كتب : أحمد يونس
تم نشر هذا المقال مُسبقاً
كان يتذوق معنا اللغة كما نتذوق نحن الطعام.. وكان يتوغل في معاني الكلام لنعرف أكثر ونفهم أكثر.. وكان يحكي لنا القصة – اي قصة – ويجسدها لنا بشخصياتها وكأنها تحدث الآن.. وكان ينشد لنا الشعر فنرى في وجهه كبرياء الشاعر وعاطفته وقوته وضعفه وحزنه وبكاءه.. كان يرى ان اللغة سمة من سمات الشخصية الانسانية، وليست كما يراها بعض المدرسين او معظهم آداة لحصد الدرجات في مرحلة الثانويةالعامة.
لم تكن علاقته معنا علاقة طالب يتعلم ومُعلم يُعلم.. لقد اقتربنا منه وأقترب منا.. فما نلبث ان نفرغ من جلسة العلم الا وسرعان ما يتحول الى اب نصوح يُرشدنا.. أو اخ كبير يحتوينا، فيتكلم معنا عن مشكلاتنا بعقل الشباب وبحكمة الكبار.. كان أحيانا يتجول معنا في الطريق ويحكي لنا قصة كفاح او قصة نجاح لنتعلم منها ونستفيد.. وكنَا نضحك في مرات، ونتناقش في امور فكرية في مرات آخرى.. وكنا نُثير موضوعات جدلية في امور لغوية طرحها بعض المدرسين، فكان يرد بادواته العلميه وحججه المنطقية، ولم يُخطء يوماً في أحد!.
كان المرض يباغته ولم يبالِ به، واستقوى عليه باصرار الاشداء.. وكم من مرة اعتزم فيها ان يمتنع عن التدريس ولم يفعل، حبا في العلم، وحبا في الوطن، وكرهاً في الجهل، وبُغضاً للتخلف!.
اليوم يرحل عنَا هذا الاستاذ الفاضل تاركاً خلفه أجيالاً تعلمت منه، وجاء يومها لتدعوا له.. لقد كان يفخر دوماً بطلابه، فلم أر استاذاً يفخر بمن علمهم كفخره هو بهم.. لقد كان يتغنى بفلان الطيار وفلان الضابط وفلان المهندس.. وكان يحكي لنا تأدبهم وأخلاقهم وحرصهم على تلقي العلم.
رحل استاذي نصر شيحة، وودت لو كنت كاتباً مشهوراً فأقصص على الناس قصته، وتمنيت لو كنت نحاتاً مميزاً، لأنحت له تمثالاً يُخلد ذكراه، ورغبت في لو انني اتقنت بحور الشعر لأكتب عنه وله رثاءاً يحفظه الاحياء من محبيه ويرددوه..
وداعاً أيها المعلم.. رحمك الله!.
-
AhMed YouNessأحب الفلسفة والادب.. عندي موهبة التحليل والنقد والتأليف.. أقرأ عن كل شيء استطعت القراءة عنه، واكتب عن اي شيء تعلمته لانقد أو لاضيف أو لأحذف.