بين أَسِرّة الطوارئ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين أَسِرّة الطوارئ

كيف تتغير حياة أسرة كاملة بلحظة.

  نشر في 16 ماي 2022  وآخر تعديل بتاريخ 17 ماي 2022 .

لطالما اعتاد فريق الأطباء بقسم طوارئ الأطفال في إحدى المستشفيات النائية ذات الإمكانيات المتواضعة، على كم كبير من الحالات الخطرة التي تصلهم طوال أوقات دوامهم المضنية الطويلة. إلا أن إحدى ساعات عملهم في آخر "وردية" حملت كمّا كبيرا من المضاعفات الطبية والأحداث المتعاكسة ما أجج مشاعرهم الإنسانية المكبوتة التي اعتادت على رؤية المآسي الطبية.

١-

دُفع باب غرفة الطوارئ بقوة.. ظهرت مجموعة من النسوة يركضن و بين أيديهن طفل صغير يتراوح عمره بين العامين والثلاثة، عَلت أصواتهن بالهلع والنداء "فيصل، فيصل، ابقَ معي يا بني لا تغمض عينيك"، قفز الأطباء الخمسة من مقاعدهم، وما إن اقتربوا من الصغير حتى رفعوا أنظارهم إلى بعض وكأنهم يتساءلون بلغة الأعين.. "هل حقا ما نشتم رائحته حقيقي!؟"

سألوا من معه بسرعة وارتباك:

- ما الذي حدث له !؟

- لقد تناول نصف زجاجة من سائل قاتل الحشرات لا نعرف نوعه أو اسمه لكنه يشبه الـ "البف باف".

عمّت الصدمة على الأطباء لثوانٍ في غرفة الطوارئ. بدأ الطبيب الأخصائي المشرف بتقسيم الأدوار على الباقين.

"أنت، اذهب ونادِ الاستشاري.. أنت، اتصل بمدير قسم الأطفال.. أنت، حاول أن تبحث عن اسم لمضاد كيميائي للمادة التي تناولها الطفل". ثم أمسك سماعته الطبية وأخذ يجول بها أنحاء جسد الطفل الذي يبدو أنه بالكاد يستطيع أن يتنفس. استدار على زملائه وقال لهم بلغة لم يفهمها أهل الطفل .. "حالته صعبة جدا، يبدو أن السائل قد ملأ رئتيه وجهازه التنفسي بالكامل وحتى معدته".

توّصل الفريق بعد بحث سريع وتواصل مع استشاري أطفال بأن المادة السميّة التي استهلكها الصغير لا يوجد لها -على حد علمهم - مضاد كيميائي يوقف فعالية السم، وحتى إن وجد، فلن يكون متوفرا في هذه البقعة الجغرافية.

وضعوا له المغذي الوريدي والأكسجين، ثم تذكر أحدهم وجود جهاز مرمي في أحد العنابر، كان يستخدم لسحب السوائل العالقة في أنابيب أجهزة مختبرات المستشفى. أتوا به وعقّموه بما لديهم من مواد تعقيم شخصية كانوا يحملونها معهم، ووصلوه بأنبوب قسطرة معوية وبدأوا بسحب ما يستطيعون من ذلك السم الذي ملأ فم الطفل وحنجرته وكل جوفه.

٢-

بينما كان الفريق الطبي بأكمله يغلي حول الطفل المتسمم، سُمِع صراخ من الخارج، وأصوات خطوات كثيرة تقترب أكثر فأكثر. يُفتح باب غرفة الطوارئ مرة أخرى بقوة. أبٌ وأمٌ وخلفهم حشد كبير .. تحمل الأم طفلا بنفس عمر المريض الذي سبقه، وأهله يصيحون "كهربااا كهرباااا"، لم يفهم الأطباء لأول ثانية ما قصدهم، ثم أسهب الأب بأن الصغير "محمود" قد أمسك بسلكٍ كهربائيٍ معرًى في ساحة البيت.

قفز الطبيب المسؤول من فوق مريضه المتسمم بعد أن استلم غيره مكانه. أشار بيده للأهل أن يضعوا ابنهم على سرير الفحص فورا. بدأ بسماع و عدّ دقات قلبه: "واحد، اثنان، ثلاثة…". ثم نادى بهدوء باللغة الانجليزية حتى لا يفزع الأهل: "دكتور أحمد دكتورة سارة، تعالوا ساعدوني لقد توقف قلبه"، بدأ الثلاثة بتطبيق حركات "الإنعاش القلبي الرئوي". فهم الأهل ما الذي حدث وبدأت الأم بالبكاء بصوت عال، ثم توالت أصوات البكاء لتشمل بقية أهل الطفل.

٣-

في هذه الأثناء، بدأت علامات الطفل الأول "فيصل" الحيوية بالاستقرار. ضعيفة، لكن هبوطها المتواصل الذي استمر لأكثر من ساعة ونصف توقفت عن النزول. استمر الطبيبان بمحاولة سحب أكبر قدر ممكن من ذاك السم من بطنه، لكنه لا يزال يملأ رئتيه، وصوت غرغرة تنفسه وطقطقة حركة صدره واضحة من بعيد. اقتربت أم فيصل من أم الطفل الثاني "محمود"، وبدأت تهدئ من روعها، وتذكرها أن ابنها سيكون طيرا من طيور الجنة وبأننا كلنا مؤمنون بأقدار الله وحكمته.

٤-

خمس دقائق.. مرت على الجميع ممتلئة بهيبة الموت من طرف، وبأصوات و حركات الأطباء التي لم تهدأ محاولة إنعاش محمود.

صرخ أحد الأطباء.. "القلب رجع يا جماعة القلب رجع يدق"، انهالت الدموع أكثر من حوله ممزوجة بأزاهيج و"زلاغيط" ملأت المستشفى. تأكد الأخصائي من حالة محمود وعودة تنفسه بشكل بطيء لكن مبشّر.

ثلاثة أطباء فوق رأس محمود يتابعون حركاته وأنفاسه ويعيدون تقييمها كل خمس دقائق، كانت علاماته الحيوية تتحسن شيئا فشيئا. بدأ يبكي كأي طفل طبيعي بعد نصف ساعة، حيث استفاق وملأ الغرفة ببكائه الذي يعد علامة طبية رائعة، ضمته أمه بشدة وأصبحت تبكي أكثر منه.

٥-

فيصل على الطرف الآخر من الغرفة، استمر طبيباه بمتابعة حالته التي تحسنت بشكل طفيف خلال الساعتين الماضيات، لكنها لا تزال مقلقة.. محاولات سحب أكبر قدر من السائل السام لم تتوقف طيلة تلك المدة. خمس دقائق تفصل بين كل تقييم طبي وآخر…

آخر محاولة لحساب عدد مرات تنفسه باءت بالفشل! يبحث الطبيب عن نبضات قلبه، لا يوجد شيء! يحاول سماع أي صوت كان من صدره، لكن دون فائدة.. يلفت نظر الأخصائي بصوت هادئ، فهم عليه من نظرة عينه، قفز يحاول هو الآخر إيجاد أي شيء يربط فيصل بالحياة، لكن لم يستطع.. تبدأ مباشرة حركات الأطباء لتطبيق خطوات الإنعاش القلبي الرئوي، لكن هذه المرة على فيصل… كانت أبطأ عشرين دقيقة تمر على كل من بغرفة الطوارئ.. كانت فيها أم فيصل تُسَبِّحُ تارة وتأكل أصابعها تارة أخرى.. ثم أعلن الأطباء عن وقت الوفاة رسميا. لتقف المستشفى بأكملها عند تلك اللحظة التي ملأت الدنيا بصمت مفجع، تبعه نواح وبكاء عمّ العنابر والممرات.


  • 2

   نشر في 16 ماي 2022  وآخر تعديل بتاريخ 17 ماي 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا