الخرسانة المتآكلة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الخرسانة المتآكلة

  نشر في 01 يونيو 2022 .

إنها الدورة الرابعة لعقارب الساعة،ولازال "أمين" يحدق في شاشة حاسوبه،سماعات بحجم خوذة جندي تطوق رأسه،غير أن هذه لا تقي الرأس بل تدمره من الداخل بطلقات من موجات صوتية بأعلى الترددات،تصدح بموسيقى الروك الأجنبية، قناع "جاي فوكس" يعلو سطح المكتب،جيل الألفية الجديدة يثورون بالأقنعة ومن خلف الشاشات، ويطيحون بالأعداء عبر ألعاب الفيديو، كاللعبة التي كان أمين يلعبها قرابة الساعة حتى مل لتكرار الخسارة فطفق يلعن اللعبة ومؤسسيها كيف لا يصممون لعبة ينتصر فيها الانسان دائما وأبداً.

على يمين الموقع عشرات النوافذ المنبثقة، لأجساد عارية متلاحمة، أنهار من الأدرينالين تتفجر في عروقه، وكلما خمد التيار قليلا ينتقل لمقطع جديد يزيد الدفق، يقطع حبل نشوته إشعار برسالة من إحدى الأصدقاء ،"تبا إنها ريم ، ماذا تريد هذه الحمقاء"، خطأ يضغط على الرسالة،"أرجوك أمين لازلت أحبك رد علي"يتأفف،يشتم،يضرب لوحة المفاتيح ،يكتب بانفعال "قلت لك مليوون مرة أننا انتهينا ألا تفهمين؟" توسلات ،رجاءات،دموع،رسائل صوتية جميعها تم تجاهلها بل إنه قرر حسم الأمر هذه المرة فضغط على صفحتها الشخصية،أيقونة صغيرة تمنح الانسان سلطة افتراضية ،هكذا ببساطة يمحو أي أثر لصلة كانت، حظر، إلا أنه قبل أن يقوم بذلك وقعت عينه على أحد الأصدقاء المشتركين،شقراء،عيون عسلية ووجنتين متوردتين،رائع فلتذهب ريم إلى الجحيم ومرحبا بالصيد الجديد!،ما أكثر الفرائس الجائعة هذه الأيام ،وهو ملك الغابة، ضغطة واحدة ويمتثل كل شيء تحت إمرته، صوت قادم من بعيد،لا ليس مغني الروك ، إنه صوت مألوف يعرفه جيدا،وهو قادم من عالمه ،بالتحديد من خارج غرفته،يرتعد وتنتفض أوصاله ويغلق الجهاز على الفور،إنه ملك الغابة الحقيقي، والده،"تعالى يا أمين ألق التحية على عمك"،سريعاً يثب من على كرسيه، يمحو ما به من آثار شبق ،يدلف إلى ردهة المنزل،رجلان يقفان بجانب والده، يتردد أيهما عمه،فيحتضنه أحدهم بحرارة شديدة فتتلاشى حيرته، " هذا أمين ولدي الأصغر تذكره أليس كذلك؟" ابتسم أمين ابتسامة ساخرة، إنه يعلم الجملة القادمة التي سينطق بها والده "أمين حبيبي اسم على مسمى أمين وحامل لكتاب الله أتم حفظ القرآن في السادسة من عمره"، تبدلت الابتسامة قهقهة داخلية، تربيتة على الكتف ،ثناء والكثير من الدعاءات ،قد كانت دائماً تلك روايته المفضلة ،شهادة نجاحه في مهمته الأبوية، يجلس الأب وبجانبه أمين مقوساً على أريكة في ردهة المنزل ،كنغمة شاذة عزفت خطأ،صامتاً يخفض الطرف كما تنص آداب مجالس العائلة ،يستمع لوالده وعمه يتجاذبان أطراف الحديث ،العم عائد من الخليج محمل بالكثير من الحكايا والدنانير، وهي فرصة سانحة لوالده بأن يلقي بشباكه في جحره عله يصطاد شيئاً، كانت تلك الحقيقة المختبئة خلف حفاوة اللقاءات السنوية،المعاهدة الضمنية بأن يمنح طرف الحب ويدفع الآخر الثمن، وعلى نحو غريب كان الجميع يلتزم بذلك على أكمل وجه، ينادي الأب على الابنة الكبرى فتهرول مسرعة "وهذه علا ،البكرية،طبيبة العائلة،منذ يومين تخطت عامها الجامعي الأول بتقدير جيد" تعلو الثناءات وتلحق بالتبريكات،ترتبك الفتاة ،تستقبل التهاني على مضض،عيناها متجهتان صوب باب غرفتها النصف مفتوح،هناك بداخل أحد الكتب ورقة مطوية بها دائرتين حمراء، ارتعبت حين سألها والدها ذلك اليوم عن النتيجة فهزت رأسها بأن جيد، ففهم خطأ أنه تقدير جيد، تراقص قلبه فرحاً وانطلق يعلن الخبر عبر جميع وسائل الأنباء،"لا فرار إذاً، لا مشكلة إنها محض كذبة بيضاء لن تضر أحداً" في قرارتها تعلم أن خيوط الكذب واهية، في أشد الكوابيس ظلمة ،الشباك تنقطع وتسقط في الهاوية،أو أنها تضيق عليها فتختنق وتستيقظ مذعورة، تماما كما أيقظها من أفكارها لكزة من والدها مفادها أن تنطلق لمساعدة والدتها في تحضير مائدة الطعام.

على الغداء مالذ وطاب، فواجب الضيف إكرامه ، ماذا إن كان عزيزاً ، واليوم لقاء بعد غياب طويل،يلقي الأب معلقات تمجيد لطعام الست كريمة،رفيقة الدرب، هكذا كان يسميها نكات ،لمزات،ضحكات، هذا هو الباشمهندس ،اعتاد أن يكون صوته أعلى ما في المكان،أعلى من أنفاس الحضور بل وأفكارهم، يتندر فيصير الضحك لزاما على الجميع ،كان يؤدي دوره كرب للأسرة بإتقان، وأحياناً يظن أنه إلهها، إن قال كن فيكون، يأمر هذا وينهى ذاك، ستدرسين الطب يا علا ،وأمين خليفتي في الهندسة، توقف عن صحبة فلان إنه لا يشابهنا،هات هاتفك لإجراء التفتيش الأسبوعي، تمرين كاراتيه؟ أجننت؟ تريد أن ترمي بنقودنا أرضاً،وهكذا يرسم صراطا مستقيما لكلٍ ومن يحيد عنه يهوي في جهنم ، والآن في هذه اللحظة يومض خاطر في ذهنه، العائلة مجتمعة، والمائدة شهية، والدفئ-الواهم- يعانق المكان، الوقت مثالي لتخليده، وثيقة جديدة سيضمها لشهادات نجاحاته الأبوية، إذاً فلتلتقط الصورة يا أمين، يتخذ كل مكانه وتصوب الأنظار للعدسة، يقترب الوالد من زوجته، يداه تعانق كتفيها، ترتبك قليلا، مرت أربعة أشهر منذ أن وطئت هذه اليد جسدها ،تواري ارتباكها بابتسامة عريضة ينجح الجميع في رسمها بإتقان على وجوههم، وهناك لحظة التقاط الصورة ،أطبق الصمت على المكان إلا من أزيز خافت، لم يكن من التلفاز ولا التكييف ولا صوت الوالد العالق في الهواء، كان قادما من الجدران،فئران المجاري؟ ربما، أو ربما كانت أنين الخرسانة المتآكلة.


  • 2

   نشر في 01 يونيو 2022 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا