يدي تمسك بيدك... فماذا لو؟؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يدي تمسك بيدك... فماذا لو؟؟

هل أنا من أفلت يدك...أم أنك أنت من أفلت يدي؟

  نشر في 28 ماي 2020 .

قد لا أتخيل نفسي أنّني الآن جالس إلى حاسوبي و أنّني أكتبُ ما أكتبه الآن...

الحقيقة أنّني لم أتخيل أشياء كثيرة في حياتي لكنّها حصلت...

لم أتخيل مثلا و لم يتخيل أي من أقرب الناس إليّ أنّني سأكون يوما زوجا - كلّما تذكرت الأمر أضحك- ... على الأقل لم أتخيل أنني سأكون زوجا في بداية الثلاثين من عمري...

ثم لم يخطر ببالي يوما أنّني فوق هذا كله.... أكون أبا... نعم أنا أب... و لعلّكُم لا تفهمون تعجبي من ذاتي.... لكن للأمانة، كان أمرُ تكوين أسرة آخر اهتماماتي... فوجدتني بطريقة أو بأخرى ...أبا...

هل سبق أن أحسست أنك تقف في الجهة المقابلة لنفسك متعجبا من تصرفاتك؟؟ هذا بالضبط ما حدث معي و يحدث معي.

أذكر أنّ زوجتي خرجت ذلك المساء لقضاء بعض حاجاتها...فاضطررت للجلوس مع طفلتي "مها" لرعايتها حتى عودة أمّها... أنا الذّي لم أكن أراها إلا قليلا بسبب سفري الكثير من أجل العمل و أحيانا أحسُّ أنّ بيننا مساحة واسعة لا أستطيع تجاوزها... فبالرغم من أنها قد بلغت الخامسة من عُمرها إلاّ أنني كثيرا ما كنت أسأل نفسي.... هل يا ترى أنا الأب المناسب؟

كانت "مها" جالسة على الأرض تشاهد رسومها المتحركة... أما أنا فكنت على الأريكة أطالع باريدي الإلكتروني...فجأة وجدت نفسي مشدودا بالمشهد على التلفاز كما كانت "مها"....

صديق يمسك بيد صديقه محاولا إنقاذه من السقوط من أعلى الجبل على الجرف...و قد دار بينهما حديث هزّ أركاني -خصوصا لمصاحبته بموسيقى حزينة و قوية-

- أرجوك تماسك يا عامر... أستطيع أن أرفعك...

- أنا أحاول أن أتماسك.... لا تفلتني أرجوك يا صديقي وائل....

- لن أفلتك...وعدتك أن لا أتخلى عنك...

ثم بدأ وائل - الصديق الذي يحاول إنقاذ عامر- بالانجراف هو أيضا حتّى أصبح قريبا من السقوط و هو ممسك بشدة بيد صديقه عامر... فجأة ساد الصمت بينهما....- كما كان سائدا في غرفتنا - ابتسم عامر.... ثم انفلتت يده من يد صديقه الذي صرخ بشدة باسم صديقه "عااااااامر".... و الدموع تملأ عينيه... و أخذ يعيد لحظة انفلات يد صديقه منه... و يقول" هل أنا من أفلت يدك... أم أنت من أفلت يدي؟".......

كنت أراقب المشهد بانبهار... و تبادر إلى ذهني أن المشهد صعب على أطفال صغار... فهو مؤلم جدّا و حزين بشكل كبير.... نظرت إلى "مها"، و هنا كانت المفاجأة....

"مها" صامتة، متسمّرة تحبس أنفاسها... و فجأة نزلت دمعة من عينها...حاولتُ أن أكذّب نفسي... أتلك دمعة حقا؟؟؟ يا إلهي ما أنا بفاعل؟؟؟

نهضت و جلست بقربها...

- "مها" هل تبكين؟؟

أدارت رأسها بالنفي.... فأردت أن أتبين... فربما كنتُ مخطأ و هي لا تبكي و لم تفهم أصلا المشهد.

- لماذا يبكي البطل يا "مها"؟

قفزت من مكانها و ضمّتني بقوة.... و استرسلت في البكاء....

كانت تبكي كأنّها من فقد عزيزا...."مها".....كانت متلصقة بي كقط يخاف الانزلاق من ملابس سيده..

ضممتُها إلى صدري و أنا أمسحُ على رأسها...."

الغريب ذاك الشعور الذي انتابني من ضمّ صغيرتي... ضممتُها كأنني أخاف أن يؤذيها شيء ...كأنني أريد أن أدفئها من صدمة المشهد الذي ربما هز مشاعرها...

و بالرغم من أنني كنت أحسُّ بحاجتها لحُضني...إلاّ أنّني ربما كنت أنا المحتاج لحضنها... لكي توقض في داخلي إحساس الأب ....

"ما بك يا عزيزتي ...إنها قصة خيالية فقط"....

- لماذا لم يتشبت جيدا...؟؟؟كان يمكن أن ينقذه وائل... قالت بكلمات متقاطعة...

أجلستها أمامي... و أنا أمسح دموعها...و أفكر في جواب مقنع سريع

"أحيانا.... لا يمكننا التشبت ... أحيانا .... إنها الحياة......"

آآآآخ الكلمات تتبعثر في ذهني... المشهد أكبر من أن يستوعبه طفل في الخامسة من عمره... فما بالك بكلام فارغ كالّذي أنظمه الآن....

"على أية حال وائل و عامر فعلا ما بوسعهما لكن الحياة أحيانا تفرق بين الأصدقاء....

كانت تنظر إليّ.... ربما لم تستوعب.... ربما تنتظر شيئا آخر...

ثم حاولتُ الاستدراك كمن نزل عليه الوحي من السماء... و انا أبتسم...." لا تقلقي كثيرا.... ربما يظهر عامر مجددا... يمكن أن يكون قد سقط في نهر و سيعالجه أهل قرية ما..... و سيلتقيان من جديد....."

شيء ما حصل حينها.... كأنّ شعلة أوقدتُها بعيني الطفلة... و هي تفكر بالأمر... أعجبها ذلك... و بدأت تسألني في أي حلقة من حلقات المسلسل سيلتقيان... و أين سيعيش عامر.... كأنّي أنا من ألّف القصة....

انا آسف يا صغيرتي ...

فقد كذبت عليك ...أنا لا أعرف القصة أصلا... و على الأرجح أنه لن يعود ...لكن ... عقلك الصغير و البريئ لم يكن ليحتمل مرارة الفقد... لم يكن ليستوعب معنى الفقد... و لم يكن ممنعا من أجل مصارعة مجرد فكرة الفقد هذه.

لكن هل تعلمين؟؟؟....

أنا أيضا كنت مأخوذا بالمشهد... انا أيضا رأيت مشهد افتراق اليدين...

و تساءلت... من أفلت يد من؟

هل خاف وائل على نفسه من السقوط إن ظل ممسكا بيد صديقه فأفلتها مرغما؟؟

هل خاف عامر أن يسقط صديقه معه فكان من أفلت يد وائل؟

هل تشبثا ببعضهما البعض... لكن القدر قال كلمته؟

كل الحالات ممكنة في الحياة يا عزيزتي... و ستعلمين ذلك حينما تكبرين....

سنفقد في الطريق كثيرين تشبثنا بهم... و لن نعلم كيف افترقنا....

و قد نضطر لترك أعزّ الناس إلينا رغم حاجتهم إلينا و رغم حاجتنا إليهم، حتى ننجو بأنفسنا... فليس التّرك دائما معناه الخيانة...و إنما أحيانا نكون مضطرين كي لا نسقط و لا نُسقط الآخر معنا...

ستكبرين و ستفهمين قصدي... ربّما

ثم إن الكثيرين سيفلتون أيدينا و نحن بحاجة إليهم... هل نلومهم؟ لست أدرى...

الحياة يا عزيزتي تحتمل الكثير من الامكانيات التي تبدو متناقضة في نفس الوقت... و لكن....

ربما فقط أنا أهرطق و عقلي ذهب بي بعيدا و لم يكن المشهد يعني أي شيء من هذا أو ذاك...

و ها هي "مها" ترقص مع تتر نهاية مسلسلها ... و أنا غارق في فلسفتى الّتي ستفقدني يوما صوابي.....

فماذا لو.... أرقص أيضا أنا معها.....

فعلتها....

و بدأنا بالرقص معا و أنا أحملها في الهواء و أطلقها و أقول...."لن أفلتك يا مها"

-انتهى-


  • 3

   نشر في 28 ماي 2020 .

التعليقات

Dallash منذ 6 شهر
سنة الله في الأرض................
3

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا