البيوغرافيا والتاريخ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

البيوغرافيا والتاريخ

  نشر في 11 أكتوبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 03 نونبر 2021 .

عودة السيرة والذاكرة إلى الكتابة التاريخية



عبد العزيز المحمدي

كلية علوم التربية الرباط

استبعدت البيوغرافيا لردح غير يسير من الزمن من مختبر التاريخ، على الأقل مع الجيل الثاني من مدرسة الحوليات الفرنسية، وظلت محظورة وكريهة في الأوساط العلمية، واتهمت بقلة الضبط وبالافراط بالخيال والتخييل، وبالانتماء إلى التاريخ السردي الوضعاني المنبوذ والمقيت، لكن تحت تأثير إسهامات كل من علم الاجتماع وعلم النفس والانتربولوجيا والاثنولوجيا، بدأ جنس البيوغرافيا يستعيد مكانته داخل ورش الكتابة التاريخية، بالتزامن مع عودة التفكير المعمق في الفردانيات.(1)

في هذا السياق، بدأت الحدود الابستمولوجية والمنهجية بين الحقلين المعرفيين في التراجع، حيث تقلصت الفوارق بين التاريخ، الذي يقوم على تقاليد منهجية صارمة، وبين البيوغرافيا باعتبارها جنس معرفي تشويقي غريزي، يستند على ثنائية الفرد والسرد، هذا التقارب المنهجي كان مرفوضا بشكل قاطع، خلال مرحلة هيمنة التيار البنيوي على حقل العلوم الانسانية، إلى حدود السبعينيات من القرن الماضي، إلى درجة أصبحت البيوغرافيا التاريخية موضة فكرية، شاعت شيوعا تجاوز حدود المعقول.(2)

وارتباطا بهذه التحولات المنهجية والابستمولوجية، التي سادت خلال فترة ما بعد البنيوية، بدأت سطوة الدراسات في الانتربوبوجيا التاريخية، والأدب وعلم النفس وعلم الاجتماع، بينما تراجعت حظوة التاريخ، حين أصبحت العلوم الانسانية تنجذب إلى الفاعل الانساني، بعد سنوات من الحجب والاقصاء، بحجة كتابة تاريخ شمولي على منهج الحوليات، مما ساهم في تهميش تاريخ الافراد والسير.

ومع بداية الثمانينيات، وتحت تأثير المدرسة الأنجلوساكسونية، التي لقيت انتشارا واسعا في معقل الحوليات بفرنسا، وساهم في انتشارها مفكرون كبار، مثل جون فرانسوا ليوتار (Jean- François Lyotard)، وميشال سار (Michel Serres)، وجاك دريدا (Jaques Derrida)، ودون بيار ديبي (Pierre Dipy)، وآلان تورين (Alain Touraine)، وغيرهم، مما ساهم في عودة الفاعل مجددا إلى ميدان العلوم الانسانية، والتالي إعطاء دور للفرد في التاريخ.(3)

يظن المؤرخ البيوغرافي أن بإمكانه أن يفكك تعقيدات البنيات التاريخية والحضارية، وأن يعرف أحداث الماضي باعتماد منهج السيرة التاريخية أو دراسة بيوغرافية الأفراد، وذلك من خلال تتبع مسيرة فرد واحد داخل المجتمع، ومن تم إبراز الظروف السياسية والثقافية والاجتماعية، التي أنتجت الشخصية المحورية موضوع السيرة التاريخية.

ولا شك أن هذا النوع من التاريخ قديم قدم الكتابة التاريخية، فقد تناولته أقلام المؤرخين القدامى في تاريخ الإسلام في مصنفات عديدة، في كتب السيرة وعلم الأنساب وعلم التراجم وعلم المناقب وعلم الرجال، أو ما اصطلح عليه أهل الحديث بعلم الجرح والتعديل، وغيرها من الفنون الأخرى.

وفي العصر الحديث، تعرضت البيوغرافيا للتهميش والإقصاء، منذ سيطرة مدرسة الحوليات الفرنسية على الاسطوغرافيا خلال القرن القررن العشرين، إلا أن التوجهات الجديدة في التأليف، منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي فرض عودة البيوغرافيا التاريخية إلى دائر الضوء.

وإلى حدود الثماننيات من القرن الماضي، كانت البيوغرافيا تعاني من الاقصاء والتهميش في ظل سيطرة الفكر التاريخي الفرنسي على منهجية التأليف التاريخي، حيث ظلت السيرة جنسا مكروها ومنبوذا إلى حد ما، وبالمقابل، اشتهرت المدرسة التاريخية الإيطالية الحديثة، باهتمامها بتاريخ الفرد ودراسة حياة وسير الناس العاديين، في إطار ما يعرف عند المختصين بالتاريخ المجهري (Micro histoire)، وذلك لأنه وضع من بين أهدافه في المقام الأولن التجربة المعيشية لصغار الناس وبسطائهم.(4)

وإلى هذه المدرسة يعود الفضل في بعث وإحياء البيوغرافيا التاريخية، التي أصبحت تجذب اهتمام الباحثين من مختلف المدارس التاريخية، في إطار الدعوة إلى تجديد مناهج المعرفة التاريخية، وإعادة صياغة إشكالياتها، مما جعل هذا الفن ينتقل من السطح نحو الدهليز، بتعبير إلين بارو (Allen Edward Barrow)، وانتقال المؤرخ من تتبع سير العظماء والمشاهير، نحو تتبع سير العاديين والبسطاء من الناس. (5)

إن عودة السرد إلى الواجهة مرة أخرى، والاهتمام بتاريخ الأفراد في الاسطوغرافية الحديثة، لا يعكس بالضرورة الحنين إلى منهج المدرسة التاريخية الوضعانية، وإنما يشير إلى تراجع المدرسة التاريخية الفرنسية، لفائدة مدارس تاريخية جديدة، مثل مدرسة التاريخ من أسفل البريطانية، ومدرسة التاريخ المجهري الإيطالية، ومدرسة التابع الهندية، وتشترك هذه المدارس التاريخية جميعها، في الاهتمام بالفرد وبالفاعل وبالمعيش.(6)

إن هذا السجال المستمر بين البيوغرافيا والتاريخ، تفرضه التقاطعات المنهجية والمعرفية بين هذين الحقلين المعرفيين، حيث يعتبر الفرد والسرد والذاكرة عناصر متداخلة ومتقاطعة بينهما، خاصة عند رواد مدرسة التاريخ الجديد، التي لا تعترف بالقطائع والحدود بين العلوم الانسانية، على عكس ما كان سائدا خلال سيطرة مدرسة الحوليات، بحيث تراجعت فكرة كتابة تاريخ شمولي طويل وممتد في الزمان، يهتم بتاريخ البنيات ويهمش تاريخ الأفراد، في حين أصبح رواد التاريخ الجديد يهتمون بتاريخ مختلف، تاريخ يصنعه الاسكافي والطحان والراعي، تاريخ مجهري يرفع صوت المقهورين إلى الأعلى، ويجعلهم فاعلين منتجين لشروط التاريخ.(7)

في هذا السياق، بدأت البيوغرافيا تستعيد مكانتها داخل الكتابة التاريخية، وترجمت هذه العودة بغزارة الانتاج التاريخي الذي يعنى بفئات المهمشين والأقليات والطبقات الشعبية المختلفة، كما نادت بذلك مدارس التاريخ الجديد، التي أعادت قراءة التاريخ بعيون أخرى، يختلف عن الانتاج التاريخي الذي يكتفي بتتبع أخبار المنتصرين والأبطال.(8)

لإعادة كتابة التاريخ بنمهجية جديدة، أصبح استدعاء الرواية الشفوية والذاكرة الجماعية أمرا ضروريا، وذلك بهدف تنقيح ما رسخته الوثيقة المكتوبة والبنيات العميقة من تصورات نمطية عن الأفراد والشعوب، ويمكن أن نستشهد بنماذج تاريخية اعتمدت على الرواية الشفوية وعلى السرد والحكي، مثل كتاب نتان واتشيل نظرة المهزومين: هنود البيرو إزاء الغزو الاسباني، وكتاب هوارد زن (Howard Zinn) حول التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية.(9)

اعتبرت مدرسة الحوليات تاريخ الأفراد أحد الأصنام التاريخية التي يجب تحطيمها، ولذلك تعرضت الكتابة البيوغرافية للإقصاء والتهميش من طرف مدارس التاريخ الجديد، لكونها من وجهة نظرهم عائقا في وجه التاريخ، وبعد أن فقدت الكتابة البيوغرافية بريقها خلال الفترة السابقة، لفائدة التاريخ الجديد المنفتح على الاقتصاد والمجتمع، بدأ هذا النوع من الكتابة التاريخية يفرض نفسه من جديد، ليست على الاتجاهات التاريخية فحسب، بل امتد تأثيره إلى الأعمال الانثربولوجية والنفسية والأدبية، فأصبح التاريخ الجديد يشهد إقبالا كبيرا على البحث في البيوغرافيا في الغرب، اصطلح عليه بالانفجار البيوغرافي. (10)

يؤكد فرانسوا دوس (Dosse François) في كتابه: الرهان البيوغرافي- كتابة سيرة، على وجود انفجار حقيقي في مجال كتابة السير خلال العشرين سنة الأخيرة في فرنسا، كما يؤكد ذلك جاك لوغوف (Jacques le Goff) بقوله: "في الكتابات التاريخية المعاصرة، خاصة في فرنسا، هناك عودة للموضة، عودة السرد، عودة الحدث، عودة التاريخ السياسي، والأسرع تكاثرا هي عودة البيوغرافيا، التي اقتحمت دور النشر وواجهة المكاتب العامة والخاصة." (11)

وهذا الرجوع لتاريخ الأفراد وسيرهم، يأتي بعد غياب طويل، استمر طيلة الفترة التي سيطرت فيها مدرسة الحوليات على الاسطوغرافيا المعاصرة، حيث كانت هذه الأخيرة تعطي الأولوية لدراسة تاريخ البنية بدل سرد الأحداث، أي الانتقال من الزمن القصير إلي الزمن الطويل، بحسب تعبير فرناند بروديل (Fernand Braudel).

لقد اعتبر جاك لوغوف أن من مهمات التاريخ الجديد إعادة طرح مسألة دور الأفراد العظماء في التاريخ، وذلك بمنح صفة علمية جديدة لتاريخ السير، بما يتلاءم مع المناهج الحديثة في التاريخ، اقتداء بما فعله لوسيان فيبر(Lucien Febvre) في كتابه: لوثر، وارنست كانتوروفيتش (Kantorovitch) في كتابه: فريديريك الثاني، وبيار غوبير (Pierre Goubert) في كتابه: لويس الرابع عشر وعشرون مليون فرنسي.

يعتبر المؤرخ هنري إيريني مارو (Henri-Iréné Marrou) من أبرز من سلك هذا الاتجاه في التأريخ، من خلال كتابه الشهير: سانت أوغوستين ونهاية الثقافة العريقة، ونجد قلة من الباحثين الذين سلكوا هذا المنهج في تاريخ المغرب، ومنهم جاك بيرك (Jaques Berque) في كتابه: اليوسي، العالم المغربي الشهير الذي عاش في القرن السابع عشر (1691-1631)، وعلى نفس المنوال كتب الأنتروبولوجي الأمريكي ديل أيكلمان (Dale Eickelman) بحثه المتميز بعنوان: المعرفة والسلطة في المغرب، صورة من حياة مثقف من البادية في القرن العشرين.

اذا كانت البيوغرافيا استرجعت مكانتها في الاسطوغرافيا الحديثة، بفضل انتاجات مؤرخين غربيين، تصالحوا مع التاريخ السردي والرواية الشفوية والذاكرة الفردية، واستطاعوا تجاوز الموانع التي وضعتها مدرسة الحوليات، فإن الكتابة التاريخية العربية لا زالت لم تساير هذا التطور في موضوعاتها ومناهجها، بسبب التقاليد المرتبطة بالمدرسة البنيوية، على الرغم من أن تراثنا التاريخي حافل بكتابة السير واخبار التراجم والمناقب.

الهوامش

(1)- خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر ، ط 1، 2014، ص 15

(2)- المرجع نفسه، ص 9

(3)- المرجع نفسه، ص 20

(4)- الهادي التيمومي، نظريات المعرفة التاريخية وفلسفات التاريخ في العالم الغربي في النصف الثاني من القرن 20، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، 2008، ص ص 36 – 37.

(5)- جاك لوغوف، التاريخ الجديد، ص 59

(6)- خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ، المرجع نفسه، ص 43.

(7)- المرجع نفسه، ص 50.

(8)- جاك لوغوف، التاريخ الجديد، ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري، بيروت، المنظة العربية للترجمة، 2007، ص 59.

(9)- الهادي التيمومي، الدارس التاريخية الحديثة ، تونس، دار محمد علي للنشر، 2012، ص 50.

(10)-François Dosse, Le Pari biographique : Écrire une vie, Paris, La découverte, 2005, p.13

(11)-Jacques le Goff, "Comment écrire une biographie historique aujourd’hui", Le Débat 54 mars-avr 1989, p48.





   نشر في 11 أكتوبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 03 نونبر 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا