ثقافة العمل لدى اليابانيون.. متى نتعلم منهم ؟!! - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

ثقافة العمل لدى اليابانيون.. متى نتعلم منهم ؟!!

  نشر في 21 نونبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 ديسمبر 2022 .

إنها اليابان أو بلاد الشمس الساطعة من البلدان التي تتسم بثقافة مثيرة للدهشة حيرت بقية الأمم بتقدمها الاقتصادي المذهل، ولكن تحت سطحها المحير يختبئ مجتمع يتسم بالإنتاجية والفاعلية الشديدة حيث يلتزم اليابانيون في العمل بطقوس خاصة نابعة من ثقافتهم الدينية، ومن وجهة نظر الاجانب فان عادات اليابانيون في العمل تبدو وكأنها تتصل بعمق مع ثقافاتهم الخاصة التي لا يمكن تطبيقها في المجتمعات الأخرى، ولكن اذا نظرنا بحكمة فحتى الشعائر الدينية يمكن أن تحتوي مفاهيم قابلة للتطبيق في أي مجتمع، مثل احترام الكبير الاهتمام بالتفاصيل والالتزام الديني بالاستمتاع بعد العمل الشاق.

فاليابان كدولة وشعب تتمتع بسمعة طيبة لدى أغلب شعوب العالم، فسياستها الخارجية يغلب عليها الطابع الإنساني التي تعكس طبيعة وثقافة المواطن الياباني من تسامح وروح جماعية وحب للعمل، وعلى الرغم من أن اليابان دفعت ثمناً غالياً في الحرب العالمية الثانية وتعرضت لأول عدوان ذري في التاريخ راح ضحيته مئات الآلاف من أبنائها، إلا أن الشعب الياباني العنيد والمثابر والمتمسك بأصالته نهض من الحرب بقوة، موقناً أن سر النجاح يكمن- كما ورد على لسان أحد سياسييه في حوار مع الزعيم الهندي نهرو- تحت القبعة في إشارة للعقل المبدع.‏

إن من أهم خصائص الثقافة اليابانية، أن أساسياتها تعتمد على العمل الجماعي والاهتمام المفرط بالمجموعة وليس بالأفراد، وتقديس العمل بالكفاءة، واتخاذ القرارات المبنية على المصلحة العامة، فإذا قمنا بتحليلها أكثر لوجدنا التالي: لدى الياباني حس كبير بالانتماء المؤسسي والولاء، فهو جزء لا يتجزأ من منظومة المؤسسة التي يعمل فيها، والتي تؤمن له الوظيفة مدى الحياة حتى يبلغ مرحلة التقاعد، وخلال هذه الفترة الطويلة لا تخالجه أي رغبة في الرحيل عنها إلى مؤسسة أخرى، لأنه يعتبر ذلك خيانة عظمى.. ولقد أدركوا اليابانيون تلك العناوين العريضة في النشاط فكانت النتيجة قصة حضارة لبلادهم، وسيرة نجاح لشعبهم. فالمراقب لتلك الجزر على كتف المحيط الهادي يجد أناساً يتحركون في سعيهم زرافات وجماعات، ويحتفلون ويفرحون كفريق واحد بزي واحد.

لقد اهتم الكثير من المحللين الاقتصاديين بما حققته اليابان من نجاحات في ميادين عديدة، فعلى سبيل المثال هناك أكثر من 128 شركة يابانية من بين أكبر 500 شركة عملاقة على مستوى العالم، وتمتلك اليابان أكبر فائض تجاري في العالم بالتوازي مع الصين، ويرجع المحللون الاقتصاديون نجاح التجربة اليابانية إلى عدة عناصر منها الإدارة اليابانية الفذة والكفوءة في ميدان الأعمال وقيادة المجتمع الياباني من خلال عناصر ثلاثة وهي الإنسان الياباني المتفوق بحكم تعليمه وتأهيله، والإدارة الرشيدة، والثقافة الإجتماعية التي تقدس العمل.

فبالنسبة للعنصر الأول وهو الإنسان هذا لا يعود قطعاً لأسباب عرقيه وإنما لسبب جوهري هو إيمان الإنسان الياباني بالعلم وقناعته بأنه سبيل التطور والتقدم واستعداده الدائم للتعلم الذاتي والتعمق في الاختصاص العلمي واحترامه لتقاليد وقواعد العمل، أما بالنسبة للعنصر الثاني فـ الثقافة العامة الاجتماعية تتأسس على تقديس العمل واحترامه والروح الجماعية التي يحملها المواطن الياباني واتساقه وانسجامه مع الجماعة واعتقاده أن احترام الجماعة له يتم من خلال عمله المنتج الذي يحتل المرتبة الأولى في سلم القيم، والعنصر الثالث في نجاح التجربة اليابانية وهو الأهم فيكمن في النظام الإداري الذي يقوم على الصرامة في تطبيق القوانين وأنظمة العمل وتحفيز الإبداع والابتكار، وهي العوامل الأساسية في الانجازات العالمية والتكنولوجية والقفزات الحضارية التي حققتها اليابان، ولعل ما يميز الإدارة اليابانية وآلية العمل هو أن العمل لدى المواطن الياباني هو وظيفة مدى الحياة وهذا يخلق لدى العامل شعوراً عميقاً بالراحة والاستقرار والأمن الوظيفي ويقابل الولاء للعمل شعور بالاحترام من صاحب العمل ورعاية وحماية دائمتان يضاف إلى ذلك استمرار البحث والتدريب والإبداع في إطار ثقافة متخصصة ومتجددة تكرس مجد المؤسسة ومقابل ذلك تقوم جميع مؤسسات الأعمال ومنظماتها بدفع مكافآت سخية للعاملين فيها لا تقل عن أجر ستة أشهر وهي لا تدفع على أساس المستوى الفردي لأداء الموظفين بل على أساس أداء المؤسسة بالكامل وانجازاتها، لأن الوظيفة في اليابان لا تعتبر صيغة عقدية من أجل الحصول على المرتب فقط، وإنما وسيلة لتحقيق الذات وتعزيز الهوية في إطار مجتمعي واقتصادي أكبر.‏

إن الموقف من العمل باعتباره وظيفة اجتماعية هو المحرك والمحرض الداخلي للعامل الياباني، وربما كان من أقوى الدوافع على الإنتاجية العالية، ولعل ما تجدر الإشارة إليه وهو من أهم عناصر الانجاز والنجاح الطريقة التي تتخذ فيها القرارات المتعلقة بتطوير عمل المؤسسات والأداء بشكل عام فالقرار- وإن كان يصدر عن مؤسسة عليا أو منظمة - إلا أنه لابد أن يمر عبر قنوات متعددة، أول من يشارك فيها العامل في الشركة أو المؤسسة، ويتدفق القرار من أسفل التنظيم إلى أعلاه مع ملاحظة النتائج التي تترتب عليه وآثاره الاقتصادية والاجتماعية، وتأكيد وجود ضرورة لاتخاذ قرار جديد ولماذا وكيف؟ وبهذا يسعى اليابانيون لتحقيق التوافق والتكامل في دائرة القرار وهم في سبيل ذلك يمضون أشهراً أو سنوات لدراسة القرار، وعندما يتخذ ينفذ بشكل مباشر وسريع بفضل المشاركة الجماعية والقياس والرصد والتحليل، ويطلق اليابانيون على هذه العملية (هارجي) ومعناها هضم الطعام وهي تدل على أهمية التفاعل المشار إليه آنفاً.

وتفضيل اليابانيون للعمل الجماعي يدفعهم في كل تصرفاتهم إلى تقييم الأفراد بناء على تآلفهم مع الفريق وليس بما لديهم من مهارات أو قدرات، ويميلون دوماً إلى تعليل انحيازهم بالجماعات التي ينتمون إليها، كالجماعات السياسية التي تسمى عندهم "هابا تسو" أو الشلل الجماعية أو الأكاديمية التي تعرف بـ "جاكا تسو"!.

وما أروع سياسة خلية النحل عند هؤلاء أصحاب القامات القصيرة والنشيطون منتزعة من مثلهم الشعبي القائل "الظفر الذي يخرج من الإصبع يقع على الأرض"؛ بمعنى أن الذي لا يعمل مع الجماعة يفشل، لذلك تجدهم أقرب إلى التفاخر بالمؤسسة التي يعملون بها، ويضعون شعارها على صدورهم بكل الأوقات، وينظرون إلى عملهم ووظيفتهم على أنها انتماء وهوية ضمن الجماعة أكثر من كونها مصدر لكسب الراتب، وينادون رئيس العمل لديهم بكلمات مستوحاة من ثقافة الأسرة؛ فيسمونه: "أويابوم" ومعناها: "في مقام الوالد"، والرئيس بدوره يسمي مرؤوسيه بـ: "كوبوم" وتعني: "في مقام الولد". بل، ويصل الأمر بهم إلى تأليف الأغاني بالمؤسسات التي يخدمون بها، ويغنوها بصوت عالي لدى كل مناسبة!.

أما على المستوى الاجتماعي والحياة الأسروية فتجدهم يحتفلون في حاناتهم وبعد خروجهم من العمل بشكل جماعي بعيداً عن المحادثات الجانبية الثنائية، ويخصصون يوماً أسبوعياً يخرجون فيه للتنزه أو السياحة خلف مرشدتهم التي تسوقهم وبيدها علماً كفريق من الأطفال الصغار مبتسمين ابتساماتهم الدافئة تلك، وكأنهم وجدوا أنفسهم لتوهم!.

إن التجربة اليابانية تلك هي ما نفتقده في مجتمعنا وهي ما نحتاج إليه؛ فالفكرة القائمة لدينا تركز على قيمة العمل الفردي وبشكلها المشوه؛ فما إن تلتفت حولك حتى تجد أسماء شركات مثل: "شركة فلان وأولاده"، أو "أبناء فلان لصناعة كذا"، أو "إخوان فلان للتجارة والتصنيع" أكثر من ملاحظ، فنحن نعشق عمل المؤسسة القائم على مفهوم "الحاج، أو المعلم أو الفرد".

وإن من أهم ما يميز ثقافة العمل لدي اليابانيون ما يلي:

1) حب العمل : أن العامل الياباني يحب العمل بشكل كبير بل ويقدسه ويقبل على عمله بجد وكأنه يمارس طقوس دينية وهو ينظر إلى مكان العمل على أنه مقدس، ولا ترى في أماكن العمل أي مظاهر للهو أو المرح كما لا تري إلا أشخاص جادين ومنكبين على العمل ويظهر هذا بالأخص في اجتماعات العمل حيث لا يبدي اليابانيون أي نوع من الانفعالات خلال الاجتماعات كما يتكلمون بنغمة منخفضة ثابتة ويستمعون بعناية فائقة وغالباً ما يغمضون عيونهم للتركيز على ما يقوله محدثهم.

2) النظام الاجتماعي واحترام الأكبر سناً: ساعد النظام الاجتماعي والأسري التقليدي والصارم في بناء مؤسسات الأعمال بشكل أبوي حيث يعامل المدراء والموظفون الأكبر سنا بقية الموظفين بشكل أبوي وضمن قوانين أسرية تفرض عليهم احترام الاكبر وتبجيله وبشكل عام يتميز اليابانيون باحترام العلاقات الاجتماعية وتقديسها وبالتالي ينال المدير في اليابان سلطة قدسية يصعب أن يحصل عليها المدير في أي بلد آخر.

3) الانتماء للمؤسسة والتقدم الوظيفي: ينظر الموظف في اليابان إلى المؤسسة التي يعمل بها وكأنها بيته الثاني فما أن ينضم لمؤسسة ما حتى يصبح جزء لا يتجزأ منها ويبقى بها طيلة حياته حيث يتم تقييمه بصورة بطيئة وبدقة كبيرة وترتبط العلاوات والتقدم الوظيفي بمدى التقدم بالعمر والتقدم الوظيفي فنادراً ما ترى مديراً قبل سن الخامسة والأربعين.

4) العمل الجاد ليس أهم من الترفيه عن النفس: بعد ساعات العمل الشاق ينهي اليابانيون يومهم بالمرح وهذا ليس فقط تقليد متوقع بل هو أشبه بواجب ديني، وبينما يكون مكان العمل مقدس وكئيب يخرج اليابانيون في النوادي الليلية مجونهم ومرحهم وبالإضافة الي المهمة التي يقوم بها النوادي ليلية من موازنة العمل الجاد بالمرح يلتقي رفاق العمل فيها ليتبادلوا الخبرات ويعمقوا العلاقات فيما بينهم، قد يعجب الكثيرون من درجة الالتزام بالعمل في ثقافة الأعمال في اليابان إلا أن الغريب هو أن هذه الثقافة تلزم العاملين أن يرفهوا عن أنفسهم بشكل يومي.

والتساؤل الذي يدور في ذهني الآن.. مقارنا بينها وبين الدول العربية ومقارناً بين الانسان الياباني والانسان العربي مهما كان موقعه ومتسائلاً ماذا قدم هذا الانسان العربي لوطنه؟!، ومتى ينهض الانسان العربي من نومه ومتى يدرك المسئولية وينبذ الاتكالية ومتى ينطلق في رحاب العلم والبحث العلمي ومتى يتخلى عن الغوغائية الكلامية؟

الدكتور / رمضان حسين الشيخ.. خبير التطوير الاداري والتنظيمي



  • د. رمضان حسين الشيخ
    باحث في العلوم الإنسانية وفلسفة الإدارة ☆ خبير التطوير الإداري والتنظيمي ☆ استشاري التدريب والموارد البشرية ☆ مدرب مهارات الحياة الذاتية وتكوين الكاريزما الشخصية ☆ إستشاري ريادة وتطوير الأعمال.
   نشر في 21 نونبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 ديسمبر 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم
















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا