وابتدا المشوار.... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وابتدا المشوار....

(أوراق من دفتر يوميات معاق)

  نشر في 20 ديسمبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 20 ديسمبر 2017 .

أذكر هذا اليوم جيدا رغم مرور عشرات السنين عليه، إنه أول يوم لي في المدرسة الابتدائية، كان صباح السبت، وقد صحوت مبكرا، الحقيقة أني لم أنم ليلتها أصلا، هذه عادتي التي ظلت تلازمني طوال حياتي عندما أكون في انتظار يوم مهم .. عيد/ رحلة/ سفر/ مناسبة سعيدة/ زيارة... والعجيب أني في حالة المناسبات أو الأحداث السيئة أنام مبكرًا ملء جفوني وكأن الأمر لا يعنيني! لاحظت هذا في مواقف كثيرة صعبة مرت بي!!

المهم، تظاهرت بأني أستيقظ من النوم عندما سمعتُ صوتها الحنون يناديني ويدها الناعمة تداعب شعري، وهي تقول: (اصحي يا حبيبتي، أنت النهاردة عروستنا!) إنها أمي بطلة قصة حياتي الحقيقية!

نزلتُ من سريري، وصوت الشيخ رفعت- رحمه الله- يصدح من الراديو بقرآن الساعة السادسة صباحا، خرجتُ من حجرتي لأغسل وجهي وأسناني وأتوضأ.

في طريق عودتي رأيت وجهه، أطيب وأعظم وجه إنسان رأيته في حياتي، والأكثر وسامة أيضًا، ابتسم لي وقبلني قائلا: (يالله يا حبيبتي اعملي لك هِمّة!) إنه أبي,,, سأحكي لكم عنه كثيرا في اليوميات القادمة إن شاء الله!

بخطوات مرحة خطوت خارج غرفتي بعد أن صليت الصبح، وهاأنذا أجلس مع والديّ وأختيّ على مائدة الفطور، ورغم أنهما أصغر مني وليس هناك ما يدعو إلى استيقاظهما مبكرا؛ لأن موعد (الكُتّاب) الذي تحفظان فيه القرآن في التاسعة، إلا أنهما أصرتا على مشاركتي هذا الحدث الجلل الذي يحدث في أسرتنا الجميلة للمرة الأولى، (اليوم الأول، في العام الدراسي الأول، للأخت الكبرى التي هي أنا)!

ذهبت إلى المدرسة بعد أن تأنقتُ في مريلة من قماش (تيل نادية) بتفصيل رقيق وكَسَرات حرصت أمي على كيِّها بدقة حتى صارت كل كسرة كحد السيف، وحزام عريض على الوسط يُربط من الخلف في فيونكة جميلة، وبنطال يشبه المريلة لونا وأناقة، ومشطت لي أمي شعري في ضفيرتين طويلتين على جانبي الوجه تتدلى من كل ضفيرة فيونكة حمراء من شريط الساتان المكوي أيضًا، وطبعا لم يكن مسموحا بنزول أي شعرات على الجبهة (قُصّة) سواء عمدا أو سهوا!

كانت مدرستي على بُعد خطوات من البيت، منظمة، نظيفة، دخلنا من بوابتها الحديدية الواسعة وسط حشود الآباء والأمهات والتلاميذ الجدد والقدامى، وأنا أمسك جيدا بيد أبي وبيد أمي، ليس خوفا من المدرسة ووحدتي فيها بعيدا عنهما، بل إجلالا لهذا المكان... (إلى الآن أشعر بالرهبة نفسها عندما أدخل أي مدرسة أو مكان علم!)

وقفنا في طوابير منتظمة في انتظار مناداة قوائم الفصول، وكأن على رؤوسنا الطير، وأمامنا يقف في وقار وهدوء رجال ونساء يرتدي كل منهم (بالطو) من اللون الأزرق الفاتح،

ومرت لحظات حتى سمعت اسمي في مكبر الصوت، وسمعت معه دقات قلبي تتقافز وتتشاجر، وانطلقت بي أمي إلى حيث فصلي الذي أشاروا إليه، وعندما هممت بدخول الفصل طلبت مني (أبلة سعدية) التي عرفت اسمها فيما بعد، أن أنتظر ولا أجلس على أي مقعد!! ترى، ما السبب؟

إن هذه السيدة التي أعتبرها مثلا أعلى لكل من يعمل بالتدريس، لما رأت أني (معاقة) ولاحظت ما بدا على وجهي من رهبة ووحشة، سألتني: أين تسكنين؟ فأجابت أمي عني، فسألتْ الأبلة التلاميذ: من منكم يسكن في شارع كذا؟ فأجابت إحدى التلميذات -وكانت تجلس في آخر الفصل- على استحياء: (أنا يا أبلة)،

فدعتها إلى أول مقعد في الفصل وأجلستني بجوارها، وقالت لنا: (أنتم من دلوقتي إخوات تيجوا سوا وتروحوا سوا)، وقد كان ما أمرت به، وظللنا رفيقتين على مدى سنوات الدراسة الابتدائية والإعدادية، وتفرقنا على أبواب المرحلة الثانوية، إلا أن الصلة بين الأسرتين لاتزال قائمة حتى الآن رغم زواج صديقتي (عفاف) في محافظة المنيا منذ سنوات.


  • 3

   نشر في 20 ديسمبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 20 ديسمبر 2017 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا