مذكرات مبتعث - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

مذكرات مبتعث

المحطة التالية

  نشر في 29 أبريل 2023  وآخر تعديل بتاريخ 02 ماي 2023 .


الساعة تقترب من العاشرة مساءً، أتفقد الثلاجة بحثًا عن وجبة خفيفة قبل النوم، يضيء هاتفي لأجد إشعارًا يقول " نود تذكيرك بإصدار بطاقة صعود الطائرة لرحلتك الساعة الرابعة فجرًا إلى ....". ثواني تمر قبل أن تتسارع نبضات قلبي وتصدم أفكاري ببعضها البعض. ألم تكن رحلتي في الأسبوع المقبل؟ ماذا أفعل الآن! لا أحد بالمنزل، هل يمكنني تجهيز شنطة رحيلي في هذا الوقت الضيق، بمن يجب أن أتصل ليوصلني إلى المطار. كيف سأخبر أمي وأبي وأخواني أن موعد رحلتي الليلة. هل سأودع أهلي عن طريق الهاتف! ألن أتمكن من رؤية أمي مرة أخيرة قبل الرحيل! ألن أقوم باحتضانها قبل رحلتي الطويلة الممتدة لسنين. ماذا عن أصدقائي وماذا عن أقرب الناس لي. أردت شراء بعض من الكتب بلغتي العربية قبل الرحيل. أي كتب أحمل معي فليس لدي متسع كبير في شنطة الرحيل. مهلًا فلست مستعدا بعد لركوب قطار الرحيل! لقد كنت في وهم حينما قررت أن أترك مهدي إلى بلد غريب!

استيقظت فزِعًا فوق سريري محدقًا في أشعة الشمس التي تخترق ستارة شباكي الشفافة، سارحًا في صوت عبور السيارات المارة أسفل منزلي، هذا هو صوت الحياة الوحيد الذي بقي لي في شقتي الساكنة. أنظر إلى طاولتي غير المنظمة، بطاقة المستشفى، سماعة الطبيب، فاتورة الكهرباء، وجبة البارحة، جوازي الأخضر. أتامل محدقا فيه، هل يمكنك حملي إلى دياري؟ ما كنت أعرف أن الغربة الموحشة قد حفرت جذورها في قلبي ونمت حتى زاحمت أغصانها عقلي دون أن أشعر. لم تجد مساحة في صباحاتي القلقة، فأرسلت رسالة على استحياء في جوف الليل: متى يأتي خريفي؟ فتذبل أوراقي الحزينة وتموت أغصاني الموحشة. لقد نمت مثل ورم خبيث يتضاعف كل يوم، لا يترك أي أثر خلفه، ولأني حاولت جاهدًا ألا ألتفت إليها، ها هي تعلن حربًا ضروس لا طاقة لي بها.

استجمعت قواي واقفًا أمامها، ناظرًا إليها للمرة الأولى، ساق نحيلة تنتهي بأغصان رفيعة تكاد الريح تكسرها من شدة جفافها ولكن أكثر ما أثار حزني جذورها الطويلة المتعرجة في الأرض، كم حاولت جاهدة البحث عما يسقي ظمأها، خَجِلت من نظري إليها وهي التي كانت تصرخ تناديني، باتت صامتة مثل فتاة صغيرة تشعر بالخجل من فعلها. وضعت يدي على ساقها " شكرا لأنك بقيتي من أجلي، لا تخجلي فانتي أجمل شجرة رأيتها". وضعت أذني على جذعها النحيل، كان صوت الرياح أقوى من همسها الخافت. أسندت ظهري إليها، أخذت الريح تداعب شعري بينما أغمضت عيني دون شعور مني، تساقطت أوراقها متجمعة فوقي وكأنها تمسح على رأسي، أخذتها بيدي، احتضنتها ثم نظرت إليها فوجدت عروقها منحنية في شكل غريب، وكأنها حروف طفل يتعلم الكتابة للمرة الأولى.

" ميم، نون، ألف، راء، تاء مربوطة " يبدو أنني أتوهّم، منارة...

القصة الوحيدة التي ارتبطت بهذه الكلمة كانت قبل سنين طويلة، عندما ذهبنا نتمشى على أقدامنا في منتصف الليل، في منطقة تشع نجوم سماها الداكنة وسط الظلام الحالك، فرأينا تلك المنارة المسكونة! ذات القصص العجيبة! جلسنا نتحاكى أمامها بينما ارتجفت أجسامنا من شدة الخوف والبرد، ثم عندما تسلل إلينا الخوف، جرينا تباعًا خلف ذلك الفتى الذي ركض هاربًا حتى وصلنا إلى بيوتنا في وقت قياسي من شدة الخوف! كل منا يسابق الاخر، فلا أحد يريد أن يكون الضحية الأولى! أطلقت تنهيدة طويلة تفوح عبقا من عطر الحنين. لقد كانت مغامراتنا البسيطة أمتع بكثير من ألعاب الفيديو التي محت كل معنى للمغامرة والمخاطرة!

أمسكت ورقة تل والأخرى لم تكن مصادفة! كل ورقة كانت تمثل جزءًا من طفولتي الجميلة! لقد دُفنت تلك الذكريات خلف جبال من الهم والقلق الذين أضحو رفاقًا لنا في هذا العصر الكئيب! استطردت في خيالي أين كنت وأين أنا الآن. استرجعت نفسي إلى وقتي الحاضر، فتحت هاتفي مدونا بضع أحرفٍ من كلماتٍ لا أدري متى سيمكنني كتباتها لكني سأكتبها حتمًا فأنا أدين بها لشجرتي الجميلة ولكل الأشخاص الذين كانوا وما زالوا جزءًا كبيرًا في حياتي.

بعد عدة أشهر...

شاءت الأقدار أن يمر مسار رحلتي بعيادة صغيرة في مدينة ريفية هادئة تبعد عن منزلي ساعتين، استيقظت قبل طلوع الفجر فأنا لا أريد التأخر بسبب حافلة مبكرة أو قطار متأخر. خرجت وركبت الحافلة ثم القطار ثم الحافلة مرة أخرى. تسلسلت رحلتي تباعا من بين المباني الشاهقة التي تكاد تلمس السماء إلى المنازل الريفية البسيطة. عبرت خلال زحمة الطرق وضجيج الحياة المستمر إلى الطبيعة الصامتة. حينها تمكنت من سماع ذلك الصوت الذي افتقدته وقتًا طويلا. صوتي أنا! جلست أحادث نفسي التي لم أحادثها منذ زمن طويل ورغم أنها كانت تحلق بي في صفحاتٍ من الذكريات إلا أني كنت أعود إلى حافلتي بين الحين والأخر لأرى أسماء المحطات التي نمر من خلالها متأملا تغير الناس مع كل محطة! فتحت هاتفي الجوال وتفقدت إيميلي (بريدي الالكتروني) فوجدت بريدًا تسلل في جنح الليل دون أن أراه قائلًا، نتأسف منك فعيادة اليوم قد تم إلغائها بسبب ظرف طارئ للاستشاري صاحب العيادة. اعتلت ملامحي بعض تعابير الحسرة تبعتها تعابير الحيرة فلا أدري أين يجب أن أنزل الان. ترجلت من الحافلة عند أول محطة توقفت عندها الحافلة و فجأة ًوجدت نفسي على طريق بلا رصيف، أمشي على العشب الصغير فوق الطين الموحل من أثار أمطار الصباح. أمشي في حذر شديد محاذيًا للسيارات المسرعة. أكملت إلى نهاية الشارع الذي أراه للمرة الأولى و وصلت إلى رصيف أمن! فتحت هاتفي الجوال مرة أخرى، أرسلت رسالة بسيطة إلى صديقي الكويتي الذي سبقني ببضع سنين في القدوم إلى هنا مخبرًا إياه بما حصل، فأشار عليَّ بالذهاب إلى أحد المناطق الجميلة في هذه المدينة قبل رجوعي إلى المنزل. ترددت قليلًا، فلم تكن حالتي الذهنية تسمح بمغامرة جديدة، ربما يجب أن أعود إلى المنزل و أستلقي فقط. هكذا كان الحال لفترة طويلة، فمهما كانت الحياة جميلة حولك، ستراها باللون الأبيض و الأسود عندما يتسلل شعور الحزن إليك مصحوبا بشعور الغربة والوحدة. رسمت على وجهي ابتسامة عابرة لأخرج من هذه الصورة الموحشة و ألوّن عالمي بالألوان مرة أخرى. فتحت هاتفي الجوال وبدأت توثيق رحلتي إلى مغامرتي الجديدة في هذا اليوم. و قبل أن أشعر وجدت نفسي محاطًا بأصوات العصافير، مستندا على كرسي خشبي عتيق تحت أجمل سماء زرقاء رأيتها، فاتحًا شاشة جهازي المحمول، أكتب كل ما كان مستحقًّا كتابته منذ وقت طويل. أحنيت رأسي إلى الأرض مبتسمًا في خجل. شكرًا ربي أن هيأت كل ما حولي لأخرج في رحلة جميلة كنت في حاجة لها! شكرًا ربي لكم رتبت أمري دون أن أشعر فيسرت لي طرقًا لم اعرفها وألقيت في طريقي أناسًا سهلو جزءًا كبيرًا من غربتي. شكرًا إلاهي فما أذكر يومًا دعوتك بأمنيةٍ فاضت بقلبي، إلا وأجبتها لي. ورغم جهلي وتقصيري، لازلت تمد يدك لي بالرحمة. شكرًا ربي.

في وسط هذه الحياة، نمر خلال محطات وأقدار متسارعة، حتى يكاد كل منا ينسى وجهته فلا يرى إلا بعض من الأشياء التي لم يحصل عليها، يمر القطار وتتغير مساراتنا باستمرار ونحسب أننا كنا خاسرين لأننا لم ننزل عند محطة ما مثلما فعل الأخرون، نفقد كل سبيل للاستمتاع بتلك المناظر الجميلة التي نمر بها في هذه الرحلة.. الأشخاص، التجارب، الضحكات. ننسى حتى تلك النعم الصغيرة والكبيرة التي تحيط بنا كل يوم. ننسى أين بدأنا و إلى أين ننتهي!

الحياة مجرد رحلة قصيرة ستنتهي قبل أن ندرك، لا تتحسر على شيء لم تدركه، ربما لم يحن وقته بعد، ربما محطتك القادمة أفضل من كل محطة مررت بها ووددت النزول عندها. استمتع بالرحلة يا صديقي، لا تركز على من أتى ومن رحل. لا تركز على أين وصل فلان وأين أصبح علّان. أنت لست إلا أنت! دع تدبير أمرك لمن في السماء فهو لا ينسى أحدًا من خلقه.

وأخيرًا، هل تأمّلنا متى كانت اخر مرة شكرنا الله على ما وهبنا. قال تعالى " وقليلٌ من عبادي الشكور" فما أجملها من قلة. ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.

~النــــهـــايــــة


  • 1

  • Eid Alagha
    و كن في الطريق عفيف الخطا.. شريف السماع كريم النظر وكن رجلا إن أتوا بعده.. قالو مر وهذا الأثر
   نشر في 29 أبريل 2023  وآخر تعديل بتاريخ 02 ماي 2023 .

التعليقات

سناء لعفو منذ 9 شهر
أحببت مقالك والرسالة الأخيرة ثمينة جدا فعلا يجب الاستمتاع بالرحلة لا الوجهة 👍
1
أحمد جودة منذ 10 شهر
ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا