المعنى الخفي للانحسار الأمريكي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المعنى الخفي للانحسار الأمريكي

  نشر في 09 غشت 2018 .

المعنى الخفي للانحسار الأمريكي
تأليف: الدكتور الفريد مكوي. أستاذ التاريخ في جامعة ويسكونسن
ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو

أوضحت أحداث العامين الماضيين شهرا إثر شهر وتغريدة إثر أخرى أكثر من أي وقت مضى أن قوة واشنطن العالمية تتلاشى بالفعل. ومع تكشف الإمبراطورية الأمريكية بسرعة لم يكن تخيلها في السابق نجد الكثر على إمتداد الطيف السياسي لا يبكون رحيلها

سئم نشطاء السلام ودعاة العسكرة من حروب البلاد التي لا تنتهي. وندم ملاك الشركات وأعضاء النقابات على خسائر الوظائف التي ترافقت مع سياسات واشنطن للتجارة الحرة. واحتفل المتظاهرين المناوئين للعولمة مع الشعبويين المؤيدين لترامب بالغائه للشراكة العابرة للمحيط الهادي. وأصبح لفكرة التركيز على أمريكا وإعادة بناء بنيتها التحتية الرثة جاذبية متنامية لدى الحزبين

ولكن قبل أن ننضم إلى هذا الكورس الكامن من المخلصين الطيبين للقوة الأمريكية العظمى يجب أن نتوقف قليلا ونتساءل إن كان تسارع الانحسار الأمريكي الذي سببته سياسات الرئيس ترامب الخارجية الغريبة الأطوار تم بكلف مزعجة و غير متوقعة

ومع استعداد الأمريكان للانتخابات النصفية عام 2018 والتنافس الرئاسي عام 2020 قد ينظرون أبعد قليلا من فضائح واشنطن الفاتنة وينظرون عوضا عن ذلك إلى العواقب الخفية لإنسحاب البلاد من الساحة العالمية

يحمل هذا الانحسار التشنجي غير المنضبط مخاطر جدية تتطلب من الناخب العادي والنشطاء السياسيين على حد سواء إيلاء السياسة الخارجية في أوسع معانيها ما تستحقه من إهتمام

أولا دعونا نعترف بالظاهر. بعد 18 شهر من توليه الرئاسة بدأت دبلوماسية الرئيس ترامب الأحادية الأسلوب بتحقير مكانة أمريكا العالمية.وذكر استطلاع لمؤسسة جالوب شمل 134 دولة أن الزعامة الأمريكية قد تهاوت من 48% عام 2016 إلى مستوى قياسي 30% بالمقارنة مع 31% للصين و 41% لألمانيا

أجهض ترامب معاهدة دولية إثر أخرى وحير المراقبين على مستوى العالم الذين حاولوا العثور على سبب منطقي لقرارات تثير التساؤل في جدواها وأنهكت العلاقات مع حلفاء دائمين

ولكنه يرى منطقا متناغما في سياسيته الخارجية. وربما تسميها دبلوماسية الحمام الذهبي. إذ يسعى لنقض كل ما قام به باراك أوباما بعنف نابع من الحشا:

تمزيق معاهدة التجارة العابرة للهادي. الإنسحاب من اتفاق باريس للمناخ. تجميد النووي الإيراني. والإضرار بالعلاقات الوثيقة مع حلفاء الناتو وتجميد العلاقات الديبلوماسية مع كوبا وإلغاء نهاية الحرب في أفغانستان ونسيان المحور الديبلوماسي مع آسيا وغيرها كثير

وعلى غرابة ذلك كله فإن تربع ترامب لإربع إلى ثمان سنوات على هرم السياسة الخارجية الأمريكية وبتلك التصرفات الشخصية المستفزة سيكون بلا ريب ذا آثارا مستديمة. سوف ينحسر الوجود الأمريكي عن المسرح العالمي أكثر فأكثر ويفتح الطريق للارتقاء القوى الأوتوقراطية بكين وموسكو المعادية للنظام العالمي الحر والذي رعته واشنطن على مدار 70 عاما ويسهم بتردي الوضع البيئي العالمي

الثنائية المرهفة للقوة الأمريكية العالمية

يجب أن ننظر إلى بدايات السطوة الأمريكية العالمية لفهم المكون المحير للقوة التي رافقتها قبل أن نفهم بشكل كامل ما هو على المحك

في الأشهر النهائية من الحرب العالمية الثانية وقفت الولايات المتحدة تتأمل كوكبا دمرته الحرب و استخدمت سلطتها الهائلة لبناء نظام عالمي جديد في ثنائية مرهفة ضمت مزايا متناقضة. إذ رعت مجتمع دولي من الدول المستقلة التي يحكمها القانون وفي الوقت ذاته بنت سطوتها كقوة عظمى عبر السياسات الواقعية من الضغط الاقتصادي والقوة العسكرية المدمرة والأفعال السرية والتأثير الدبلوماسي

ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن أمريكا انبثقت من رماد تلك الحرب العالمية عملاقا ذا قوة لم يسبق لها مثيل. كانت أوربا واليابان وروسيا خراباً وامتلكت الولايات المتحدة المجمع الصناعي الأوحد الذي لم يصب بأذى وأنتجت نصف مجموع إنتاج العالم على المستوى الإقتصادي. ومع نهاية الحرب تضخمت قواتها العسكرية إلى أكثر من 12 مليون فرد. وحكمت قواتها البحرية البحار بأكثر من 1000 سفينة حربية وسيطرت قواتها الجوية على الأجواء بأكثر من 41000 طائرة حربية. وفي العقود التي تلت طوقت واشنطن اوراسيا بمئات القواعد العسكرية والسفن الحربية والقاذفات الإستراتيجية. واحتوت خلال تلك العملية أعدائها في الحرب الباردة الصين وروسيا خلف الستارة الحديدية

خلال سنوات الحرب الباردة تلك مشى دبلوماسي واشنطن في ممرات السلطة فاوضوا برشاقة معاهدات الدفاع والتجارة والتي منحت البلاد قصب السبق على المسرح العالمي. وفي الوقت ذاته قام عملائها السريين بالتنقل بلا هوادة في الأراضي الظليلة للقوة العالمية للإطاحة بالحكومات المعادية أو المحايدة عبر الانقلابات والعمليات السرية. وبالطبع كسبت واشنطن الحرب الباردة ولكن تكتيكاتها أنتجت كلف مهولة لم تكن تخطر على بال أحد.- ديكتاتوريات عسكرية ظالمة عبر آسيا وأمريكا اللاتينية وملايين القتلى في الهند الصينية ومجتمعات مدمرة في وسط آسيا وأمريكا الوسطى وجنوب أفريقيا

جلب الانتصار الأمريكي في الحرب العالمية الثانية دفقاً من مثالية المواطن مع عودة ملايين المحاربين إلى البلاد وهم يأملون بأن تضحياتهم لم تهزم الفاشية فحسب ولكنها ربحت عالماً أكثر أمناً

بدأ الدبلوماسيين الأمريكان بالعمل مع حلفائهم لبناء،خطوة خطوة، هندسة جديدة من الحكم العالمي التي تخضع لحكم القانون الدولي كي لا ينزلق العالم ثانية في مهاوي الموت والتدمير العالمي

جمعت واشنطن في منتجع بريتون وودز في نيوهامشر عام 1944 مندوبي 44 دولة كبيرة وصغيرة لتصميم نظام إقتصادي شامل لعالم مزدهر ما بعد الحرب

وشكلت خلال تلك العملية وحدة النقد الدولية (للاستقرار المالي) والبنك الدولي(لإعادة الإعمار بعد الحرب) وفيما بعد الإتفاقية العامة للتجارة والجمارك(للتجارة الحرة) وبادئة منظمة التجارة العالمية

وبعد ذلك بعام تزعمت الولايات المتحدة 850 مندوب من 50 دولة حليفة في تأسيس منظمة جديدة ،الأمم المتحدة، التي تاقت لنظام عالمي تحدده السيادة ويتجنب الصراعات المسلحة ويرتقي بحقوق الإنسان والازدهار المشترك. وإضافة لتقديم إدارة الأزمات عبر قوات حفظ السلام وإغاثة اللاجئين ساعدت الأمم المتحدة على تنظيم عالم كوني على مدى ربع القرن القادم عبر 17 منظمة متخصصة مسؤولة عن كل شيء من الأمن الغذائي(منظمة الأغذية والزراعة) إلى الصحة العامة(منظمة الصحة العالمية

بدأ مشروع مارشال ب13 مليار دولار لإعادة الإعمار في أوربا التي دمرتها الحرب كما دعمت الولايات المتحدة جهود منظمة الأمم المتحدة عبر تقديم مليارات الدولارات في مساعدات ثنائية لتمويل إعادة الإعمار والنمو الإقتصادي في الدول كبيرها وصغيرها. وعولم الرئيس جون كينيدي الجهد عبر تأسيس الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والتي تبلغ ميزانيتها اليوم 27 مليار دولار وتوظف 4000 شخص يوفرون العون على مستوى العالم مثل تقديم 44 مليون دولار ل 700000 لاجئ من الروهينجا في بنجلاديش

نسجت واشنطن بعناية فائقة هذا النظام العالمي الجديد في شبكة من القانون الدولي بنته باجتهاد منذ ظهورها الأول على المسرح العالمي في مؤتمر لاهاي الثاني للسلام عام 1907

وتحت ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 عقدت الجمعية العامة محكمة العدل الدولية والتي تبوأت مقعدها في قصر السلام في لاهاي الذي شيده بارون الصلب أندرو كارنيجي قبل سنوات لتشجيع حكم القانون الدولي

وبعد شهور من تأسيسها أوجدت منظمة الأمم المتحدة لجنة حقوق الإنسان والتي ترأسها السيدة الأولى السابقة اليانور روزفلت لكتابة الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والذي تم تبنيه في باريس يوم 10 كانون الأول عام 1948

وبدلاً من إطلاق الفرق لزعماء المحور المهزومين تزعمت الولايات المتحدة الحلفاء في عقد محاكمات الحرب في نورمبرج وطوكيو عامي 1945–46 وحاكمت جرائم الحرب التي اقترفوها في ضوء القانون الدولي

وبعد ثلاثة سنوات لحقت واشنطن بالمجتمع الدولي في تبني اتفاقيات جنيف الأربعة والتي وضعت قوانين الحرب للصراعات المستقبلية لحماية المدنيين والأسرى

وخلال 70 عاماً تزعمت واشنطن العديد من هذه المؤسسات الدولية وكسب معظم العالم الإستقلال الوطني وانتشر الازدهار الاقتصادي وانخفاض الفقر وتراجع الجوع وهزمت الأمراض وتم الحيلولة دون حرب عالمية جديدة وتقدمت حقوق الإنسان. لم يحدث قط أن تتربع امبراطورية أخرى عبر التاريخ الإنساني على نمو وازدهار ذو أهمية بالغة على قطاع كبير من البشرية

.

الدبلوماسيون المواطنون

يعتقد بعض خبراء العلاقات الدولية بأن المؤسسات العالمية التي شجعتها واشنطن على مدى الأيام تستطيع النجاة من حتفها كقوة عالمية مسيطرة. ولكن سيطرة ترامب على السياسة الخارجية وزعامته غريبة الأطوار تجعل ذلك الاحتمال في أفضل الأحوال موضع شك

يعقد الخبراء آمالهم على المرونة الداخلية للنظام العالمي الليبرالي ويتمثل مصدر مهم بذات الأهمية لبقائها في ملايين المواطنين الدبلوماسيين الأمريكيين الذين خدموا على مدار 70 سنة كتوابع في تشجيعها واستمروا نشطاء وناخبين مناصرين محتملين للحفاظ عليها وشمل ذلك مجموعة غير محتملة بالفعل: التبشيريين الذين ساندوا دونالد ترامب بأعداد مذهلة

أثرت أمريكا،بعكس تبادلات النخبة الأوروبية والبرامج الحكومية التي وسمت إمبراطوريات أوربا السابقة، على مليارات البشر على مستوى العالم عبر الإتصالات العامة ومباشرة عبر مبادرات المواطنين. تواصلت الدوائر النخبوية خلال عهود الزهو البريطانية الإمبريالية مع بعضها البعض عبر التلغراف والصحف والراديو. حررت أمريكا تدفق المعلومات لمليارات لا حصر لها عبر التلفاز والإنترنت والهواتف الخلوية وجعلت النشاطية الشعبية حقيقة عالمية ودبلوماسية المواطن قوة مؤثرة في عالم متغير

كان التأثير العالمي لمبادرات المواطنين الأمريكان عميقا وإن لم يكن ملحوظا مثل الأبراج الخلوية التي تحاذي الطرق الريفية وشاشات الحواسيب التي تتناثر على المكاتب في كل مدينة

وبالرغم من السياسة الخارجية التي تراجعت نحو الانعزالية أو القومية المفرطة أو الحروب الفظيعة انغمست اعداد مفاجئة من الأمريكان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في العالم الأشمل وأكثر عمقا من أي شعب آخر على سطح الكوكب

كانت الإمبراطوريات الأوربية الاستعمارية القديمة مشاريع حكومية ولكن الامبراطورية الأمريكية كانت بطرق مهمة مشروعا شعبيا(وبالطبع في سياق حروب وانقلابات واشنطن مشروعا معاديا للشعوب

كانت جهود أوربا التبشيرية مدعومة من قبل الدول ولكن الروح حركت ملايين الأفراد الأمريكيين التبشيريين للذهاب”في مهمة” وغالبا إلى أكثر الأجزاء وعورة وبعدا على الكوكب.مولت الطوائف البروتستانتية منذ الحرب الأهلية حتى الحرب العالمية الثانية أعدادا صغيرة من بعثات المهن والتي جعلت من تحويل الصين حلم جيل ما بعد الحرب الأهلية. ومنذ أن أدخلت شركة بوينج السفر الجوي الرخيص في الستينات انطلق ملايين المبشرين في بعثات قصيرة الأجل. كان التبشير الديني هدفهم الأول ولكنهم قدموا الدواء والغذاء والتعليم لمناطق نائية من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية

وفي طريقة لحصر هؤلاء المبشرين وجدت ضمن حلقة أسرتي الصغيرة ابن عم لي طبيب أطفال من جامعة هارفارد قام بعدة رحلات طبية إلى غرب أفريقيا والوكيلة العقارية لمنزل والدتي والتي أبطأت البيع بسبب سفرها التعليمي المتكرر إلى كمبوديا وأصدقائي في الأبرشية الأنجليكانية الذين يسافرون بانتظام إلى هايتي في مهام تنموية وإلى رفيق عمي في الحرب الذي يقود طائرته الخاصة إلى أمريكا الوسطى في مهام إنجيلية

وعند حدوث الكوارث الطبيعية يقوم المورمون و 5000 موظف في هيئة الإغاثة الكاثوليكية ومنظمة الرؤية العالمية البروتستانتية التي تضم 46000 موظف بتحريك مليارات الدولارات سنويا لإرسال شحنات هائلة من مواد الإغاثة إلى أقصى بقاع الأرض

كما ان اهتمام أمريكا بالعالم خارج حدودها له جانب علماني لا يقل أهمية عن الجانب الديني. تنامى نادي الروتاري الدولي في شيكاغو بالتزامن مع ارتقاء واشنطن كقوة عظمى إلى شبكة عالمية مكونة من 33000 نادي في 200 دولة . وتبرع أعضائه ال 1.2 مليون منذ عام 1985 ب 2 مليار دولار لتلقيح ملياري طفل على مستوى العالم ضد الشلل. وكفرد لا يزال يعاني من ذلك المرض في عهد الطفولة غمرني الفرح وحفني الرضا عندما تحدثت أمام فرع النادي في ماديسون ويسكونسن وعلمت أن عائدات محاضرتي ستنفق في حملة دولية ضد شلل الأطفال

عندما تحدثت لفرع الكيوانيز المحلي علمت أنهم يجوبون الولاية بحثا عن ماكينات الخياطة سنجر التي تعمل بدواسة القدم للشحن إلى التعاونيات النائية في أمريكا الوسطى التي لا تتوافر لديها الكهرباء والتي شحنت 2500 ماكينة خياطة إلى شتى أنحاء العالم ضمن مشروع ماكينة الخياطة منذ عام 2005.كما أن المهاجرين إلى أمريكا بدأوا بتمويل المدارس وتوفير الرعاية الطبية في بلدانهم السابقة وقام المحاربون القدماء بدعم الجهود الإنسانية في أراضي المعارك السابقة مثل فيتنام وأصبح ال 230000 متطوع في قوات السلام العائدين صوتا للسياسة الخارجية الشعبية وتستمر القائمة وتطول

يرسل ملايين الأمريكان كل عام مليارات الدولارات عبر البحار عبر كنائسهم أو مجموعات النشاط مثل أطباء بلا حدود وكير وأنقذوا الأطفال لتوفير الطعام في المجاعة الإثيوبية أو تسونامي الهند الصينية أو أزمة الروهينجا

وهذا التقليد لما يمكن تسميته دبلوماسية المواطن والعولمة الراسخة التي تلازمها تجلت في الإنفجار الهائل للاحتجاجات الشعبية التي حدثت عندما حاول الرئيس الأمريكي ترامب خلال أسبوعه الأول في الرئاسة منع السفر من سبعة بلدان ذات أغلبية مسلمة وخلال يوم واحد تضخمت مجموعة صغيرة من 30 شخصا يحملون اللافتات في مطار جون كنيدي في نيويورك إلى احتجاجات جياشة تحولت لمظاهرات ضمت آلاف الأفراد عبر المدينة. وخلال الأسبوع التالي حدثت مظاهرات بعشرات الآلاف في 30 مدينة على طول البلاد وعرضها بما في ذلك لوس انجلوس وسان فرانسيسكو وهيوستن ديترويت وفيلادلفيا وبورتلاند

يشعر هؤلاء المتظاهرون المتحمسون والملايين من ذوي الغايات العالمية بما يمكن خسارته مع توجه أمريكا للانسحاب من المسرح العالمي

نهوض الصين

ستبقى انقلابات وكالة الإستخبارات الأمريكية وحرب فيتنام وفظائع إمبراطورية كثيرة لم تقال ذكريات مؤلمة للسطوة الأمريكية وإن لم نتحدث عن الحرب على الإرهاب في القرن الواحد والعشرين ومواقع السي اي اي السوداء وهجمات الطائرات المسيرة وغيرها

إذاً ما الذي يهم أي فرد، سواء كان ليبرالياً أو محافظاً والذي يحمل شكوكاً بقوة أمريكا العالمية ، انحسارها المتسارع؟

استند النظام العالمي الأمريكي على مدار 70 عاما إلى تلك الثنائية المرهفة — مجتمع مثالي من الدول السيادية والمواطنين المستقلين المتساويين تحت حكم القانون الدولي المرتبط بشدة بإمبراطورية أمريكية متجذرة في أشد مظاهرها إظلاماً بالقوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية

ننظر الآن إلى البدائل المحتملة لو نجح دونالد ترامب في سحب الولايات المتحدة من أي شكل من أشكال العالمية المثالية

توازنت السطوة الأمريكية المجحفة خلال ثلاثة أرباع القرن المنصرم جزئياً مع تشجيعها لنظام عالمي ليبرالي ولكن بيجينغ وموسكو يميلان لفكرة السطوة بدون المجتمع الدولي وحكم القانون

تقبل بيجينغ بالأمم المتحدة(حيث تملك مقعداً في مجلس الأمن) ومنظمة التجارة العالمية(شريحة مريحة في الأسواق العالمية) ولكنها تتجاهل ببساطة المظاهر غير المريحة للمجتمع الدولي مثل محكمة العدل الدولية الدائمة التي رفضت مؤخراً قراراً لمزاعمها في بحر الصين الجنوبي. وتحدت الصين ما تراه منظمات محابية للغرب عبر البدء ببناء نظامها العالمي الخاص والتي تسعى للسيطرة عليه: منظمة شنغهاي للتعاون بدلا من الناتو وبنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية بدلا من مؤسسة النقد الدولية والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة التي حلت محل معاهدة التجارة والشراكة عبر الهادي

تمثل تريليونات الدولارات في اتفاقيات التجارة والتنمية التي وزعتها عبر آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية خلال السنوات القليلة الماضية خلاصة السياسية الواقعية التجارية المجردة من أي إعتبار للبيئة أو حقوق العمال.أما روسيا بوتين فهي أشد رفضاً لقيود القانون الدولي حيث قامت بمصادرة مقاطعة مستقلة وغزت الدول المجاورة واغتالت الأعداء الداخليين في الخارج وتدخلت في انتخابات خارج البلاد(وهي منطقة أظهرت فيها الولايات المتحدة سابقا خبرة مميزة

امتلكت الولايات المتحدة تأثيرا هائلاً وإيجابياً في غالب الأحيان على العالم، وإن شابته في السنوات اللاحقة عملياتها اللامنتهية على الإرهاب وحروبها التدميرية عبر الشرق الأوسط الكبير وأفريقيا، من خلال ثقافتها الهائلة وسياستها الرفيعة

وبعد أن تتلاشى الفظائع الضارة لهيمنة قوة واشنطن-انقلابات الس اي اي والتعذيب والقتل بالطائرات المسيرة والحروب اللامنتهية- من الذاكرة سيبقى العالم بحاجة إلى بعد أكثر رأفة لنفوذها وبالتحديد فكرة الحكم العالمي عبر المنظمات الدولية وحكم القانون خاصة ونحن نواجه كوكبا يتراجع بصورة مماثلة

وستكون خسارة الكل خسارة بالفعل

إذا مر العالم بمرحلة انتقالية مسالمة بطيئة نسبيا بعيدا عن السطوة الأمريكية قد يحافظ النظام العالمي اللاحق على بعض المؤسسات الدولية الليبرالية التي تمثل أفضل القيم الأمريكية. أما إذا استمرت دبلوماسية الحمام الذهبي لدونالد ترامب وتنامت قوة النفوذ الصيني والروسي فربما نشهد نظاما عالميا أكثر جنوحا يرتكز على الإستبداد والسياسة الواقعية والسيطرة التجارية واهتمام ضئيل بحقوق الإنسان والمرأة وحكم القانون. وفي هذه اللحظة المفصلية من التاريخ الإنساني لا يزال الخيار بدرجة مفاجئة خيارنا ولكنه لن يبقى كذلك لوقت طويل

المصدر:

TomDispatch.com

Alfred McCoy, the Hidden Meaning of American Decline

By: Alfred McCoy,

May 22, 2018



   نشر في 09 غشت 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !




مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا