حرب الفيروسات - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حرب الفيروسات

حرب الفيروسات

  نشر في 14 مارس 2020 .

ما نراه ليس جديداً! هكذا قلت لنفسي وأنا أتابع الأخبار العاجلة التي تتدفق علينا بأعداد المصابين بهذا المرض، قد يكون شيئا خطيرا لم يعاصره جيلنا أو حتى الجيل الذي سبقه، لكن على رفوف المكتبات قصص كثيرة عن دراما الأوبئة وتاريخ الإنسانية، نرى في مسرحية هاملت: "آلاف العلل والأسقام والصدمات الطبيعية التي تنتاب الجسد"، فقد كان شكسبير يقصد المرض وخصوصا الأوبئة ففي أثناء كتابة تلك المسرحية كان "داء التعرق الإنجليزي، Sweating sickness" متفشياً في لندن، ولم يكن قد مضى على وفاة ابنه "همنت" بالطاعون إلا بضع سنين.

شكل نشوء الزراعة مكافأة للميكروبات، ففي المجتمعات الزراعية فرصة أكبر لنشوء الاستقرار وانتقال العدوى، وكان ظهور المدن في التاريخ هدية أكبر لهذه الميكروبات التي تزدهر مع الازدحام والكثافة السكانية، والقصة قديمة فالجدري يعود لعام 1600 قبل الميلاد كما يشير مكان بثور في مومياء مصرية.

إن من أهم ما تسبب في قتل أعداد هائلة من البشر في التاريخ الحديث هو الأوبئة مثل الجدري والإنفلونزا والسل والملاريا والطاعون والحصبة والكوليرا. الأمراض والجراثيم صاغت الكثير من تفاصيل العالم الحديث، ففي الحرب العالمية الثانية كان عدد ضحايا الميكروبات أكبر من عدد ضحايا الجروح التي أصابت الناس في المعارك.

من الأمراض الوبائية كذلك الإنفلونزا، لكن سنوات بعينها كانت سيئة بشكل خاص مثل سنوات الإنفلونزا الأسبانية التي ظهرت في القرن الماضي حيث قتل 21 مليون شخص مع نهاية الحرب العالمية الأولى، أما أوبئة الكوليرا فتحدث في فترات أكثر تباعداً، وكان وباء بيروفي في عام 1991 أول وباء بالكوليرا يضرب العالم الجديد خلال القرن العشرين. ورغم أن أوبئة الإنفلونزا والكوليرا تسيطر على عناوين الصفحات الأولى بالجرائد, فقد كانت الأوبئة مرعبة أكثر بكثير قبل ظهور الأدوية الحديثة.

ظهر "الطاعون البوبوني" أو الموت الأسود لأول مرة في أوروبا في العامين 542 و 543 بعد الميلاد تحت اسم طاعون جوستنيان، وإذا كانت المطارات الآن أصبحت بوابات للخطر كأنها موانئ الأمس، فقد كانت حركة التجارة قديماً هي المتهم الأساسي في نقل الأوبئة، فقد نشر التجار، والعمال، والمهاجرن، والحجاج، والجنود، والرعاة والعاهرات – الأوبئة على مساحة واسعة من العالم، ففي عام 1348 أبحر التجار من ميناء القرم على البحر الأسود والذي كان موبوءاً بالطاعون إلى أحد الموانئ الإيطالية، وانتقل الطاعون إلى إيطاليا ومنه إلى إنجلترا. قتل الطاعون الذي أطلقوا عليه "الموت الأسود" ربع سكان أوروبا في الفترة بين عامي 1346 و 1352، بحيث وصلت الإصابات القاتلة إلى 70 % في بعض المدن، والسبب الثاني هو توفر طرق التجارة البرية ابتداء من الصين إلى أوروبا، مما أتاح للفراء المملوء بذباب حامل للطاعون بالقدوم من مناطق موبوءة في وسط آسيا إلى أوروبا.

من القصص الدرامية حول علاقة الأوبئة بالتاريخ قصة وصول الأمراض والجراثيم إلى الأمريكتين، من خلال غزو الأوروبيين للعالم الجديد، فقد مات من السكان الأمريكيين الأصليين في الفراش وجراء الجراثيم، أكثر ممن ماتوا في أرض المعركة بسبب البنادق والسيوف، وقد أضعفت الأمراض الروح المعنوية للهنود الحمر عندما قتلت معظمهم ومعظم قادتهم كما يخبرنا جاري دايموند في كتابه "أسلحة وجراثيم وفولاذ". عندما نزل كورتيز على ساحل المكسيك كان معه 600 إسباني لغزو إمبراطورية الأزتيك العسكرية ذات التعداد السكاني الذي يصل إلى عدة ملايين، لكن مرض الجدري الذي وصل إلى المكسيك عام 1520 بوصول عبد واحد من كوبا الإسبانية أدى إلى فتك الوباء الناجم عن ذلك بحوالي نصف الآزتيك بمن فيهم الإمبراطور كيتلاهوك، ولم يصب المرض الإسبان، كما لو أن هذه الحقيقة أكدت أن الإسبان لا يقهرون. وبحلول 1618 هبط عدد سكان المكسيك من حوالي 20 مليونا إلى حوالي 1.6 مليون، أما الجدري فقد قد وصل إلى بيرو حوالي العام 1526 مما أدى إلى موت أغلبية سكان الإنكا بمن في ذلك الإمبراطور هويانا كاباك وخليفته المعيَّن. هكذا ترسخت أكثر من عشرة أمراض معدية من أوروبا إلى العالم الجديد، ولربما لم يصل مرض واحد قاتل إلى أوروبا من الأمريكتين ومن السكان الأصليين باستثناء مرض السفلس الذي يوجد اختلاف حول المنطقة الذي ظهر فيها أول مرة.

الوسيلة الأخرى في انتشار الأمراض الوبائية هي انتقال البشر القهري والقسري، الذي ارتبط بتجارة العبيد التي بدأت عام 1630، فقد احتاج الأسبان لقوة عاملة لزراعة قصب السكر في أمريكا الوسطى والجنوبية، مما أدى إلى انتقال الحمى الصفراء والملاريا إلى شعوب تلك المناطق، التي لم تكن تعرفها من قبل ولم تكن لديها المناعة ضدها مما أدى إلى وفاة الكثير منهم.

نستطيع نسج الكثير من القصص عن علاقة الاستعمار والإمبريالية بالأوبئة، فأحد التبعات غير المقصودة للتنمية الاقتصادية هو خلق شبكات المرض التي امتدت عبر العالم، لدينا قصة الكوليرا في أثناء فترة الحكم البريطاني 1786-1947 وسببت الكوليرا وفاة أكثر من 28 مليون فرد، لكن قبل وصول البريطانيين ما كان من المحتمل أن يواجه المرض شبة القارة الهندية المرض بهذا العنف.

وهناك أيضاً الأوبئة ومحمد علي باشا ودولته الجديدة، ففي الفترة التي أسس فيها الباشا لمقومات الدولة الحديثة وبناء جيش محلي من المصريين، وجد أنه من الضروري أن يعتني بصحة جنوده وبتقديم الخدمة الصحية لهم، ومن هذا المنطلق توسعت الفكرة لتشمل هذه العناية سكان القطر المصري أجمع، ففي زمن مبكر يرجع إلى عام 1819 أمر الكتخدا (نائبه) بوضع برنامج للتطعيم ضد الجدري في البلد بأكملها، وضريبة الجدري كانت فادحة في مصر. يوضح لنا الدكتور خالد فهمي أن كلوت بك ذكر أنه عند وصوله إلى مصر عام 1825 كان يقتل ما لا يقل عن خمسين إلى ستين ألف طفل، الأمر الذي يعني أن الجدري يساهم ب40 أو 50 في الألف، وفي عام 1824 طلب الباشا من دروفيتي، القنصل الفرنسي العام، أن يأتي له بعدد من الأطباء من فرنسا لكي يتولوا تنفيذ برنامج واسع للتطيعم ضد الجدري في الريف، ونشر كلوت بك حملة التطعيم في جميع أنحاء البلاد، وكانت مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر تصاب، إلى جانب الجدري، بوباءين آخرين فتاكين، هما الكوليرا والطاعون، الأمر الذي دفع السلطات للحد من أثرهما، وفي عام 1812 اقتراح طبيب الباشا الإيطالي غيطاني بك أن يحد من دخول السفن القادمة من إسطنبول التي أصيبت بوباء الطاعون في تلك الفترة، ومع انتشار الطاعون في الدلتا في العام التالي، أقام الباشا حجرا صحيا (كورنتينا) في الإسكندرية، تقوم بحجز المسافرين والبحارة الذين يصلون من مناطق مصابة بالطاعون، وفي عام 1828 قام محرم بك زوج ابنة محمد علي ومحافظ الإسكندرية في ذلك الوقت بالاتفاق مع القناصل على وضع مسودة لوائح الحجر الصحي لتنفذ في الإسكندرية، وأقاموا بالفعل العديد من مناطق الحجر الصحي في الموانئ.

في التاريخ عزاء وسلوى بأن زمن الإمبريالية انقضى وأن هناك تقدم طبي لمعرفة أسباب انتشار الأمراض ومحاولة علاجها، والأهم أن قراءة الحكايات عن الأوبئة لا يجعلك تشعر بالهلع أو الشعور بالغرابة كأن ما يحدث لم يسبق للبشر النجاة منه بسلام.

المراجع

الموت الأسود، جوزيف بيرن، مشروع كلمة للترجمة

أسلحة، جراثيم، فولاذ، مصائر المجتمعات البشرية، جاري ديموند، مكتبة العبيكان

كل رجال الباشا، محمد علي وجيشة وبناء مصر الحديثة، خالد فهمي، دار الشروق

الأوبئة والتاريخ، المرض والقوة والإمبريالية، شلدون واتس، المركز القومي للترجمة


  • 3

   نشر في 14 مارس 2020 .

التعليقات

نسمة رجب منذ 8 شهر
a valuable article
3
Kinan khateeb
شكرا عزيزتي نسمة
أنور منذ 8 شهر
تفكيرك عميق
1
Kinan khateeb
شكرا لك عزيزي

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا