عامر منيب .. لماذا تأتي الأشياء الجميلة متأخرة ؟! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عامر منيب .. لماذا تأتي الأشياء الجميلة متأخرة ؟!

  نشر في 18 نونبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2021 .

كان اليوم مليئًا بالكثير من المشاوير التي لا بد من قضائها قبل انتهاء إجازتي القصيرة في القاهرة وعودتي لعملي مرة أخرى في الساحل .. ساعاتٌ من القيادة في شوارع القاهرة المزدحمة المنهكة، وعلى الطريق الدائري المختنق بسبب أعمال التوسعات الجارية في أغلب أجزائه، مما تسبب في تعكر مزاجي وانتهاء يومي إكلينيكيًا.


هكذا عدت إلى منزلي في نهاية ذلك اليوم الشاق .. متعبًا كأتوبيس نقل عام دخل إلى الجراج لتوه في نهاية يوم الخميس .. كنت في حالة لا تسمح بالتحدث مع أحدٍ بعد أن استنزَفَت أحداث اليوم قواي وقدرتي على الحديث .. استرخيت على سريري وأمسكت هاتفي ورحت أرد على رسائل واتس آب وإشعارات فيسبوك في ردودٍ قصيرةٍ مقتضبةٍ، ثم أخذت أتصفح الصفحة الرئيسية لفيسبوك في رتابةٍ ومللٍ بالغين باحثًا عن اللاشيء .. فقط هو التعود .. ذلك الداء اللعين الذي أصاب أغلبنا منذ سنواتٍ مع وسائل التواصل.


فتحت أحد فيديوهات كرة القدم الخاصة بمتابعة آخر استعدادات المنتخب القومي لمباراة الجابون في تصفيات كأس العالم .. وبعد انتهائه سلمني إلى فيديو آخر مقترح عن سيدة تتحدث عن حملها من شبح !! تخطيته بعدم اهتمامٍ فسلمني إلى فيديو آخر عن صراخ إحدى الأمهات واستغاثتها من أجل إنقاذ ابنها من مناهج الصف الرابع الابتدائي الجديدة !! .. لم أكن على استعدادٍ لأي صراخ في هذه اللحظات، فتخطيت هذا الفيديو أيضًا ليسلمني إلى فيديو رابع لحفل خطوبة بسيط لشاب وفتاة في مقتبل العمر .. كانت مدة الفيديو دقيقة واحدة فقط، فقررت أن أشاهده على سبيل الفضول .. كان الشاب يغني لخطيبته بصوتٍ جميلٍ - لا نشاز فيه - أغنيةً لا أعرفها .. كان صوته يقطر حبًا وعشقًا وولهًا وفرحةً غامرةً صاحبت كل كلمةٍ من كلمات هذه الأغنية الجميلة .. كانت الفتاة تمسك بباقةٍ من الورد بينما تركز نظرها تارةً في عيني فتاها في حبٍ واضحٍ يشع من عينيها وينعكس على ابتسامتها وهي تتمايل في سعادةٍ، وتارةً أخرى تطأطئ رأسها في خجلٍ موجهةً نظرها إلى باقة الورد التي في يديها.


كانت كلمات الأغنية التي يغنيها الشاب لفتاته تعكس كل تفصيلةٍ وكل إحساسٍ صادقٍ يظهر عليهما في هذا المشهد القصير .. كانت الكلمات تقول:

من أول يوم في لقانا .. خدني هواك .. عشت معاك .. أحلى سنين عمري يا غالي

بان على طول إيه جوانا .. لما العين .. جت ف العين .. ولا حسيت باللي جرالي

بِينا نعيش .. دا العمر ليلة ..

ما تقولّيش .. نستنى ليلة ..

دي الأيام .. جنبك جميلة ..

وعمري يا غالي لقيته معاك


كان الفيديو رومانسيًا إلى أقصى حدٍ، مما جعلني أعيد مشاهدته أكثر من مرةٍ .. نجح المشهد الرومانسي الجميل في جذب انتباهي ونقل إحساس السعادة من العروسين إليّ .. كما نجح في إثارة فضولي لمعرفة تفاصيل هذه الأغنية التي لم يسبق لي أن سمعتها من قبل .. هكذا قررت أن أترك الفيديو وأتوجه إلى صديقي "جوجل" للسؤال عن صاحب الأغنية الأصلي، لتفاجئني الإجابة بأن صاحب الأغنية هو الراحل عامر منيب ويرجع تاريخ صدورها إلى العام 2003 ضمن ألبوم (حب العمر) !! إذن فهي أغنية قديمة .. كيف مضت كل تلك السنوات دون أن أكون قد استمعت إليها ؟!


توجهت إلى صديقي الآخر "يوتيوب" - رفيق أوقات وحدتي خلال السنوات الأخيرة في مرسى مطروح – وبحثت عن الأغنية ورحت أستمع إليها بصوت عامر منيب للمرة الأولى ..


كان أول ما جعلني أقع أسيرًا في غرام الأغنية هو دَخلة الكمانجات في بداية الأغنية .. دائمًا ما تكون "دَخلة الكمانجات" عاملاً مشتركًا في أغلب أغانيّ المفضلة.


لم تستغرق الدَخلة كثيرًا حتى بدأ عامر في الغناء .. بهرني دفء صوته وعذوبته وكأنني أستمع إليه للمرة الأولى !!


أعدت الاستماع إلى "بينا نعيش" أكثر من مرةٍ .. وفي كل مرةٍ كنت أجد نفسي أذوب فيها وأغوص في تفاصيلها أكثر .. كانت أغنية هادئة عذبة .. كانت أغنية "رايقة" ساحرة من تلك الأغنيات التي تحتل القلب وتستوطنه من أول طلة.


لم أكن يومًا من محبي أغنيات عامر منيب ولم أكن من جمهوره .. كنت أُفضّل الاستماع إلى نجوم عصره البارزين في وقته أمثال عمرو دياب ومحمد منير ومحمد فؤاد ومحمد محيي وهشام عباس وحميد الشاعري .. كان كلما تصادف مرور أغنية لعامر أمامي، لا أجد نفسي مهتمًا بالاستماع إليها وأقوم بتغييرها أو الانصراف من أمامها على الفور !.


لا أعرف سببًا محددًا لهذا الانطباع .. ربما كان الانجذاب يذهب دائمًا لمن يُسلّط عليهم الأضواء، ولم يكن عامر ممن يُسلّط عليهم الأضواء .. ربما كان الانجذاب يذهب دائمًا لمن يبدون في ظاهرهم أسماء لامعة ًونجومًا متألقة، ولم يكن عامر يومًا اسمًا لامعًا أو نجمًا متألقًا كعمرو وفؤاد ومنير!! ربما.


بعد أن استمعت إلى "بِينا نعيش" أكثر من مرة – ربما عشر مراتٍ – تركت صديقي "يوتيوب" يختار لي أغاني أخرى مقترحة لعامر منيب .. فاختار لى: "جيت على بالي كده من كام يوم"، و"عامل إيه في حياتك"، و"نفسي أقول لك"، و"كلام كتير جوايا نفسه أقوله ليك"، و"ليالي تفوت"، و"حب العمر".


كنت قد استمعت إلى هذه الأغنيات متفرقة منذ زمنٍ، لكنني في كل مرةٍ لم أكن أستمع إليهم بالاهتمام والتركيز الكافيين نظرًا لانطباعي المسبق بعدم الميل لأغاني عامر منيب بوجهٍ عامٍ .. لكنني في هذه المرة أعدت الاستماع إليهم بنظرةٍ وإحساسٍ آخر مختلفٍ كليًّا عن ذي قبل بعد أن نجحت "بِينا نعيش" في شد انتباهي لإعادة استكشاف عالم عامر منيب .. رحت أدقق في التفاصيل أكثر .. أعطيتها انتباهي كاملاً هذه المرة .. هكذا رحت أكتشف مناطق وأبعاد جديدة ومذاقًا مختلفًا لم أشعر به من قبل!.


سألت نفسي: كيف مرت كل هذه السنوات دون أن أحاول الاقتراب من عالم عامر منيب ولو على سبيل التغيير؟ كيف لم أتمكن من استكشاف هذا العالم وتذوقه من قبل، بينما الآن أراه وأتذوقه بإحساسٍ مختلفٍ ونظرةٍ مغايرة؟!

ربما كان النضج العمري والعقلي واختلاف معايير قياس الأشياء تفسيرًا مقبولاً لما حدث؟! ربما.

**********

أنهيت الاستماع بينما شرد ذهني في سقف الغرفة رابطًا بين ما حدث في الدقائق السابقة مع عامر منيب وبين بعض الأمور التي تحدث في حياتنا ..

كم من أكلةٍ صرت أستمتع بها الآن، بعد أن كنت أتجنب تذوقها لسنواتٍ لمجرد أن انطباعي المسبق عنها أنها أكلة غير لذيذة ؟! ..

كم من مرةٍ أصبحت أنظر إلى كثيرٍ من أمور الحياة بمنظورٍ مختلفٍ عما كنت أراه من قبل؟! ..

كم من أشخاص أصبحت أكتشف جمال روحهم وروعة معدنهم متأخرًا رغم معرفتي بهم منذ زمن؟! ..

لماذا أصبحت الأشياء الجميلة تأتي متأخرة؟! .. ربما بعد فوات الأوان !

**********

كانت وفاة عامر منيب عام 2011 صادمةً وحزينةً، نظرًا لوفاته في سنٍ صغيرةٍ نسبيًا – 48 عامًا – بعد صراعٍ مع مرض السرطان اللعين .. تعاطفت معه في فترة مرضه ووفاته باعتباره إنسانًا عانى آلام المرض وليس باعتباره مطربًا معروفًا .. عرفت بعد وفاته أنه كان إنسانًأ خلوقًا مهذبًا وسيرته طيبةً بشهادة كل من عاشروه أو عرفوه عن قربٍ .. كما عرفت أنه خصص جزءًا كبيرًا من ماله قبل وفاته لعملٍ خيري كبير في برنامج (طوق نجاة) .. كما عرفت أنه كان يتمنى أن يقوم بتسجيل القرآن الكريم كاملاً بصوته بعد أن يعتزل الغناء، لكن القدر لم يمهله لتحقيق تلك الأمنية.

رحمه الله وغفر له وسامحه وجعله من أهل الجنة.


  • 2

   نشر في 18 نونبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا