صرخة طفلة(ج٢) - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

صرخة طفلة(ج٢)

الجزء الثاني

  نشر في 18 يونيو 2019 .

مازلت أذكر في تلك الليلة كم أجهشت في سريري حتى جَفَّت عيوني و تبللت وسادتي، حينها! لم تكن تتسع الحياة لحزني ولا لضيق صدري، جلست أكرر لماذا؟ لماذا؟،... كانت "لماذا" تحمل الكثير و الكثير من العتاب و التساؤلات و لأنهم كانوا يحاولون الخروج مني دفعةً واحدة، اكتفيت فقط بكلمة "لماذا!؟"، كنت أحاول ايجاد اجوبة لتطفىء ناري التي كانت تحرق عقلي، لكن دون جدوى، ما من مجيب عن اسئلتي اللعينة، حاطت بي الحيرة من كل الجوانب و الزوايا، شعرت كأنني في جزيرة مهجورة ليس بها أحد، مهما صرخت لن يكون لي سوى الصدى، كانت لأول مرة أشعر فيها بالوحدة و الإنعزال الشديد، لم يعد لي ملجأ ألتجىء إليه عند ضعفي أو صرختي، عند شعوري بالبرد الشديد و بكائي الذي يسيل دما بدل الدموع، كان ذلك الألم من أشد الآلام، ربما يعادل ألم الولادة، ألم رصاصة أصابت شخص لم تقتله بعد، أو ربما ألم رجلا جلد بمئة جلدة، لا أعلم حقاً بماذا سيقاس، لكن يبدو أنني بين هذان الثلات أنا أشدهم ألما، على الأقل هم! يحق لهم الصراخ، أما إنا فقد إكتفيت بقمعه بداخلي و ردًّه كلما أوشك على الخروج حتى كاد أن ينفجر. بعد التعب و الهلاك الذي عشته طوال ذلك اليوم غفوت في تلك الليلة كطفلة متشردة في الشارع ليس لها مأوى، او من يدفئها، كاليتيمة اتخدت لنفسها مساحة صغيرة على الرصيف، انطوت على نفسها ثم غطت جسدها الصغير بقطعة كرتون، كارهة للحياة ،للعيش، و في الوقت ذاته تحن لعائلة تهتم بها و تدللها، لمائدة الطعام تجمعها بوالديها، و تحظى بأكلتها المفضلة.

في الصباح، بدأت أمي بالتحضيرات فالعرس بعد شهر، الكل يستعد، بينما أنا اكتفيت فقط بالجلوس في غرفتي انتظر انتهاء الثلاثين يوم، كمجرم مذنب ينتظر يوم اعدامه، نعم! لقد كنت كالشخص الذي سيتم اعدامه، كان كل تفكيري على ذلك اليوم، لم تعد لي قوة افكر في المستقبل الغامض، ولا لي رغبة أتذكر فيها الماضي الذي انحصر في يوم الخطوبة، يوم الذي انتهى فيه كل شيء كان جميلا، كنت بين الفينة و الأخرى احاول اقناع أمي بفسخها، لكنها لم تكن لديها قوة بمواجهة أبي في امور يتخذ فيها قراراته، عَجَزَت و عَجِزتُ معها، كنت اشعر بالحسرة و الخذلان نحوها، كونها كانت ضعيفة، كونها لم تدافع عني، لم تنقذني، لبت قرار أبي بكل صدر رحب دون أن يصدر لها صوت، دون أن تواجهه، و تقول له كلمة "لا"، أحيانا كنت أجد لها عذر، و أحيانا أخرى أعاتبها أشد العتاب وأجرحها، كونها رمت بي بأمر من أبي، لم تكن لي رغبة في مخاطبته هو الأخر، كنت أعتبره مجرد رجل في منزلنا كتب على مصيري الزواج أو بالأحرى الإعدام.

أتى يوم الزفاف بسرعة فائقة، لم أكن أريد الإسيقاظ من النوم لم تكن لي طاقة أواجه بها الموت و أنا لم أرتكب أي جريمة، كان الأمر بالنسبة لي غير عادل، أتت أمي كالجندي فوق رأسي، أخبرتني أنه يوم الإعدام أقصد العرس، عليَّ أن أذهب للفندق لكي أتجهز لليلة و أبدو كالعروسة بحلتها الجميلة و المذهلة، رمقتها بنظرات تحمل بين طياتها الكثير من العتاب و الإستغراب بعد أن خاطبتني بطريقة غريبة و كأنني تواقة لهذا الزواج، كان يبدو عليها الفرح و السعادة من خلال وجنتيها الورديتين. بعد أن قضيت نصف اليوم بإحدى غرف الفندق، كان يمر عليَّ الوقت كمرور الثواني، ارتديت ذلك الثوب الأبيض المرصع بالأحجار، لا أنكر جماله، لكن لا أكذب أيضا إن قلت شعرت بالسعادة، كل ما في الأمر أنني كنت ارى نفسي جثة هامدة يغطيها كفن، كنت كالجسد الخالي من الروح، مهما حاولت إيلامه لن يصدر له اي صوت، مهما حاولت جعله يشعر بذاته، لن يستجيب لك، مات قلبه بالرغم من دقات النبضات، كان الحزن و اليأس يحيط بي، حتى انني غطست في بحر الألم و الوجع، إلى أن ارتويت ما يكفيني، ثم غرقت إلا أن انقطعت أنفاسي، كان وجودي مجرد نكرة. وقفت أمام المرآة لأتأمل نفسي، ثم خاطبت ذلك الإنعكاس قائلةً:

"ها أنت ذا يا صَبَر، ستتزوجين أليس كذلك؟ ما خطبك؟ لما لست سعيدة؟، كل الفتيات في هذا العالم يكونوا سعداء في يوم زواجهن لما أنت لست كذلك؟ أراكِ شاحبة اللون بالرغم من وضعك لمساحيق التجميل!، أصبحت هزيلة الجسد؟، (أضحك)... ستتزوجين! و أنت لا تعرفين عنه أي شيء، أمر محير، في الحقيقة أريد أن أسألك، أي جريمة إقترفتي يا مجنونة حتى حكم عليك بالإعدام، اه صحيح لأنك كنت حالمة جدا و طموحة، (أضحك)، كنت دائما تقولين سأصبح جراحة دماغ في المستقبل، ماذا حصل لتلك الأحلام يا صَبَر أم أنها كسرتها لك أمواج البحر، أمرك مضحك محزن للغاية، مثيرة للشفقة.."

فجأة دق الباب، لقد كانت أمي، سألتني ما إذا كنت مستعدة، أخذت ثواني أنظر إليها و كأنها نظراتي الأخيرة لها، أخذت نفسا عميقا ثم قلت لها:

- أنا مستعدة يا جندي! في الحقيقة المحكومين بالإعدام في لحظاتهم الأخيرة يطلبون امنية، هل لي أنا أيضا بامنية أخيرة يا أمي؟

-كفاكِ مسخرة يا صَبَر، الكل بانتظارك، هيا بسرعة،

-(أضحك)، على العموم يا أمي، جعلت من امنيتي أن لا تذرفي دمعة من أجلي، طالما وافقتي على زجي لهذا الزواج، كوني دائما بخير.

حبست دموعي بصعوبة التى كادت أن تفضح ضعفي و تصرخ بكامل قوتها "أوقفوا هذه المهزلة"، لم أكن أرغب بالبكاء، أردت أن أقدم على هذا الموت و أنا بكامل قوتي، على الأقل، يكون لموتي كرامة و شرف.

كانت قاعة الأفراح مليئة بالمدعوين، تماما كسكان البلدة في القديم عندما كانوا يحضرون إعدام أحدهم، ليوتقوا تلك اللحظة، الكل كان يرقص، بينما أنا انتظر انتهاء هذه الأجواء المخنقة، لأزيل عني اللباس الأبيض، و ازيل معه المساحيق الكاذبة التى غطت الرفض و السخط علي هذا الوضع المهزلي، كانت تلك الليلة طويلة ومُتعِبة، لم تكن لي القدرة على رسم ابتسامة مزيفة على وجهي، كنت كارهة لكل شيء، حتى لنفسي.

بعد انتهاء الحفل، جلست اراقب والديَّ، بينما الأحمق يأخذني بعيدا عنهم، كنت لا أزال أرمقهم بنظرات العتاب، انتظر أن ينطق أحدهم و يحررني منه، لكن لم يصدر لهم أي صوت، جلسوا يودعونني، و الدموع من أعينهم تسيل، هراء! دموع مزيفة...

كيف لهم أن يبكون، و هم من زجوا بي إليه، بينما ذلك الرجل عَدَمَ روحي البريئة، و هو ينهش على جسدي كحيوان مفترس جائع، اغتصبني بدون رحمة أو شفقة، كانت قطرات الدم الملطخة على الفراش وحدها تشهد على ذلك.


  • 2

  • souhayla kheir
    " هدف كتاباتي ملامسة قلوب البشر و ليس الشهرة كما يعتقد البعض "
   نشر في 18 يونيو 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا