عصبية مذمومة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عصبية مذمومة

هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 24 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 01 أكتوبر 2019 .

عصبية مذمومة..

هيام فؤاد ضمرة..

لسنا ندرك كيف تتكون الكراهية في عقول جمع غفير من الناس، كيف يخرجون عن إنسانيتهم فتتبلد فيهم الإحاسيس، هل يمكن أن تكون ذات بيئة عدائية مستحكمة تتخزن في العقل الباطن للجماعة وتخرج عند مقابلة الضعفاء من البشر؟.. أهي ترجمة عصبية من نوع العدوى المتفشية؟.. 

فأنى لهذه الزمرة أنْ تدرك معنى أن تفقد من حياتك نبض الحياة الطبيعي، والأمن والسكينة التي تحفظ على المرء كرامته وسلامة وجوده.. بل وكرامة حياته، فيضطر بصورة قسرسة للهجرة إلى بلاد الجوار للعيش خارج ملاذه الذي تعوده واعتاد على بيئته، بيئته التي منحته الهوية الجغرافية والجنسية والانتماء، وقد كان زرعها بذكرياته حد الاملاء، ليخرج منها عار تماماً من كل شيء، لا ماض ولا ذكريات ولا خصوصية، والخوف يلبسه ثوباً ضيقاً يخنق أنفاسه من رأسه لأخمص قدميه، ليجد نفسه في ظروف اللجوء داخل مخيمات تلاطمها العواصف، وتباغتها الفيضانات ، وأمواج الثلوج والصقيع في الشتاء، وتخنقها أجواء الحر اللاهب في الصيف، حياة غريبة لا تكاد تخفي عريه، ولا تشبع قرصة الجوع في أمعائه الجافة، أو تدفىء أوصاله في البرد الشديد والصقيع العتيد، أو حتى ترحم نفسه عند هجمات الحرارة والإسهال عند أطفاله الصغار وهم لا حول ولا قوة.

فكيف بالله يتكون العداء في قلوب الناس ويتعرون من إنسانيتهم؟ ويشحنون أنفسهم بفيروسه الكريه دون أن تظهر بالأجواء معاملات إنسانية قوية وفاعلة، تشكل علاجا شافياً لهذا المرض القميء فتقضي على مثل هذا الفيروس الاجتماعي العجيب؟ أنى لمشاعر الإنسانية بالحضور بين أهل العروبة الواحدة، وقد مزقت أواصر لحمتها يد الغرب الكاره للعروبة، وشوهت الإنتماء العروبي في الأعماق البشرية الجاهلة والمتطرفة.

قد تكون لهؤلاء القوم ذكريات أليمة مع شعب هذا البلد أو حكومته، رغم أنها لم تصل بأي من الأشكال لدرجة طعن إنسانية الإنسان، وشحنه بالكراهية للمهاجرين الآتين من دول الجوار على الحدود، داهمتهم الكوارث من كل لون، فاضطر بعض من ناسها إلى الهجرة وترك أملاكهم خلفهم لينجوا بحياتهم لتعرضهم للترهيب والتعذيب والمخاطر، وأتساءل.. من نزع قلوب هؤلاء العرب من مكانها وألقى بها في غياهب الأحقاد، من فرغهم من أنسانيتهم وقاربهم إلى الوحوش الضارية؟.. ما الذي دفع بهؤلاء نحو عداء بني جلدتهم العرب ليقسوا على بعضهم بهذه الطريقة اللئيمة وغير الإنسانية؟؟

في الآونة الأخيرة قام أحد الأشخاص من مواطني دولة عربية مستقبلة لمهاجري الجوار، بارتكاب فعل لا إنساني غريب حد الحماقة، يدخل في عمق العنصرية البغيضة، ورفض الآخر الغريب حد الاحتقار والإزدراء اللا إنساني، وارتكاب جريمة إنسانية تفوق التصور، وتتجاوز حدود التوقع، لا يمكن تصنيفها إلا ضمن جرائم جنون التعصب والكراهية البغيضة ورفض الآخر الغريب، ومثل هذا هو جديد على شعوب العرب التي كانت تجمعها أواصر الانتماء فتراهم جسد واحد إذا تداعى فيه عضو أصيب كامل الجسد بالإنهيار.

حيث قام هذا المواطن والغريب أنه سائق سيارة إسعاف، بإجبار والد طفل متوفي من المهاجرين السوريين، على نبش قبر طفله الصغير بعمر الأربع سنوات، كان دفن حديثاً في مقبرة القرية، وإخراج جثته خارج المقبرة بحجة ممنوع على الغرباء دفن موتاهم بها لأنها حكراً لأهل القرية، فاضطر المسكين وقلبه يكاد ينفطر حزنا وألماً وذلا، إلى نقل جثمان طفله إلى مقبرة قرية بعيدة عن القضاء، ورأسه يكاد ينفجر غضبا وأسى، والإذلال يتعمق بكيانه الجريح..

مدعيا هذا السائق أنه أخذ الأمر بذلك من قائمقام القضاء وهي امرأة، لتكتمل دائرة الغرائيبة في طبيعة هذه المرأة الرعناء التي بدت عاراً على الأنوثة، حيث عرفت المرأة بالعموم أنها هي مصدر الحنان والرحمة على سطح هذه المعمورة، وقلب الأم فيها يجعلها أكثر رحمة بالأطفال وبالوالدين المنكوبين المكلومين، لكن أنى للرحمة أن تصل لقلب هذه المرأة غير الأنسانة المتحجر قلبها وعقلها والغائب وعيها حد الانسلاخ عن إنسانيتها.. متخذة حجتها أنّ هذه المقبرة لأهل هذا البلد فقط، وباطنها يلفظ كل جثمان غريب بأمر منها.

حادثة بل جريمة فاقت حدود الإنسانية، وحدود التوقع بالغلو في العصبية العمياء، والعنصرية بالجاهلية العوراء، وتعدت على أسمى العواطف والأخلاق الإنسانية، جريمة أقل ما توصف بأن مرتكبها عنصري جاهل لا يليق به أن يكون من البشر المتحضر.

عباد الله اتقوا الله وهو الذي سماكم المسلمين، فمن ابتغى العزة بغير الله أضله الله، فإلإسلام جاء ليرسي دعائم الأخلاق، ورحمة الإنسان بالإنسان، وإكرام الضيف الذي أجبرته الظروف على الهجرة وترك ماله ومتاعه، ويعيش في البلد المضيف ضمن ظروف صعبة نفسيا وإنسانياً واجتماعياً واقتصاديا، لا يعلم بما يعاني غير الله.. فارحموا غيركم يرحمكم الله وارحموا عزيز قوم ذل.. فالدول العربية بلاد تظل المرجل الساخن المتفجر دوما بالحروب، ولا يعلم غير الله متى تدور الدائرة على أحدكم

ألا لا يَجهلن أحدٌ علينا== فنجهلَ فوقَ جَهلِ الجاهلينا

إذا بلغ الرضيعُ لنا فطاماً== تخِرُّ لهُ الجَبابِرُ ساجدينا

وتنبع حالة التمييز العنصري والتفرقة وعدم المساواة من العقول المريضة التي تكتنفها الأوهام وتسكنها التهيؤات، وتحركها جذور عميقة من عمق الأنا الجمعية التي تعد نفسها من الطبقة العليا وما هي كذلك بل أدناها وأحقرها حين تتعرى من إنسانيتها، لكنه التعصب العنصري الذي يعمي عيونها ويغلف أدمغتها، فتصيبها بمرض وضيع لا يليق ببني البشر من المتحضرين، فلا حضارة لأهل السوداويات العنصرية البغيضة، لكن الكلمات التوعوية لا تكفي للتأثير على المرض العضال ومعالجة جذوره، لكن يظل الاعتراف بوجود هذا الفيروس هو الترياق الأولي الذي يفتح باب المعالجة بحجمها اللازم.

فالحقيقة الثابتة أن الجنس البشري على ألوانه وأشكاله ومواقعه من العالم هو الإنسان المخلوق بنفس ميزات التكوين العقلي والجسدي البشري مع بعض فروقات باللون والملامح، فالعالم جميعه هو وحدة كلية للجنس البشري، لا فرق من الناحية الشرعية والإنسانية بين أسود وأبيض وبين عربي وحبشي وبين طويل وقصير، هي حقيقة أبدية نفسية وروحية تعكسها المثل الدينية بجدارة، هم بشر يتساوون ببشريتهم  أمام الله وأمام بعضهم سواسية كأسنان المشط، فليس من قانون على وجه الأرض يجيز منح حقوق الأفضلية أو الامتياز لجماعة بشرية على أخرى، كما ادعى بذلك اليهود وألبسوه زورا على الله العادل الصادق الحق ذو الجلال العظيم، الذي لا يميز لونا ولا جنسا على الآخر.

إن العنصرية تترافق دوماً مع التعصب الأعمى وهو عكس الرحمة والتسامح بالانحياز نحو جهة على أخرى، فإذا كان المتعصب جاهل وحاقد ولئيم فإن العنصري هو شخص قميء مريض موزع للعدوى الخطرة يملك القدرة على استخدام العنف والترهيب والإذلال.

ولست أفهم ما هذا العداء تجاه المهاجرين قسراً، فلبنان على سبيل المثال تعرضت لحرب أهلية في السبعينات أكلت الأخضر واليابس واستباحت كل ما هو وحشي وغير إنساني، فانفتحت لهم سوريا والأردن واحتضنت هجراتهم حتى استقر الحال بوطنهم، ومن المفترض أن يكونوا أكثر بشر الأرض رحمة إنسانية بالمهاجرين، فهل في عصر الانحدار الثقافي والأخلاقي تموت بالإنسان إنسانيته؟.

والحقيقة أن ما ينظم حياة الإنسان، ويهذب أخلاقه، ويروض وحشيته، هي القوانين والأنظمة الصارمة، وتأتي على رأس القائمة تثبيت الايمان باله وبقيمه الإنسانية العليا والتي منها تستمد القوانين الوضعية، فالعقل الضيق يقود إلى التعصب، والعقل المثقف المنفتح على الوعي يقود للعدالة الإنسانية.

سلام عليكم، وعلينا السلام، وسلام لكم ولنا السلام، وسلام ما عدنا نسكن فيه، سلام ما عاد يسكن فينا... فقبول الاختلاف عندنا ليس إلا شكل من اختلاف، فلم لا نعمق باختلافنا الحب والسلام؟


  • 4

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 24 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 01 أكتوبر 2019 .

التعليقات

DALLASH BAKEER منذ 2 شهر
في إحدى المناسبات اطلق نظريته "لا للعنصرية" ..بعد الحفل سألته عن حالنا فبادرني : من اي قبيلة انت !!
رائعة اخت هيام ..مقال في غاية الروعة
3
hiyam damra
شكرا للقراءة الواعية.. شكرا للمتابعة الحافلة بالتفهم وبرد الفعل السريع والجميل

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا