النّبي الضِّليل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

النّبي الضِّليل

  نشر في 11 غشت 2021  وآخر تعديل بتاريخ 11 غشت 2021 .

غرقتُ فترة الصباح والظهيرة بأكملها في العمل، وأعني ذلك حقا. لم تُتح لي ولو فسحة واحدة للتفكير أو التخيل حتى؛ فقد تقاطر العملاء اليوم على المقاطعة (الملحقة الإدارية) كَالدّود، ينغلون بالحركة.. حتى لَأَنّك تحس بدبيب حركتهم، وذبذبات أصواتهم الخشنة تحت أقدامك.

عَملٌ بيروقراطي بليد، لا يتطلب ذكاءً (مجرد ملء للأوراق: كتابة، نَسخ، طبع، إمضاء، كلام...) وَلا يدرّ الكثير من المال كذلك، لكنه يوفر بعض الجهد والوقت، مقارنة مع أنواع أخرى من العمل؛ تتطلب حركة ونشاطا كبيرين، وأوقات عمل أكثر.

الثانية زوالا، ولم تسنح لي الفرصة للوقوف بعد منذ الصباح، وإن مؤخرتي لَتحتاج إلى منشفة الآن وهي ترشح عرَقا فوق هذا الكرسي الذي هوَ، هُو؛ شتاءً و صيفا، ربيعا وخريفا. هوَ هُو، لا يتبدل.. مؤخرتي تكاد تَختنق فوقه الآن، إنها في حاجة إلى بعض الهواء المُنعش.

لكن هذا الشاب وزوجه يحومان على مكتبي منذ الصباح، يبدُوان كزوج كلاسيكِي بجلبابيهما، رغم كونهما شابين. وهي ذي الزوجة بمفردها الآن عند باب المكتب، يظهر عليها التّبرم والانزعاج. لاشك أنها تنتظر زوجها، ولا شك أنها قد سئمت الانتظار.. أووه منذ الصباح؟! إنّ لي أن أتصور ذلك حقا، وأن أضع نفسي مكانهما. لكنّ أوراقهما ناقصة، وذلك سبب تعسّر مصالحهما؛ دَلفا عليّ هذا الصباح حين أخبرتهما بذلك، فأخذَت الزوجة تَتشاكى أمامي: << لكننا جئنا من مكان بعيد.. وليس لدينا وقت كثير، واليوم هو آخر أجل في المهلة التي قرّرتها الحكومة، و...، و فقط أنظر كيف يمكن أن تُعاوِننا الله يجازيك بخير... >> لكنني أخبرتهما بأني لا أستطيع فِعل شيء لهما حقا، وأكّدتُ لهما على ذلك.. في الحقيقة: كان بوسعي شيء ما، ليس الأمر خارج يدي تماما، أي ليس مستحيلا كفِعل؛ لكنني لا أعرفهما، وذلك من شأنه أن يثير المشاكل علَي.

وهكذا فقد ظلا يحومان في المقاطعة هنا منذ الصباح، يبحثان عن حل، عن تساهل ما، أو عن أحد المعارف لِيتوسّط لهما في الأمر؛ وقد لَمحتُ الزوج يُجري بعض المكالمات الهاتفية هذا الصباح حين رفضتُ طلبهما. لا شك أنهما حانقان علَي.. و إن يكن، فمؤخّرتي بدورها حانقة، وإني لَأَحسبها تتضرع إلي بالدّموع/ العرق الآن لِأَرفعها عن هذا الكرسي الخشن..

هُو ذا زوجها قد قدِم... أوراقهما مكتملة الآن. وهذا يعني أنه قد عاد من حيث أتى لِيستكمل الأوراق، ثم آب إلى المقاطعة مرة أخرى. إن جبينَه تنضح عرقا، ووجهه قد تغضّن من تعب الطريق.. لكنني لا أعرفهما. لا مجال للندم إذن، ولا لِتأنيب الضمير؛ فهكذا تسير الأمور.

ــ << هاكِ سيدتي، أوراقك كاملة مكمولة الآن.. وقد ملأتُ لكِ شهادةً أخرى أرفقتُها بها.

"على سْلامتك أَلظّعينة".>>

( و الحال أنّي لم أقل عبارتي الأخيرة هذه مجانا، فقد حضَرني، ولا أعرف لماذا، بيت ابن كلثومٍ ذاك:

                       " قفي قبل التّفرق يا ظَعينا       نخبّرك اليقين وتخبرينا" )

ــ << الظّعينة هي أمك.>>

سمعتُ الزوجة ترد بغضب وانفعال منقبض، كمن أحس بالشتيمة، فحاول أن يردّها بسرعة لِئلا تلتصق به.

قبل أن يردف زوجها بصوت عال وَوَجهٍ مُربَدّ:

ــ << "مالك أَولد القحبة.. من الصباح وأنت تجرجر فينا... تريد الرشوة، هاه؟ هاهي الرشوة.." ـــ قال وهو يُدخل ذراعه اليُمنى مُمدّدةً ومقبوضة اليد في كفّه الأيسرـــ "يدك فيه دَبا".>>

تَكنَّف زملائي المكتب بعد أن أدركهم الصراخ

ــ << ما الأمر؟>> سأل أحد الزملاء.

ــ << إن صاحبكَ هذا، قال لِزوجتي كلمةً يستحي اللّسان عن ذكرها مرّة أخرى.>>

ــ << قلتُ لها؛ على سْلامتك أَلظّعينة>> -قلتُ مدافعا عن نفسي.

ــ << وما معنى ذلك؟>>

ــ <<معناه أنها امرأة الرجل، أي زوجته، في ذمّته وصُحبته..، ولَو قلتُ "مَدَام" لَأَدركَا قَولي وشكراني من فوق.. ألَيس كذلك؟.. لكنّي كنتُ أَحسبُ أنكم يا قومُ أعرابُ.

على كل إن ليَ الآن أَن أتابعكما قانونيا بدعوى السّب والقذف والافتراء، وإهانة موظّف حكومي إبّان مزاولة مهامه؛ لديّ كل الحق في ذلك.. وسَتدرِيان معنى الظّعينة حال وصول الشّرطة نهاية الأمر.>>

في الحقيقة لم أكن لِأعني كلاميَ الأخير هذا حقا. فلستُ بالشّخص الذي يفتخر لكونه موظّفا حكوميا، كما أنني أفضّل حل معاركي ومشاحناتي، إذا تورطت في إحداها، شخصيا.. بشكل شخصي، بعيدا عن الشرطة أو غيرها من القوّات العمومية المحمّلة بقيم المجتمع وقوانين الدولة وقيودهما اللّامرئية.. إنني شخص، فرد، ذو خصوصية؛ وأفضّل دائما أن أعيش في الخاص، وأن أحل مشاكلي بخصوصية..

المُهم أن الزّوج الشاب قد اعتذر في الأخير، ثم مضى وزوجته في سبيلهما. أما أنا.. فَلا ينتهي دوامي إلا عند الرابعة. ورغم أن تلك الحركة الدّؤوب التي كانت سائدة داخل المقاطعة هذا الصباح قد انقطعت، وجَلبة العملاء قد خمدت، وأصوات الأقلام المُسقَطة على المكاتب والطوابع قد أحجَمت.. لكن من يدري؟ فقد تنزل الأعمال من السّماء في أية لحظة كما ينزل الوحي. ويجب عليّ أن أكون حينها حاضرا، متأهّبا لِأن أتلقَّفها، كنبيّ ضال، ضلّ طريق البراري والجبال والصحراء والانعزال، لِيَجعل مؤخّرته تتعرق قَسرًا فوق كرسيّ، بداخل مبنى حكومي ينغل بالحشرات البشرية وأصواتهم وروائحهم..

وقفتُ أنظر من النّافذة، كانت الشمس تَغشى الشارع بأشعتها الصّفراء النتنة.. يجب أن أغسل مؤخّرتي الدّبقة؛ فكّرت. ثم تذكّرتُ أيام عطالتي.. تلك السّنوات التي قضيتها عاطلا عن العمل، حيث لم يكن يجب علي أن أطبع هذه الأوراق الجافّة، أو أتحقّق منها، أو أمضيها، أو أن أتكلّم حتى؛ لم يكن واجبا علي أي شيء.. أيام قضيتها أضرط فقط، وأقرأ، وأتجسّس بواسطة منظاري ليلاً على نوافذ تلك الغُرف المضاءة في العمارة العالية المقابلة لسطح منزلنا.. يا حسرةً على أيام. أيام كنتُ فيها وحيدا، أشاهد الحياة من فوق، مترفّعا عنها، وعن الانغماس فيها والاحتكاك بها.

ما أزال وحيدا الآن، لكن هذا الكم من البشر الذين يمرون على مكتبي يوميا طوال أسبوع العمل، يكسرون عليّ وحدتي، يُنغّصونها علَي في النهار، فلا أجد مُتّسعا كافيا للتفكير أو التّخيل دونما ضيق أو توتّر أو انقطاع.. أما في الأماسي واللّيالي بعد الدّوام، فإن وحدتي تنهال علَي ثقيلة، قاسية، موحشة، وغير محتملة، فتدفعني للخروج طلبا للآخرين: متسكّعا بينهم، أو جالساً بإفريز مقهىً ما مشاهدا مرورهم، ملاحظا تفاعلهم، متدبّرا تصرفاتهم، ومتصوّرًا حَيواتهم..

الشّائع لدى معظم الناس، أن أجمل أيام المرء هي أيام الطّفولة. أما بالنسبة لي أنا الذي لا أنظر إلى أيام طفولتي إلا كما لو كنت مقيّدا أو مسجونا، بفضل تزمّت والدي الديكتاتوري ذاك؛ فإن أَروع أيام حياتي هي أعوام شبابي تلك التي قَضيتُها دون عمل، عاطلاً أو بطاليًا كما يقولون.. ولَو خُيّرتُ بين البطالة والعمل، وبين صفة "بطالي" أو صفة "عامل"، لاخترتُ الأولى؛ ففيها يملك الإنسان وقته، وبذلك نفسه. إذ لو امتلك المرء وقته عَنّ له أن يتدبّر نفسه، فَيعرف عنها أشياءً، يُطوّعها في ما يُحسّن حياته ويُطيّبها، في ما يخدمه ويروقه.. لا في ما يخدم الآخرين ويُرضيهم.

أما الآن فإنني مجرد موظّف مرهق المؤخّرة، أُدرك ذلك الآن، وأنا أشاهد هذا الشارع الفارغ إلا من أشعة الشمس وبعض السيارات العابرة ببطء وهدوء، إدراكاً واضحاً، كما لو كان ذلك مرادفا لإدراك كوني بائسا أو مخبولاً.. أخرجتُ من جيبي سيجارةً، لَعلّي أتَناسى بِرشفها بعضاً من كل ذلك. لكني لم أجد ما أقدحها به، ولمّا لم تكن بي أدنى رغبة أو إرادة لطلب شعْلة من أحد الزّملاء، فقد حاولتُ فتح النافذة لِأقفز، لم أحس بشيء، فقط انتابتني رغبة هادئة و فاترة لأن أقفز.. لكني لم أُفلح في فتح مقبض النافذة، فالمبنى حكومي/ عمومي، وجل الأشياء فيه أو كلها كانت مُستعصية عن العمل، أو معطّلة من جرّاءه.. جل الأشياء ماعدا أنا.. أو لَعلّي أنا أيضا كنتُ كذلك.. شيئًا من بين تلك الأشياء.... هل أنا شيء؟.         


  • 1

   نشر في 11 غشت 2021  وآخر تعديل بتاريخ 11 غشت 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا