ارتحال واستقرار العائلات في الرّيف الفلسطيني عائلة سَطيح نموذجاً - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ارتحال واستقرار العائلات في الرّيف الفلسطيني عائلة سَطيح نموذجاً

صورة حطام مقام سطيح في يطا من كتاب نجاح ابو سارة

  نشر في 28 غشت 2020 .

تهدف المقالة إلى تسليط الضوء على حالة عدم الاستقرار التي عاشتها العائلات الريفية الفلسطينية قديما؛ وذلك من خلال تتبع هجرة عائلة سطيح من مكان إلى أخر إلى أن استقر بها المطاف الى السكن في قرية دير قديس، وتخلص إلى أن عائلات الريف لم تعرف الاستقرار الدائم الا بعد صدور قانون الاراضي؛ الذي منحها حق الملكية ودفعها للاستقرار.

آل سَطيح الأصل والنشأة

لا تملك العائلة كحال مُعظم العائلات في الريف الفلسطيني وثائق أو دلائل على أصل العائلة، ولا تاريخ وصولها للسكن في الريف الفلسطيني، ولمّا كانت هذه العائلة تنتمي الى مجموعة العائلات التي تُنسب الى أحد اجدادها المشهورين؛ لذا نجد الرواية الشفوية التي يتناقلها كبار السن من العائلة أنها تعود بجذورها إلى جدها سَطيح الكاهن المشهور في اليمن الذي تنبأ ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل مولده وأسمه ربيع بن ربيعة ولُقب بالسَّطيح؛(لأنه كان سطيح على الارض لا يتحرك)، ويَدحَض صحة هذه الرواية أن سَطيح الكاهن لم يترك ذُرية من بعده، ويَستشهد أصحاب هذه الرواية لتأكيدها بانتماء العائلة إلى الصف اليمني في الحروب التي دارت بين صفي القيس واليمن في عموم بلاد الشام أواخر العهد العثماني، لكن هذا الاستشهاد ضعيف؛ لأن الكثير من الكتب التاريخية تحدثت عن إمكانية انتقال العائلات بين هذين الصّفين بناءً على ما تقتضيه مصلحتها. وأشار الى ذلك الكسندر شولتز في كتابه "تحولات جذرية في فلسطين" صفحة 230، كما أن الكاهن سَطيح وإن سكن اليمن بناءً على دعوة من مَلِكها، إلاّ أن أصلَهُ من اهل الجابية في بادية الشام كما ذكر ابن كثير في الجزء الثاني من كتابه "البداية والنهاية" صفحة 162-163،ويبقى استشهادهم على أن أصل هذه العائلة تعود الى اليمن بوجود قرية سَطيح في مديرية الشعر بمحافظة إب باليمن مجرد احتمال لوجود قرى غيرها تحمل هذا الاسم ومنها، قرية سَطيح في محافظة العلا في منطقة المدينة المنورة.

نجد في كتب الأنساب أن عائلة سَطيح تُنسب الى جدها محمد السَطيح، وهُم من أحفاد المُثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أي أنهم من الأشراف، كما روى ذلك النَسابة ابن شدقم في كتابه "تحفة الازهار وزلال الانهار في نسب ابناء الائمة الاطهار" صفحة 394 ،ولا تُسهب كتب النسابة في الحديث عن العائلة، لكن علي بن محمد العلوي في كتابه "المجدي في أنساب الطالبين" صفحة 234 ذكر ان محمد السَطيح أعقب سبعة ابناء منهم الفضل الذي سافر الى مصر، وله ذُرية فيها وتوجد اليوم عائلة بالقرب من مدينة اسنا جنوب الاقصر بصعيد مصر تحمل هذا الاسم.

لم نتمكن من العثور على الحلقة التي تربط بين ال سَطيح الواردة في كتب الأنساب، وبين ابناء العائلة في فلسطين، غير أن هذا الاحتمال يبقى قائماً وخاصة أن عائلات الأشراف تمت ملاحقتها في بعض العهود الاسلامية؛ مما دفعها الى إخفاء نسبها الشريف والارتحال الى الارياف. يُضاف الى ذلك أن الجزيرة العربية كانت تشهد بين الفترة والأخرى هجرة طوعية كما حدث عندما دعا الناصر صلاح الدين الايوبي القبائل العربية للهجرة الى الاراضي المقدسة؛ لاشغال الثغور وحمايتها، أو هجرة قسرية بسبب الصراعات، أوهروباً من عوامل الطبيعة مثل الجفاف. ولم تكن العائلات في هجرتها تواجه صعوبة الانتقال على امتداد الجغرافيا العربية التي يعاني منها الانسان بعد نُشوء الدولة الحديثة، ولَعل سَطيح جد العائلة شخص ثالث غير سطيح الكاهن والشريف محمد السَطيح لكنه لم يصل الى شهرتهما.

آل سَطيح الترحال والاستقرار

لم نجد في كتب الأنساب والتاريخ في حدود اطلاعنا ما يمكننا من معرفة تاريخ وصول هذه العائلة إلى فلسطين، أو تَتَبُع خريطة تنقلها في الريف الفلسطيني، إلا أن إطلاق اسم العائلة على العديد من المواقع الجغرافية في جنوب وشرق فلسطين يسمح لنا بالتخمين أنهم سكنوا هذه المناطق قبل العهد العثماني على اعتبار أن الأماكن المُضافة إلى أسماء تحمل أسماء الأشخاص الذين سكنوا فيها، ونعتقد أن العائلة بعد رحلتها من اليمن او الحجاز نزلت في قرية يطا القريبة من مدينة الخليل وتركت في وسطها قبل رحيلها عنها مقاماً لا زال يُعرف إلى اليوم بمقام سَطيح، ثم تحولت إلى إلاقامة في قرية بيت ساحور بالقرب من بيت لحم وتركت فيها قبل رحيلها عنها شارعاً يحمل اسمها، ثم انتقلت للإقامة في منطقة مُشرِفة على عين الديوك بجوارأريحا، وتركت على الجبل المُطِل على هذه العين اسم العائلة، ويمكن لغيرنا من الباحثين الافتراض أنهم سكنوا اولاً عين الديوك ثم انتقلوا منها إلى بيت ساحور ومنها الى يطا، أو أن يُفترض انهم سكنوا في هذه المناطق الثلاث في نفس الوقت، وذلك عن طريق انتقال احد فروع العائلة اليها، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن العائلة لم تستقر في مكان واحد منذ وصولها الريف الفلسطيني وهو ما نسعى الى إبرازه في هذا المقال.

تُساهم دفاتر التحرير والقيود المدونة في العهد العثماني في تحديد مكان إقامة العائلة خلال القرن السادس عشر، ويتضح من خلالها أنها كانت تسكن في قرية بيتونيا القريبة من رام الله كما هو مدون في دفتر القيود رقم 1005 صفحة 69 للعام 1596-97، وهو ما يشير إلى انتقال العائلة للاقامة في الجبال الوسطى لفلسطين التابعة لسنجق القدس، ولا نعرف فيما اذا مكثت العائلة في هذه القرية أو ارتحلت الى غيرها خلال الفترة اللاحقة نتيجة انقطاع دفاتر التحرير والقيود عن الصدور؛ الامر الذي ترك فراغاً كبيراً وجعل من الصعب تتبع خريطة ارتحال العائلة والعائلات الفلسطينية بشكل عام، ولا تقدم الرواية الشفوية شيئا ذا اهمية عن ارتحال العائلة في هذه الفترة، ويمكن لنا التخمين أن فترة اقامتها في هذه القرية لم تكن طويلة، أذ لم تترك العائلة اسمها على واحدة من معالمها الجغرافية؛ وفي المقابل وضعت أسمها على واحدة من الاراضي الواقعة بين تلتين "خلة سطيح" في قرية دير قديس.

يمكن من خلال دفاتر الطابو في القرن التاسع عشر تحديد المكان الذي سكنت فيه العائلة، فبعد صدور قانون الأراضي في العام 1856م قامت الدولة العثمانية بتوزيع الأراضي على السكان، وحصل أبناء العائلة على حصتهم من الأراضي في قرية دير قديس التي تم تطويب أراضيها في العام 1872، كما ورد في كتابنا دير قديس صفحة 18، ويُستفاد من ذلك أن تاريخ استقرار العائلة في قرية دير قديس التابعة الى سنجق الرملة كان قبل عام 1872م مع عدم القدرة على تحديد السنة التي استقرت فيها العائلة في هذه القرية بعد رحلة من جنوب فلسطين في الخليل وبيت لحم إلى شرقها في أريحا ثم إلى وسطها في جبال القدس، لتستقر أخيراً في لواء الرملة في المنطقة الغربية من فلسطين.

نَخلُص الى أن المجالات الريفية شكلت ساحة لانتقال العائلات وارتحالها من مكان الى اخر قبل صدور قانون الأراضي، فخاضت العائلات العديد من تجارب الارتحال والانتقال واكتملت ملامح هذه الحالة بالاستقرار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد توزيع الأراضي على السكان كل في مكان تواجده، وتظهر المقالة الحاجة الماسة الى مزيد من الدراسات التاريخية حول الريف؛ أملاً في معرفة أكثر شمولا لمفردات الوطن.

                                                                                             د. عبد القادر سطيح


  • 1

  • qadersteeh
    عبد القادر مصطفى سطيح نال شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث عام 2016 من جامعة مرمرة في اسطنبول، يُجيد بالإضافة إلى التركية الحديثة اللغة العثمانية، له العديد من المؤلفات والأبحاث المنشورة باللغات العربية والتركية والإن ...
   نشر في 28 غشت 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا