة التي انطلقت في الغلاف الجوي متوهجة حيث أضاءت السماء، مولدة بذلك ما يكفي من الحرارة لشي سطح الأرض (ص104)، و بذلك ارتفعت درجة الحرارة و ارتفع تركيز ثنائي أكسيد الكربون في الجو، و تحمضت المحيطات، و تسمم الهواء، فنتج عن ذلك أن جميع الحيوانات التي يزيد حجمها على حجم القطة قد انقرضت، و أكثر ضحايا هذا الحادث شهرة هم الديناصورات التي كانت الخسارة في صفوفهم 100%، اختفت أيضا ثلاثة أرباع الطيور، و أربعة أخماس السحالي و الثعابين، كما انقرضت ثلث عائلات الثدييات، بالإضافة إلى إختفاء البليسيوصورات و الأمونيتات، زد على ذلك انقرضت 95% من أنواع المنخريات العوالقية التي تعيش في الماء (ص105-106).

هكذا إذن فلغز الإنقطاعات المفاجأة في السجل الأحفوري كانقراض الديناصورات و الأمونيتات، أصبح لها تفسير علمي و هو حادث "اصطدام كويكب بالأرض" في نهاية العصر الطباشيري أخَلَّ بنظام الطبيعة و تسبب في أوسع ظاهرة انقراض في التاريخ، وهو التفسير الذي لم يقبل بادئ الأمر من طرف أغلب علماء الطبيعة، غير أن الأدلة المتراكمة و الداعمة له ما فتئت تدفع علماء الأحياء باستمرار إلى قبوله و الأخذ به (ص98-99)، هكذا فإن الأمونيتات التي طفت على سطح المحيطات لأكثر من 300 مليون سنة، و التي عجز داروين عن تفسير انقراضها، كانت لا تقوى على الحركة كما كانت تبيض و يطفوا بيضها فوق سطح البحر حيث كان لها تماس مباشر بالهواء، لذلك و أثناء حدوث كارثة اصطدام الكويكب الذي سمم الهواء و رفع درجة حرارة المحيط و حَمَّضه، فإن الأمونيتات الطافية فوق سطح البحر وجدت نفسها في تماس مباشر مع الهواء المسمم ما أعاق تنفسها، وبما أن الإختلال الطبيعي الذي تسببت فيه هذه الكارثة دام لأكثر من مليون سنة (ص104)، فإن الأمونيتات كان من المستحيل أن تصمد حتى يصفى الجو و يعود المحيط إلى طبيعته و يتنظف الهواء بعد الطول الشاسع لمدة الإختلال هذه، زد على ذلك عجز الأمونيتات عن الحركة لم يسمح لها بالغوص في أعماق المحيط حيث درجة الحرارة منخفضة و الأوكسيجين متوفر (ص108)، و بالتالي في غياب ذلك كان انقراضها حتميا، حيث انقرضت قبل 251 مليون سنة ضمن ما يسميه علماء الحفريات بالإنقراض العظيم، الذي جرى في العصر البرمي الترياسي.

الفصل 5: بعد مرور أقل من 20 سنة على اكتشاف فرضية اصطدام كويكب بالأرض ما جعل علماء الأحياء يحملوه مسؤولية دفع ما يقارب من 80% من الأنواع الطبيعية إلى الإنقراض، ظن البعض من غير المتخصصين أن لغز الإنقراض قد حل، لكن بتوالي السنين و تراكم التجارب و الدفع بعجلة الأبحاث العلمية إلى القيام بالمزيد من الدراسات، عاد الشعور المشؤوم بالنقص المعرفي إلى الإستحواد على علماء الأحياء و الحفريات، الشيء الذي أسقط علم الطبيعة في أزمة جديد، تكشفت فصولها بعد تراكم الأدلة من مواقع جيولوجية تواجد أهمها في الصين و في "دوبزلين Dob's Linn" بسكتلندا (ص114-115) التي كانت تتميز بآلاف أحافير الغرابتولايتات و هي صنف من الكائنات البحرية، ازدهرت في العصر الأوردوفيكي و اختفت في حادث الإنقراض الواسع في نهايته (ص117)، حيث توصل بعض الباحثين إلى أن تركيز عنصر الإريديوم (الذي يوجد في مواقع الإنفجارات النووية و النيزكية، و الذي أدى بوالتر ألفاريز إلى اقتراح فرضية الإصطدام كتفسير للإنقراض) في العينات المؤخوذة من كل من دوبزلين و الصين و مناطق أخرى ضئيل جدا، كما أن عناصر أخرى تتواجد في مواقع الإصطدامات و الإنفجارات العظيمة كعنصر "الكوارتز المصدوم"، وجد الباحثين بأن تركيزه هو الآخر ضعيف، و بالتالي لا يمكن الحكم بدقة بأن الأرض قد تعرضت إلى كارثة الإصطدام بنيزك، و هو ما أعاد الريبة و الشك إلى فرضية الإصطدام.

لم يجد العلماء بدا من طرق الباب الأخير، وهو باب "التغير المناخي" حيث انتشر منذ أواسط الثمانينات بأن انقراض نهاية العصر الأوردفيكي كان سببه التجلد، و كان مناخ الإحتباس الحراري هو السائد في معظم تلك الفترة، حيث كان مستوى ثاني أكسيد الكربون في الهواء عاليا جدا، كذلك كان مستوى البحار و درجة الحرارة، لكن عند الدفعة الأولى من الإنقراض التي أدت إلى انقراض الغرابتولايتات، هبط مستوى CO2 و انخفظت درجة الحرارة، و تجمدت "الغوندوانا" وهي القشرة الأرضية حينما كانت كتلة واحدة قبل أن تنقسم إلى قارات(ص122)، و قد وجدت أدلة على التجلد الأوردوفيكي في مناطق مختلفة من العالم كالسعودية و الأردن و البرازيل، حيث تقول أحد النظريات كما يؤكد "جان زالاسيفش" وهو جيولوجي من جامعة لستر، بأن التجلد نتج بواسطة الطحالب المبكرة التي استعمرت اليابسة وهو ما ساعد على سحب CO2 من الهواء فحصل التجلد، و نتج عنه اختلال في المنظومة الطبيعية استمرت نحو 100 أو 200 ألف سنة، خلفت انقراض نحو 90% من كل الأنواع على الأرض، بذلك تكون الطحالب هي المسؤولة عن أول انقراض مدمر في التاريخ (ص123).

أكثر من ذلك، الإختلال في المنظومة البيئية الذي سببه تغير المناخي، سيتسرب إلى العصر البورمي الذي سيعرف موجة انقراض كادت أن تقضي على الحياة العضوية كليا، إذ أن عدم استقرار درجات الحرارة و خصوصا ارتفاعها و أثره على المحيط شكل بيئة مواتية للبكتريات المنتجة لكبريتيد الهيدروجين السام، و بتسرب هذا الأخير إلى مياة المحيطات قتل معظم المخلوقات البحرية، ثم نفذ إلى الهواء، و قضى على جميع المخلوقات الأخرى تقريبا في أفجع كارثة عرفها التاريخ و هي إنقراض العصر البرمي، حيث غير كبريتيد الهيدروجين لون المحيط و السماء و سممهما ما جعل معظم الكائنات التي تعيش في هذا الفضاء تنقرض، بذلك أصبح كبريتيد الهيدروجين هو سبب موجة الإنقراض المروعة الثانية التي حدثت في التاريخ، إذ أن هذا التضارب في التفسيرات لهذه الظاهرة جعل والتر ألفاريز (صاحب فرضية اصطدام كويكب بلأرض) يصرح لإليزابيت كولبرت بـ: "إننا رغم كل هذا المجهود لا نمتلك نظرية عامة عن الإنقراض الجماعي"(ص124)، و معلوم أن التغير المناخي الذي يستعصم به العلماء لتفسير الإنقراض لا يزال مستمرا إلى عصرنا الذي شاء أحد حملة نوبل وهو "بول كروتزين Paul Krutzen" أن يطلق عليه "عصر الأنثروبوسين Anthropocene" و أكثر شيء يتميز به هو الكوارث و اختلال المنظومة البيئية و تراكم آثار الإحتباس الحراري و هو وضع مواتي يعد بانقراضات لا تختلف في هولها عن الإنقراضات السابقة، لذلك ستعتمد اللجنة الدولية لعلم طبقات الأرض ICS مصطلح الأنثروبوسين بتحريض من "جان زالاسيفش" للتأريخ إلى العصر الجيولوجي الذي عاش في الإنسان(ص130).

الفصل 6: في هذا الفصل سافرت إليزابيت كولبرت إلى جزيرة "كاستيلو أراغونيز Castello Aragonese" في إيطاليا، للوقوف على حالة انقراض مقلقة تحدث في أيامنا هذه و تودي بالمئات من الكائنات البحرية، و ذلك جراء ظاهرة خطيرة جدا لاشك أنها ناتجة عن تغير المناخ الذي يساهم فيه الإنسان بشكل كبير، هذه الظاهرة هي "تحمض المحيطات"، و يقصد بها ارتفاع تركيز CO2 في المحيطات، إذ منذ بداية الثورة الصناعية أحرق البشر من الوقود الأحفوري (الفحم، البترول والغاز الطبعي) ما يكفي لإضافة نحو 365 مليون طن متري من الكربون إلى الغلاف الجوي، كما أدت إزالة الغابات إلى إضافة 180 مليار طن أخرى، بل كل سنة نرسل إلى الغلاف الجوي قرابة 7 مليارات طن أخرى، و هي كمية تتزايد سنويا بنحو 6%، نتيجة لذلك أصبح تركيز CO2 في الهواء أكثر قليلا من 400 جزء في المليون، أعلى من أي مستوى بلغه خلال 800 ألف سنة الماضية (ص133)، إذ يضخ الفرد الأمريكي لوحده كل يوم سبعة أرطال من الكربون في البحر، وهذا تسبب في ارتفاع حموضة البحار بنسبة 30% مقارنة بعام 1800م (ص134)، إذ يتوقع الباحثين بأن حموضة المحيطات سترتفع إلى 150% بنهاية هذا القرن(ص135)، و هذا يأثر سلبا على حياة الكائنات البحرية إذ يدفعها باستمرار إلى الإختفاء، حيث رصد العلماء أن المناطق البحرية التي يصل فيها العدد الهيدروجيني إلى 7,8، اختفت فيها عشرات الكائنات البحرية كالبالانوس بيرفوراتوس، و الميتيلوس غالوبروفينسياليس (بلح البحر)، و كورالينا إلونغاتا و كورالينا أوفيسيناليس، و 3 أنواع من المرجان بالإضافة إلى أنواع عديدة من حلزونات البحر، بشكل عام فثلث الأنواع الموجودة في المناطق التي يبلغ العدد الهيدروجيني فيها 7.8 لم يظهر لها أثر (ص138)، و بالتالي فإن التنوع الطبيعي في الأنواع البحرية سوف يتقلص باستمرار إلى أن يختفي كليا كما يعتقد بَعضٌ غير قليل من العلماء (ص141)، فبما أن المحيطات تمتص ثلث ما يضخه الإنسان من ثاني أوكسيد الكاربون في الهواء، إلى حد بلوغ تركزه فيه 150 مليار طن متري، فإن لذلك أثر حتمي هو الإختفاء المتدرج للكائنات البحرية و تقلص التنوع البيولوجي إلى حده الأدنى الذي لا يصمد كثيرا أمام الإنقراض الكلي(ص 144).

الفصل 7: من بين آلاف الكائنات البحرية، تعد الشعب المرجانية أعجبها حيث احتار العلماء في تفسير كيفية نشوئها، و أخفق معظمهم إلى أن قدم "تشارلز داروين" تفسيرا تنقل الكاتبة أنه: "كان صحيحا بشكل مذهل" على الأقل في خطوطه العريضة، حيث بسط داروين نظريته المشهورة بإسم "نظرية الإنخساف" حول الشعاب المرجانية في كتاب بعنوان: "بنية الشعاب المرجانية و توزيعها" صدر سنة 1842م (ص151)، و معلوم عند المتخصصين أن هذا الكائن ليس له جنس خاص، فجزء منه حيوان و آخر نبات، و في جزء آخر جماد، بعضه أنثوي و الآخر من بعضه ذكري، حيث يمتد بجوار الجزر الأسترالية لوحدها إلى أكثر من 1500 ميل دون انقطاع (ص152)، غير أن الحيد المرجاني العظيم مهدد بالإنقراض هو الآخر، و قد يختفي بحلول 2050، حيث من المحتمل أن يكون أول نظام بيئي رئيسي ينقرض (ص153)، و السبب في ذلك ليس إلا "تحمض المحيط" و هو مصطلح ابتكره "كين كالديرا Ken Caldeira" للدلالة على اختلال كيمياء المحيطات و ارتفاع تركيز ثاني أوكسيد الكربون فيها (ص154)، يأثر التحمض على قدرة المرجان على تشكيل البنية الكلسية التي يعيش فيها، إذ أن ذوبان CO2 في الماء يكون حمض الكربون H2CO3 الذي يأكل أيونات الكربونات الضرورية للتفاعل الكميائي لإنجاز كلس الشعاب المرجانية(ص159)، و من الجذير بالذكر أن الحيد المرجاني يعيش فيه على الأقل مليون نوع طبيعي (ص162)، و بالتالي إذا انقرضت الشعب المرجانية ستنقرض أيضا الكائنات التي تعيش فيها ما يجعل الخسارة أكثر فداحة، فكما شرح أحد العلماء الإسرائليين الأمر إلى الكاتبة قائلا: "إذا لم يكن هناك مبنى، أين سيقيم المستأجرون" (ص163)، و ما يخيف في الأمر هو: "أن نسبة أنواع المرجان المصنفة على أنها مهددة بالإنقراض تتعدى نسبة معظم مجموعات الحيوانات البرية ما عدا البرمائيات" (166)، بالمجمل فإنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه فإن بمرور سنوات قليل لن يبقى سوى بقع تذكر بأن كائنا كان هنا و اختفى(ص170).

الفصل 8: تحكي الكاتبة في هذا الفصل عن رحلتها إلى غابات جبال الأنديز في البيرو، حيث عرفت بأن الأشجار هي الأخرى تتأثر بالتغيرات المناخية المدمرة، و على رأس مظاهرها الإحتباس الحراري الذي يتسبب في ارتفاع درجة حرارة الكوكب بشكل مطرد و متسارع، إلى حد أن العلماء يتنبؤون بأن القطب الشمالي قد يختفي بشكل كلي بعد 30 سنة (ص174)، من جهة أخرى للإحتباس الحراري تأثير مدمر على الغابات الإستوائية، حيث منذ ملايين السنين كانت المناطق الإستوائية أكثر المناطق اعتدالا من جهة درجة الحرارة و أكثر وفرة من ناحية شروط الحياة، لعل ذلك ما يفسر سبب تميز المناطق الإستوائية بأكثر معدل للتنوع البيولوجي (ص176-177)، غير أن الإختلال البيئي الذي سببه الإحتباس الحراري جعل الغابات الإستوائية تتأثر بشكل سلبي، خصوصا و أن أشجارها أكثر ميلانا للبرودة أكثر من الدفئ، لذلك سجل العلماء ظاهرة عجيبة في صفوف الأشجار، فلئن كانت البرودة تزداد كلما صعدنا نحه السماء فإن الأشجار في غابات الأنديز تصعد باستمرار بمعدل 8 أقدام في العام نحو قمم الجبال بحثا عن بيئة أكثر برودة، حيث وجد الباحثين الذين رفقوا الكاتبة في الرحلة إلى البيرو، أن الأشجار التي تنتمي إلى جنس الشيفليرا تتمتع عمليا بنشاط مفرط، فهي تتسلق الجبال بمعدل مذهل يقترب من 100 قدم في السنة (ص183)، و لا يتصور بلفظ صعود الشجر أنهم يمشون أو يركضون كما يصنع البشر، و إنما لأشجار الغابات إمكانية نشر بذورها في اتجاه معين، فليس الذي يصعد هو الأشجار و إنما ذريتها.

وقد سبق لداروين أن عبر عن هذه الملاحظة في كتاب "أصل الأنواع" حيث اعتبر بأن الحيوانات تبحث باستمرار عن بيئات طبيعية جديدة أكثر توافقا مع صفاتها من خلال "الهجرة و التنقل" (ص185)، لعل ذلك ما تقوم به أشجار جبال الأنديز، غير أن اتجاه هذا التنقل يحكم بشكل حتمي على الكثير من أنواع الأشجار بالإختفاء، ذلك أنه كلما توجهنا نحو قمة الجبل كلما ضاقت المساحة التي يمكن أن تستعمرها النباتات و الحيوانات، إذ أن السفح أكثر رحابة من القمة، و بالتالي فإن أغلب الكائنات لا يمكن أن تنجح في استيطان القمة و هو ما يضيق شروط حياتها على السفح المُحْتَر، إذن فليس بد لبعض الأنواع من الإنقراض في الغابات الإستوائية، من أشجار و ما يعيش عليها من حيوانات كالطيور و الثعابين التي اختفت منها الكثير من الأصناف في هذه المناطق بسبب الإحتباس الحراري، الذي ينسب إليه العلماء مسؤولية دفع حوالي مليون نوع إلى الإنقراض بحلول 2050 (ص192)، على أي، فإن "الأمور تتجه نحو الكارثة" كما بشر أحد العلماء الكاتبة في آخر هذا الفصل (ص197).

الفصل 9: موضوع هذا الفصل متصل بموضوع سابقه، فقد انتقلت إليزابيث كولبرت إلى البرازيل للوقوف عن التغيرات التي تطئ الغابات الإستوائية و ساكنيها، إذ يزيد هذا الفصل من كآبة المشهد، فالإحتباس الحراري يغير البيئة الطبيعية الإستوائية برفع درجة حرارتها، الشيء الذي يقلب رأسا على عقب ملايين الأنواع الطبيعية، إن تقلص أنواع الأشجار يؤثر على كائنات تعيش عليها كالنمل الذي تتغذى عليه الطيور، و التي تتغدى عليها بدورها طيور أكبر منها هكذا وصولا إلى قمة السلسلة الغذائية، إذ يعيش في الأمازون ما يقرب من 30 ألف نوع من الطور (ص203)، إلا أنها تتقلص باستمرار بسبب اختلال المنظومة البيئية و بسبب عملية إزالة أشجار الغابات المتسارعة، و نفس التراجع تعرفه أنواع أخرى كالثعابين (ص205)، و تبرز مشكلة أخرى تسرع منحى الإنقراض للأسف و هي فقدان الموطن الأصلي الذي لا يعقبه استعمار من طرف نوع آخر، الشيء الذي يقلل من فرص التزاوج وهو ما يفرض على النوع التقلص حتى بلوغ الإنقراض التام (207)، تقول المؤلفة: "في غياب إعادة الإستعمار يمكن أن تصبح الإنقراضات المحلية إقليمية ثم بعد حين عالمية" (ص208)، و المؤسف أن تتطور شروط الإنقراض بدل شروط الحياة، لتبلغ أرقام تنبئية لا تصدق، على غرار مثلا: لئن علمنا أن هناك ثلاثين مليون نوع من الفصليات و هي حشرات تضم العناكب و الحريش، و أن هناك نحو عشرة آلاف نوع من الطيور في العالم بأسره، و خمسة آلاف و خمسمائة نوع فقط من الثدييات، كما يوجد على الأقل ثلاث مائة نوع من ذوات قرون الإستشعار و العيون المركبة، فإن خسارة واحد في المئة من المساحة الأصلية لهذه الأنواع تعني خسارة ما يقرب من ربع في المئة من بني نوعها، إذا افترضنا بحذر شديد أن هناك مليوني نوع في الغابات الإستوائية المطيرة، فإن هذا يعني أن ما يقرب من خمسة آلاف نوع تختفي كل عام بسبب خسارة البيئة الأصلية، و هذا يعادل ما يقرب من أربعة عشر نوعا في اليوم الواحد، أي أن في كل مئة دقيقة ينقرض نوع واحد(ص212)، و بشكل حتمي إذا استمر الإنسان الكلباني على وتيرته الحالية في ضخ ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وهو ما يسعر الإحتباس الحراري، فسوف يصبح معدل الإنقراض بالثانية، إلى أن تنقرض الحياة بما في ذلك كَلْبُِّيها (الإنسان) .

الفصل 10: تعتبر الخفافيش من أكثر الحيوانات خجلا و تواريا عن الأنظار، إلى حد أنها تقضي جزء مهم من حياتها وهي نائمة، و إذا استيقضت لا تخرج للصيد إلا وقد غشي الظلام الأرض، بعد أن علمت إليزابيت كولبرت أن أعداد الخفافيش تتناقص في أمريكا، قصدت أحد الكهوف التي تتجمع بها هذه الطيور، وهو كهف أيولس Aeolus الذي يقع في مدينة دورست Dorset بولاية فيرمونت، وهو أكبر ملجئ شتوي للخفافيش في المنطقة (ص235)، كانت أعداد الخفافيش تقل بسرعة مقلقة، ما أثار استغراب المهتمين و العلماء، حيث وجدوا آلاف الخفافيش الميتة و على أنوفها بقعة بيضاء و كأنها غمست جميعها في مسحوق ما(ص220)، بعد إجراء التحليلات توصل الباحثين إلى أن المسحوق الأبيض يعود إلى فطر ينتعش في المناطق الباردة كالكهوف، أطلق عليه المتخصصون اسم "جيومايسيز المدمر Geomyces destructans" و كان قد دخل إلى أمريكا قادما من أوربا طبعا بواسطة الإنسان (ص221)، طرح الباحثون فرضيتين، الأولى تقول: أن الفطر يأكل جلد الخفافيش وهو ما يهيج الحيوان إلى درجة إيقاضه من سباته، الشيء الذي يجعله يستهلك مخزونه من الذهون التي يخزنها ليقتات عليها طول فترة السبات الشتوي، و بنفاذه يموت الحيوان جوعا، أما الفرضية الثانية فتقول بأن: الفطر يفقد الخفافيش الرطوبة من خلال البشرة، وهذا يصيبها بالجفاف، و كي تبحث عن الماء تستيقض من السبات فتستهلك مخزونها الطاقي، ما يصيبها بالهزال ثم الموت جوعا (ص227)، وهو الشيء الذي أدى إلى القضاء على مليون خفاش فقط في ولاية فرجينيا (225)، و 6 ملايين من الخفافيش في كندا بسبب ذات الفطر (ص243)، وهو ما جعل الخفاش الذي كان يستطون بشكل واسع أمريكا الشمالية يوضع على قائمة الأنواع المهددة بشكل حاد بالإنقراض (ص244).

الفصل 11: في هذا الفصل تعرج الكاتبة للتعريف بوضعية أحد الأنواع الأكثر شهرة بتهدده بالإنقراض، وهو "وحيد القرن"، فمن بين الخمسة السلالات المتبقية منه، اهتمت الكاتبة بنوع "وحيد القرن السومطري" وهو من أقدم الكائنات الطبيعية من صنف الثدييات، حيث نشأ جنس Dicerorhinus منذ 20 مليون سنة، هذا يعني أن سلالة وحيد القرن السومطري تعود بالتقريب إلى العصر الميوسيني (ص246)، إذ عثر عليه على سفوح الهيمالايا، و شمال شرق الهند، مرورا بميانمار، تايلاند،كمبودية، ماليزيا، و جزيرتي سومطرة وبرنيو، حيث حتى حدود القرن 19م كان لا يزال شائعا لدرجة أنه اعتبر آفة على الزراعة، إلا أنه منذ أواسط القرن 20م بدأ يتجه بعناد نحو الإنقراض(ص247)، إلى درجة أنه لم يبقى منه سوى أقل من 100 فرد أغلبهم في محميات، بعد أن كان عددهم في أفريقيا لوحدها يتجاوز المليون (ص250)، و السبب في التناقص المتسارع في أعداد وحيد القرن السومطري تعود إلى أنه من الثديات الكبيرة التي تتزاوج بصعوبة و تطول فترة حملها، فالحالة التي عاينتها إليزابيت كولبرت كانت لأنثى وحيد قرن اسمها إيمي، فشلت 5 مرات محاولت تلقيحها و إنجابها، لأنها تحتاج أن تشعر بذكر وحيد قرن بجوارها كي تحرر البويضات في رحمها، غير أن المحاولات تكللت أخيرا بإنجاب ذكر سموه أندلاس (ص249)، و كما أصبح بديهيا فإن مشاغبة الإنسان هي سبب تقلص أنواع وحيد القرن إلى هذا الحد، فالصيد الجائر و القتل المتلذذ أو الوسلي الذي يعتبر حيوان بحجم وحيد القرن مجرد وسيلة فقط لجني الأموال، عبر بيع قرونه في السوق السوداء وهو ما يكون له عائد كبير، حيث تستعمل قرون هذا الحيوان في مجال الطب كمخذر، كما يتعاطى بالإستنشاق في جنوب شرق آسيا كالكوكايين كما أنه من دون شك يستعمل استعمالات أخرى(251)، حار العلماء في تقديم تفسير مركب لإنقراض الثدييات بما في ذلك وحيد القرن فلم يجدو بدا من تحميل أكبر مسؤولية في حدوث الكارثة للإنسان، بسبب قتله المفرط للحيوانات خصوصا الضخمة مثل الثدييات، بالأخص في عصر الأنثروبوسين الذي طور فيه الإنسان أفتك وسائل القتل (ص264).

الفصل 12: سنة 1856، في أحد أودية ألمانيا، يدعى داس نياندرتال Das Neandertal سيتم اكتشاف عظام أحد أقرب أقرباء البشر، وهو "إنسان النياندرتال Neandertal" (ص265)، ثم تتابعت بعد ذلك اكتشافات عظام هذه السلالة من الأناسي على رقعة جغرافية واسعة، تمتد من ويلز شمالا إلى إسرائيل جنوبا، و القوقاز شرقا، عاش هذا النوع ما يناهز 100 ألف سنة في أوربا، حيث كان يعيش على الثدييات بشكل رئيسي كالآيائل، و كانت أدواته في الصيد قد طورها لآلاف السنين، وهي عبارة عن رماح ملقمة بحافة حادة مصنوعة من حجر الصيوان، إذ ثم العثور على الآلاف من أسلحته في عدة مواقع (ص266)، كان النياندرتال حيوانا جماعيا، فقد عثر في ستينات القرن الماضي عالم الآثار الأمريكي "رالف سلوكي Ralph Solecki" على بقايا إنسان نياندرتال في كهف في شمال العراق، حيث أظهر التحليل أن هذا النياندرتال قد تعرض إلى إصابة في الرأس إلا أنه لم يمت من فوره، بل تعافى و استمر في الحياة، من ذلك استنتج سلوكي أن هذا المصاب قد ثم الإعتناء به إلى أن صحَّ، وهو ما يتبث أن النياندرتال كان يعيش في جماعات، فضلا عن ذلك وجد سلوكي زهورا في مقابر النياندرتال في هذا الكهف، وهو ما جعله يؤكد أن هذا التصرف إنما هو ديني روحاني، ما أكد بالإعتماد عليه على أن النياندرتالات كانت كائنات تعرف الروحانيات و الديانات، غير أن علماء آخرين أتبثوا أن الزهور في قبور النياندرتال في الكهف الذي اشتغل عليه سلوكي، لم توجد إلا بإحضار القوارض وليس بفعل مدبر قصدي من طرف النياندرتال(ص273)، ثم أن عالم الحفريات "مارسيلين بول Marcellin Boule" أكد بأن الحساسيات الدينية كانت لامفكر فيها ولا يعرفها النياندرتال (ص272)، انتهى مسلسل حياة قريبنا منذ حوالي 30 ألف سنة (ص266)، و الغريب أنه بوصول الإنسان إلى المناطق التي يعيش فيها النياندرتال منذ مايقرب من 40 ألف سنة، بدأ هذا الأخير في الإختفاء تدريجيا إلى أن انقرض (ص267-268)، لذلك احتار العلماء في تقديم تفسير مركب و شمولي لإنقراض النياندرتال، فرد البعض منهم أغلب المسؤولية إلى تغير المناخ، إلا أن الآخر من بعضهم و هم الأغلبية قد نسبوا مسؤولية انقراض النياندرتال إلى الإنسان العاقل، حيث يعتبر "يوفال نوح هراري Yuval Noah Harari" مثلا، أن أول تطهير عرقي قام به السابييس كان في حق النياندرتال (انظر كتابه، العاقل، ص29-30-31).

الفصل 13: ظهر "الإنسان العاقل Homo Sapiens"، وفق آخر الإكتشافات الأركيولوجية التي كانت في المغرب قبل 315.000 سنة، و طبعا نشأ متطورا عن باقي سلالات الإنسانيات القردية، مثل النياندرتال و الإنسان المنتصب Homo erectus، و لئن كان الإنسان العاقل يتسم بالكثير من المميزات، كالإبتكار و الخلق و التخيل و التفكير، إلا أنه أيضا كائن عدواني و خطير، فقد خلق من ضرورة العيش المشترك مع كائنات أخرى مشكلا عويصا (ص292)، تأدى به غالبا إلى دحرها بغرض التغذية أو النفوذ، و مؤخرا لغاية مجرد "المتعة" يقتل هذا الكائن آلاف الكائنات دون أن يطرف له جفن، و دون وعي منه بأن استنزافه لموارد الطبيعة لهو تصرف يعادل وضع الحبل على عنقه، فتلويث الجو و تحميض المحيط و تسعير الإحتباس الحراري إنما هي أهم سمات عصر الأنثروبوسين، وهي التي تقود كارثة الإنقراض السادس حاليا، التي يتسبب فيها البشر بتغييرهم للمشهد البيئي (ص298)، و ليس ذاك أثره على الكائنات الأخرى فقط، بل إن في طليعة الأنواع المهدد مصيرها بالإنقراض بسبب التغير المناخي، هو الإنسان (ص299)، فإذا استمر هذا الأخير في غَيِّه و كلبيته سيلحق هو الآخر بمن كان في يوم من الأيام سببا في عجل وصولهم إلى مقبرة التاريخ الطبيعي.


الأسئلة المقلقة التي يثيرها الكتاب:

   سيجد القارئ للكتاب الذي بين أيدينا، بدون شك بأنه يعتمد كليا على المنظور التطوري كغيره من الكتب العلمية، حيث يضع تواريخ و تفسيرات واضح مدى تأثرها بالداروينية، كأن تقول الكاتبة مثلا: "إن الإسترخاء يفسر وفقا لعشوائية الطبيعة، فالمناطق الأصغر تؤوي عددا أصغر من السكان، و السكان الأصغر هم أكثر تأثرا بـالمصادفة" (ص206)، و متى علمنا أن "العشوائية- و المصادفة" ميزات لطالما مال لها المنظور التطوري، علمنا أن الكتاب سار في مسير هذا المنظور. بالمقابل، معلوم أن هناك نظرية غير علمية بل دينية تخاصم نظرية التطور، ألا وهي "نظرية الخلق"، التي تضع في نظامها التفسيري لمكونات الطبيعة كائنا تابثا وهو "الإله الخالق"، ولا يستنكف المؤمن عن إخصاصه بخصائص يترفع عن نقيضها لزوما، توافقا مع طبيعته الخيرة و العقلانية، فقد خلق هذا الإله الكون و وضع له نظاما محكما لا يتخلله نقص و لا عيب. إلا أننا إذا أردنا فهم الطبيعة المخلوقة من قبل إله تغتني به عن ظواهر لا قبل للإنسان بوصفها إلا بـ"الشذوذ" و "العيب" و "النقص"، بل بـ"العبثية"، وفي طليعة هذه الظواهر "الإنقراض"، فإن الإعتقاد بخلقٍ للطبيعة و نظامها الحادث على مقتضى تنافي ما يلزم لهذا الإله من الدقة و الإحكام و العبقرية و العقلانية في الخلق، لينهَدُّ و يتقوض مع ظاهرة "الإنقراض"، فهذا الأخير يتعاكس مع عقلانية و خيرية الإله الخالق بشكل جذري. و جدير بالتوضيح هنا، أننا لا نتحدث عن الإنقراضات التي يتسبب فيها الإنسان، بل نتقصد الإنقراضات التي حدثت قبل ظهور الإنسان أصلا على مسرح الوجود.

   قول الكاتبة: "وجدت بعض الكائنات نفسها فجأة في مواجهة ظروف لم تكن مستعدة لها على الإطلاق" (ص124)، فهل يعقل أن يخلق خالقا شيءا تتنافا طبيعته مع البيئة التي خُلق فيها؟ أَ وَفِي هذا عقلانية و إحكام في الخلق؟ تقول المؤلفة: "تحدث الإنقراضات الجماعية كل 26 مليون سنة" (ص121)، و تضيف: "ينقرض أربعة عشر نوعا في اليوم في بعض الغابات الإستوائية، أي أن في كل مئة دقيقة ينقرض نوع واحد" (ص212)، لعل مع هذا يرتفع حاجب الدهشة، فكيف لم يحصن الخالق العقلاني العظيم مخلوقاته من أبسط أسباب زوالهم الشامل (و لا نتحدث هنا عن الموت الفردي مهما كانت طبيعته عادية أو العكس)، تشير الكاتبة في موضع آخر إلى أن الإنقراض البرمي الأهول في تاريخ الطبيعة، قد "قضى على 90% من كل الأنواع على الأرض" (ص123)، فكيف يستقيم في العقل وصف خالق بالعقلانية و دقة الصنعة، وقد خلق كائنات و أودعها في نظام طبيعي يستبطن شروط فنائها و انقراضها الشامل؟ كيف يمكن تعيين و وصف خالق أضاع جهدا و وقتا في خلق ملايين الكائنات ثم جعل 90% منها تستسلم للإنقراض؟ أي معنى قد يجد الإنسان في ذلك؟ أَ لا يصلح أن يتسمى هذا الكتاب أيضا بـ"أعظم عيوب نظام الإله في الطبيعة"؟ ماذا يمكن أن يُقال عن إنسان صنع 1000 جهاز تلفاز ثم وضعها في مكان مفخخ إلا تلفازا واحدا، ما لبث أن تفجر هذا المكان بعد يوم فقط من الصنعة، مبقيا لا غير عن تلفاز واحد، ألا يجذر تعيين هذا الإنسان بالجنون و الحمق و اللاعقلانية، هذا مع 1000 تلفاز فقط خلقه إنسان، فما بالك بملايين الأنواع التي أجرى عليها الإله نفس السيناريو و بنفس المنطق. ختاما يمكن القول، بأنه يستحود على القارئ إن هو استحضر هذه الأسئلة وهو يقرأ هذا الكتاب، شعورا غريبا بعبثية و عشوائية و لامعنى الحياة في الطبيعة .









   نشر في 22 يوليوز 2019  وآخر تعديل بتاريخ 23 يوليوز 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا