الحب والصدفة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحب والصدفة

  نشر في 14 مارس 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 يونيو 2020 .

صدفةً، دون سابق ميعاد، على غفلةٍ منهُ وهو يمشي رفقة صديقين له داخل فضاء الكلية، وأجمل ما في الصدفة أنها خاليةٌ من كل ترقب أو انتظار، وإن كانت "الصدفة لعنة تصيب الإنسان بعد افتراقه عمن يحب، فتتعمد لقاءه حيث لا يستطيع أحدهما إخفاء ملامح انهزامه" وتقودنا إلى عالم لم نكن لنفكر فيه. كانت في عجلة من أمرها وهو في صحبة ثلة اجتمع بهم بعد طول فراق. دُهش حين بَصرَها عن قربٍ منه، أهي هي، أم غيرها، أو شبيهة لها، حتى صورتها خِلتَ أنك لم تعد تذكرها، ولكن وعيك الشقي يستشعرها ويتحسس وجودها، فيقول لك إنها هي، نعم إنها هي، ومن غيرها، فإن خدعتك حواسك فحدس الشعور لايخدع أبداً، وإن كنت تتهرب من ذكرها، وتتمنى نسيانها، هاهو القدر نفسه يأبى ذلك ويجمعك بها من جديد، وحتى الصدُفة عملت عملها، فألقتك بين يديها وأنت مشدوهٌ لطول غيابها عنك، فحواسك لم تتعرف عليها إلا بعد تحقق وتدقيق. حين عرفها لم يعرف ما العمل أيستأذن منهم ليسأل عن حالها ويزيد في مدة الكلام معها، نظرا لطول افتراقها وانعدام التواصل بينهما، لكنها مستعجلة! أم يستأذن منها ليخلو بأصحابه الذين التقاهم تواً.. يا لها من لُقيا تجعلك في حيرة من أمرك وتضطرك لحرج الاختيار. ولكن الحرج رُفع لمّا ولّت لحاجتها واستأذنت للانصراف.

يقول صاحبنا: وَدِدت لو أني ما التقيتها على هاته الحال، بل تمنيت أن لا ألتقيها على أية حال، ليس لأني غير مشتاق لها، أو أني أكرهها، لا هذا ولا ذاك، ولكن حتى لا تهيج نفسي بما تحمل من ذكريات. يقول: وحتى لا يهيج الشوق بي نحو سنوات مضت ومضى معها حُلماً كان يراودنا وكُنّا نراوده، فزال الحلم وظلت ذكرياته عالقة بأذهاننا لا تغيب..

أيقن حينها أن الأسى والألم لايتبدد وإنما يُجدد أشكاله وطرقه، وتتجدد معهما صوره وحالاته...

يقول: التقيت بمن تمنيت يوماً أن تكون زوجةً لي، ومَنّيت النفس بذلك وكذلك فعلت هي، وانفطر الفؤاد لفراقها -مُضطرا لا مختارا- فكيف بي أن لا أود لقاءها إلا لذات السبب. التقيا في جنبات الكلية، هي مستعجلة لامتحاناتها وهو في حرج من أمره، لا يستطيع إبداء أي اهتمام نحوها، يفضحه أما صحابته. لأن صاحبنا ككل عزيز نفس عاليها، لايبوح لأحد ولا يشهر من أمره شيئاً، ومع ذلك فهو ليس حجرا ليكبح عاطفته، فالهوى يحني كل رأس ويذل كل نفس.. ثم إن صاحبنا من الطراز القديم، يؤمن بأن حياة الناس الخاصة يجب أن تظل خاصة، وأن لا تنشر للجميع بدافع العصرنة أو التفتح.. وأن مثل هاته التجارب مما يعاش ولا يُروى.

ذهبت لحال سبيلها، وظل هو شاخصاً بين صاحبيه يتأملها، ليس تأملا في مشيتها بل مسترجعاً ذكرياته الجميلة وغير الجميلة معها.

ثم افترق وصديقيه ليلتقي صديقين له كان قد واعدهما بالكلية، وقُبيل جلوسه معهما وبعد مدة من افتراقه مع صديقيه الأولين، اتصل به أحدهما ممن لمحه تكلم معها يخبره بأن تلك الفتاة التي تبادل وإياها شيئاً من الكلام، قد أغمي عليها وحُملت على عَجَلٍ نحو المستشفى..

أيها الناس أسألكم، أليس هذا غريبًا ومفاجئًا للغاية؟ فالجميع ودون استثناء يواجه صدفا مماثلة وبدرجات مختلفة، ولكن هاته الصدف من نوع آخر، يا لها من صدفة! ما أتعسها حينما تجمعك بأشخاص كنا نتخيل بأن حيواتنا لا تخلو منهم، وأنها لا تساوي شيئاً دونهم! وأنه لا يمكننا العيش بدونهم! بوصفنا مسلمين فلا صُدف، فكل شيء بقدر وبتقدير من الله عز وجل. فكما الفراق كان قدر فكذلك اللقيا كانت قدر، فليس عبثًا وإنما هي رسالة تُنبئك عن حال ذاك الشخص.

دون أن يفكر صاحبنا وجد نفسه مُندفعا نحو الباب مُهرولا، ودون استشارة لأصحابه، الذين كانوا يشاركونه تلك الجلسة التي ورد عليه فيها هذا الخبر المشؤوم، الذي قَدَّ مضجعه وتحركت لَهُ أحاسيسه ورجَّت كيانه، دون أن يخبرهم بوجهته، ترك حاجياته وكتبه فوق مقعده الذي كان جالساً عليه وخرج مسرعاً. نعم لم يستأذن منهم، نهض إلى حال سبيله، وهم لا يدرون إلى أي طريق يسير ولا هو يعرف إلى أين ينتهي به المسير. خرج يمشي الهرولة، سأل أحدهم عن وجهة حافلة الوقاية المدنية التي خرجت آنفاً، فَدلَّه على وجهتها. استقل سيارة الأجرة، وبعد حوارات بينه وبين السائق انتبه الأخير لحال صديقنا

فاستفسره عن سبب شداهته، أجابه أن أحد أفراد عائلته حُمل نحو المستشفى وهو يلحق به، و لم يعرف حالته الصحية بعد لكي يطمئن باله وتَحسُن حاله ويزول ما به من هَمّ وغمّ. فدعا السائق بالشفاء وأمَّن هو من بعد دعائه. وصلوا للمستشفى ومن كثرة ذهوله انفجر من الباب مسرعا دون تأديت السائق مُستحقه المالي، فناداه فرجع إليه معتذرا يبرر موقفه هذا، فهدأ السائق من روعه وقال له لاعليك عرفت أن بالك مشغول وأن عقلك غير حاضر "الله يجيب الشيفا" أمَّن صاحبنا وقَفَل مسرعا نحو باب مستعجلات المستشفى. دخل الباب لمح رجال الوقاية غير بعيد عنه، سألهم عن الشخص الذي أقلوه، أرشدوه حيث يرقد، وأنه يقبع خلف ذلك الباب فوق السرير المحادي للجليس الأول، دخل حيث وجهه رجال الوقاية يُفتش عن تلك الفتاة فإذا به يجدها غير هي، وأن صديقه الذي هاتفه وأخبره بذلك الخبر قد تشابهت عليه الصور، نظراً لكونهما بعد الثياب يشتركان في كثير من الأشياء: الطول، اللون، أظن حتى الوزن.. وكلتاهما مسدلتان شعرهما مما يجعل رائيهما معاً لا يفرق بينهما إلا بعد طول ملاحظة. كم فرح صاحبنا وسُري عليه حين وجدها غير هي، كم كانت سعادته بادية للعيان ولا يستطيع إخفاءها، حمد الله وشكره. كان سعيداً لمّا وجدها غير هي، وليست من ألمّ بها ذلك الخطب. في هاته اللحظة كان أنانيا، الأنانية نعم نحزن لمرض أحبابنا ونهتم ونغتم لأن أحداً أخبرنا بذلك ثم نفرح ويُسرى علينا لكون المريض ليس ذاك الشخص الذي نعرف، هل ثمة أنانية أقبح من هاته، أليس علينا مُساعدة كل أحد كيفما كان، إن كان في استطاعتنا ذلك، سأل نفسه هل كان بمقدوره أن يستقل سيارة الأجرة ويترك أصدقاءه، إن علم مسبقاً أنه لا يعرفها. نعم اهتزت نفسه لهذا الحوار القصير، الحوار الذي دار بين نفسه و نفسه. ولكي يتبرأ من فعله هذا وينجو من تأنيب الضمير سارع إلى الطبيب، فقدم له نفسه، فاستجاب له ونهض من مكتبه رغم شدة الزحام فوق رأسه وشَخَّص حالتها، ووصف له بعض الحقن، توجه نحو الممرضة التي لبّت طلبه دون تأجيل ولا تأخير رغم وجود أناس ينتظرون ورغم الازدحام الشديد، بعدها استعادت وعيها وخرجوا من المستشفى وهي أحسن حالا من تلك الحالة الصحية التي دخلته، وهو أهنأ بالا كيف دخله.

يا لها من صدفة، هكذا التقيا بعد فراق طويل، لقيها وما كان يريد لقاءها ولا كان يتعمَّدهُ. 


  • 2

  • هشام الشامي
    أُحب المعنى وأحتفل باللفظ، أعشق البساطة، وأبتغي الإبانة، أَميلُ إلى العُمق وأنفر من الغموض.
   نشر في 14 مارس 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 يونيو 2020 .

التعليقات

HAWRAA K.M منذ 21 ساعة
تعبيرك راقٍ جداً... ظننتك كتبت عن حب النبي (ص) لرؤيتي صورة مقالك، لكن رغم ذلك كتابة جميلة ومقال رائع شكراً لك
2
إيمان منذ 3 شهر

صدفة... عادة ما تكون الصدف جميلة.. لكن صدفتك هنا في رأيي حزينة ولم تنل منها سوى استعادة ذكريات جددت فيك الألم.... " لقاء الناس قدر ومغادرتهم قرار" هذا القول لك عندما كتبت أن فراقكم كنت مضطرا له..... راقني ما كتبت.... لا تحرمنا قلمك
5

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا