فلمــا انطفــئ .. أنــار عتمتــي ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فلمــا انطفــئ .. أنــار عتمتــي !

  نشر في 19 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 21 شتنبر 2019 .

ويحدث أن يمتلئ قلبك بأحدهم , ولكنه ليس بمجرد كائناً يسير بأقدام بشرية وحسب , لقد إنطفئ بالكامل ! , وما يمنحه بعض الضياء هو أنه يسكن نبضك , يحتمي به من العراء , يستتر خلف ضلوعك من عتمة ليله الأبدية , هو على يقين أن شمس نهاره لن تشرق يوماً لكنه لم يجد سواك ليتنسم منه بعضاً من نسمات الحياة ..

هو المنطفئ حقاً ولكن حالك معه هو الأمر الكفيل بإنطفائك أنت ! , هذا ما يتبادر لأذهان كل من يراكما معاً , يُخيل للبشرية بأكملها أنه هو المصدر الأول والأخير لتبدد راحتك وسحق سعادتك , حتى تقف أمام حُسبانهم هذا وقد وصلت الحيرة فيك لأقصاها ! , فلا تدري .. هل وجوده بداخلك وإحتماءه بك هو ما يمنحك الأمان قبل أن يمنحه هو الأمان والسكينة ؟ , أم أن إلتحامك بروحه يُفقدك بريق الحياة فيك ؟! , لا تدري هل أصابوا في حُسبانهم للمرة الأولى في تاريخهم أم أنهم أخطأوا في التقدير هذه المرة أيضاً ؟! ..

ليس بغريب أن تعشق قلباً سلبت منه الحياة إتزان نبضه , بل دمرت فيه البهجة والنشوة باللحظة , فأما الغريب حقاً هو ألا تتفهم كيف تصل معه في كل لحظة إنطفاء إلى معاني أخرى في العشق ! , وكأنها معاني وليدة اللحظة بينكما , خٌلقت لأجلكما , وفي كل لحظة تجده يذبل ويتساقط ولا يقوى حتى على حمل أنفاسه بجوفه .. تجد قلبك تلقائياً يُضاعف هيامه به , وكأنه لم يذق طعماً للحب لغيره , وكأنه لن تدب به الحياة إن تلاشى من الوجود , وأما عنه , فتجد أن مجرد إنبساط جفونه عن بعضها البعض يُشكل ثقلاً قاسياً يُدمر ما تبقى من ثباته , ويا لها من مهمة شاقة ! , فهي تؤدي للرؤية , وما أبغض الرؤية على روحه , ظل هارباً من واقعه منذ أن فطره الخالق , فكيف له أن يعود له بإرادته ؟! , ولكنه وبعد كل ما مر به من ألم وتشتت وهلاك , يظل صاحب البصمة الأولى والأخيرة على باب مدينة روحك , تلك المدينة المُشيدة بإحكام , يستحيل أن تُفتح أقفالها إلا أمام من حمل مفاتيحها , وهو وحده الحامل لهم ..

مضطرب , هائج , سعادته تكمن في جنون منطقه , تجده أتعس البشر بما يحمله في عقله من فلسفة قاضية على سلامته , حر , ولكن حريته من نوع خاص , حريته تتضح في عزلته عن خلق الله , لم يجد فيهم من يتقاسم معه خبز فكره , بل وجدهم وحوش تتصارع على نهش بقايا إتزانه , إتزانه الذي لم ينعم به لحظة , فهو منذ أن خُلق وهو يتسائل ويتسائل , عن معناه , وعن جدوى تلك المتاهة التي نحياها ولا ندري كيف النجاة منها , وهل من منتهى لها أم أننا نُضيع أعمارنا في العدم ؟! , تتهافت على عقله التساؤلات وكأنها فيضان , فيضان إنقطع لدهور وعندما سال فاعلم أنه لن يسيل بهدوء , بل يجرف البشرية برمتها دون أن يشعر ببعض الشفقة تجاهها ! , جرفت الأفكار سلامة عقله , فـ شاخت روحه , ومع إشتداد العاصفة تبدل , أصبح قابضاً على مبدأه وكأنه يسير بدرب لا يخلو منه " قُطاع الطرق " , الكل يتسارع على سرقته , وهم في ذلك قناصون محترفون للغاية , فلا أثمن من مبدأه يمكن أن يجدوه حتى يصبحوا أثرياء المجرة , وهو بما يحمله مسكين ! , وحيد , يتطلع نحو الأفق آملاً أن يجد من يحمي ظهره فقط أثناء سيره بدروبه الموحشة , لم يطمع في كنوز الياقوت والمرجان , كانت أحلامه أبسط من أن تُذكر حتى ! .. فقط أن يحيا بسلام , يحيا بسلام دون الفتك به والسبب هو إختلافه , فقط ! , يحيا بسلام دون أن تتشاجر أيادي القسوة عليه و أياً منها يبدأ بإفتراسه أولاً , تحطمت آماله أمام ما يجده من البشرية حوله , وأصبحت الوحدة ملجأه الوحيد , الأمن , الساكن , الراقي , ولكن .. ثمة قلب إنتفض من أجله , من أجل ذلك المنطفئ الوحيد , الذي وجد في ما انطفئ فيه شعلة حيويته , ووجد في وحدته أنيس حياته وما بعد مماته ..

عجيب أن تعشق هذا البشري المختلف , عجيب أن تجد راحتك تتلخص بقربه وحده دون غيره , عجيب أن تُلحم مصيرك بمصيره وكأنه البوصلة لك وأنت الضائع الباحث عن سبيلك الصحيح , والحق أنه هو الغارق بضياعه ولكنك تراه الناجي الوحيد وبه تكتمل نجاتك , تتسائل أنت الأخر , كيف له أن يسكن روحك إلى هذا الحد ؟ , إلى الحد الذي تجد أن حتى لحزنه طعماً مختلفاً يجعلك تتذوق به الحياة , طعماً لم تتذوقه من قبل , كقدر إختلافه ! , كيف تجد في لحظات صمته حديثاً لروحك ؟! , كيف تجد لذة لطالما إفتقدتها؟! , تجدها فقط عند رؤيته , وإن كنت تراه يبكي من فرط ألمه , فـ مع كل قطرة يذرفها تتشكل مشاعر أخرى بقلبك تُزيد من عقد حبال عشقك , أصبحت الهائم بخطواته ولا تجد في ذلك عيباً لتُعلنه أمام الكون , أمام البشر الذين أفقدوه قدرته على الحديث , أفقدوه قدرته على التماسك , أفقدوه قدرته على العيش بسلام , أي أنهم أفقدوه حقه البسيط الذي لم يُطالب الحياة سواه ! ..

فتُعلنها بمنتهى الصرامة والجدية والصدق .. نعم أحبه .. وما لي خياراً أخر , ولا أدري لمَ هو بالتحديد , ولا أود أن أدري من الأساس ! , لقد قُذف حبه بين ثنايا نبضي وإنتهى الأمر , أصبحت ملجأه , وأصبح أماني وإن كان يفتقد للأمان .. أصبحت سكينته , وأصبح موطني وإن كان عابراً بين دروب الحياة ولا مُستقراً له .. أصبحت سلامه , وأصبح إنتصاري وإن كان خاسراً لمعركته أمام البشرية .. صمته يُفجر أحاديث بين أرواحنا , وثرثرته تُسعد قلب لطالما أدمن نبرته , وإن تباعدت المسافات بين قلبينا تظل أرواحنا متشابكة عالقة ببعضها تأبى الإنفصال , وكأن مولدها ونهايتها سُجلت بموعد واحد ..

نعم لن يمل القلب من حزنه النبيل , من ملامحه المتعرجة التي تحمل في طياتها ملامح أخرى لن يراها سوى قلباً أحبه بصدق , ملامح فارس مغوار ظل يحارب حتى النهاية , لن يتخلل الضيق صدراً حمل تفاصيله بين ضلوعه وأخفاها عن الوجود , الحق أن الوجود لم يره بحقيقته كما رأته عيون رفيقه , رفيقه الروحي , لم تره الحياة إلا كما أرادت أن تراه , مُزيف , على غير أصله , يتلون بألوانها هي وأما عنه فغير مسموح له أن يود أن يكون من الأساس ! , وبرغم الصمت السائد بين الكلمات , التي لم تصمد طويلاً أمام ألمه الشاق , والحروف المُقيدة على أعتاب الشفاة , وبرغم النظرات المتجمدة الباغضة تفحص الواقع حوله , ذلك الواقع الذي إنغمس فيه بكل كيانه ولم يجد مفراً منه بعد , وبرغم اللحظة باهتة المعنى , التي تتطابق مع لحظات الأمس والغد , والإنتظار القاتل , برغم كل الصراعات والتقلبات , برغم مرارة التحرر من كل قيد فرضه المنطق عليه , وبرغم إرتعاشة روحه .. لن يسكت اللسان عن السؤال .. ما بك ؟ .. وإن لم يجد إجابة ووجد لسانه قد شُلت حركته بفعل قسوة الحياة عليه , فلن يمل من محو ألمه ببعض الكلمات البسيطة .. لا تخف , لن أتركك .. لن تهدأ الروح عن شدو ألحان حنينها له , لن تنفر النظرات عنه , بل تزداد بريقاً ولمعة حينما تراه وفقط , وكأنها اختزلت البشر فيه وحده , ودونه هم أمواتاً لا جدوى منهم , لن تشعر اليد بقيمتها إلا حينما تمسح على نبض مالكها فتجده يستقر به , ساكناً فيه يأبى الرحيل ..

أحببته ولن أتهرب من مواجهة الكون معه , بكل بشاعته , بكل هذيانه , بكل شحوبه , فما من مهرب عنه , وما من حبيب بعده ..

ولتكونوا لأحبتكم نوراً , ضياءاً يشتعل فيُشعل فيهم الحياة من جديد , فلن يصل الحب لمعناه الحقيقي إلا بقلب أقسم على أن يكون العون والسند لرفيقه , وقلب وجد ملجأه الوحيد بين نبضه , بهما تكتمل معادلة الحب , وبهما يدوم لما بعد الأبد ..


  • 4

   نشر في 19 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 21 شتنبر 2019 .

التعليقات

my gam tarek منذ 4 أسبوع
نعم كلماتك لها الصدى الاكبر من بعض الحكاية المريرة ولكن لابد ان نعيشها
احسنتى وابدعتى د / نورا
2
نورا محمد
صدقت .. هي الحياة وما لنا سوى أن نسير بدربها ولكن إن وجدت رفيقاً يُضئ لك دربك فهنيئاً لك .. أشكرك لكلماتك الجميلة ولذوقك العالي .. كل الشكر لك :)
my gam tarek
بل لك الجمال بما فيه من معانى على حروفك
BAKEER منذ 4 أسبوع
للأمانة أعدت قراءة مقالك ..فعلا مبهر اختي نورا حفظك الله
2
نورا محمد
هذا يُسعدني كثيراً أستاذي .. كم أسعدتني , ويكفيني فخراً أن تقرأ كلماتي مرة فماذا إن أعدت قرائتها ؟ , أي شرفاً هذا ؟ .. كل الشكر لك وكل التقدير لشخصك الراقي وذوقك العالي ..
BAKEER
اتشرف برؤية بصمتك على ما اكتب اختي
.بصمتك غائبة عن مقالاتي
نورا محمد
ولي الشرف بقراءة حروفك الراقية أستاذي المبدع .. وأعتذر إن كان تفاعلي قليل , دمت صاحب فكر مختلف وقلم نابض بكل إبداع :)
BAKEER منذ 1 شهر
روووووووووووووووووووووووعة...ابدعت بحق اختي
2
نورا محمد
شرف كبير لي كلماتك الجميلة .. أسعدتني جداً أستاذي صاحب الفكر المختلف الراقي .. منكم نتعلم كل رقي وإبداع .. كل الشكر لك :)
BAKEER
ومنكم ايضا اختي ..انت صاحبة حرف لامع دام نبض قلمك ودام بوحك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا