إلَيْه - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إلَيْه

  نشر في 15 شتنبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 22 شتنبر 2021 .

 منذ أن جرّبت الكتابة و أحببتها و أنا أحاول.. أحاول أن أكتب عنه أو له، ولو سطرا، ولو جملة، أو حتى كلمة.. لكنني في كل مرة حاولت و أحاول فيها، كنت أفشل و أعجز.

أتذكر أن في أحد أعياد ميلاده كنت قد وعدته بأنني سأهديه نصا مميزاً، حينها الفكرة و طريقة الكتابة كانتا واضحتين جدا، و قد كنت في قمة الحماس لتنزيل فكرتي على الورق و إهدائه ذلك النص. و كما يعرف المقربون، أنا شخص لا يستطيع أن يمسك لسانه إذا تحمس، ففورا ما وجدتني أخبره بالمفاجأة قبل موعدها.

لا زلت أتذكر جيدا حين أمسكت القلم و رُمتُ الشروع في الكتابة، كانت الدموع الشيء الوحيد الذي ملأ دفتري آنذاك. ليلة بأكملها و أنا أجادل لأفي بوعدي و أهديه النص الذي أضحى ينتظره، و لم أجد سوى الدموع نتيجة لمجادلاتي، لم أنم ليلتها و قد اقتلعتُ مقلتيّ بكاءَ لعجزي.

اقتنيت العديد من الهدايا في اليوم الموالي، حتى أنني حضّرت له احتفالا مفاجئا ظانّة أنني بذلك أتلافى تقصيري، لكنني لن أنسى ما حييت وجهه و هو المُتلهّف يسألني في نهاية اليوم بتعجب ممزوج بامتعاض عن النص الذي وعدته، مستبعدا احتمال أني نسيته و هو الذي يعلم يقينا أنني لا أخلف وعدا قطعته له أبدا.

أحسست حينها أن شيئا ما بداخلي اهتز و انكسر و أنا أعلن خيبتي التي حتى و أنا أجهل سببها. و منذ ذلك اليوم و أنا أحمل تلك الغصة و أحاول التخلص منها في كل فرصة، إلا أن الفشل يستمر في اعتراض طريقي.

لم أفهم لماذا، و ها أنا بعد سنوات لا زلت غير قادرة عن شرح سبب هذه الحالة التي تعتريني كلما نويت أن أكتب عنه أو له..

أ ربّما لأنني أحس بأن كل الكلام و إن تنسّق و تنمّق لا يفيه حقّه ؟ و أن كل الجمال و إن تجمع في كل أنواع الكلام لا يضاهي جماله، و كل التعبير و إن فاق البلاغة بقي عاجزا عن إيصال ما أحمله فيّ له، و أن كل الوصف و إن استرسلت فيه مغالِبة مبالِغة ظلّ قاصرا عن تقريب صورته التي في ذهني، و أن كل غزل العالم و إن توحّد ليُكتَب فيه لبدا ركيكاً أجوفاً في حضرته؟ أو ربما لتيقّني بأن دَيْنه عليّ لن أؤديه لا بشِعرٍ أو نثرٍ أو شُكرٍ أو ثناءٍ أو غَزلٍ أو مالٍ أو هدايا و إن كَبُر قَدرُها و غلا سعرُها..

ربما دموعي المنهمرة مع كل محاولة ما هي سوى ترجمةٌ لإحساس التقصير الدائم الذي أحسه تجاهه و أعيش به و معه. ذلك الإحساس الذي لا أظنه سيفارقني يوما و إن بلغت إنجازاتي عنان السماء.

لطالما كانت تقهرني و تؤرقني فكرة أنني لا أستطيع أن أعبر له بشكل واضح عن قيمته في عيني و مكانته لدي، كيف و هو يراني أكتب للكل و عن الكل إلا له أو عنه، أعبر عن كل المشاعر إلا التي أحسها تجاهه..

و هو بطلي و سندي.. رزقي الأكبر و حظي الأوفر.. جانب الدنيا المشرق و جزؤها المضيء.. النعمة الأثمن و الهدية الأغلى.. نصيبي الطيب و حصتي الجميلة من هذه الدنيا.. الدفء الغامر و الكتف الحنون.. الأذن الصاغية و الساعد المنقذة.. الطبيب المسعف و اليد الشافية.. ملاذي الآمن و ملجأي الدائم.. معلمي و قدوتي.. مرجعي و بوصلتي.. حلول مشاكلي و نقطة انتهاء أحزاني.. مصدر الابتسام و ينبوع الفرح في حياتي.. بلسم الجروح و ضمادة الكسور.. هيئة دفاعي إذا هوجمت و جيشي إذا هاجمت.. مرشدي إذا ضللت و موجهي إذا ضعت و خارطتي إذا تهت.. حصني و محصني.. نبراسي المنير و سراجي المتوهج.. صديقي الأوفى و رفيقي الأوحد.. معنى الجمال و تعريف العطاء.. تجسيد الحب و إثبات الكمال.. بهجتي إذا تكدّرت و أملي إذا استسلمت..

فأن تمتلك شخصا يفكر بك و لك قبل أن يفكر بنفسه و لنفسه، بل حتى و أكثر مما تفكر أنت لنفسك.. شخص يحس بك دون حاجة للكلام أو التعبير أو التذمر..

شخص تجتمع عنده حلول جميع أنواع المشاكل و أشكالها، التافهة منها التي لا معنى لها و الكبيرة التي لا مخرج منها أو لها..

شخص بمجرد أن تفصح له عما يعكّر مزاجك و يكدّر صفوَك تغمرك الراحة آنيا من أعلى رأسك إلى أخمص قدميك، دون أن يقدم لك الحلول حتى، لأنك على يقين بأنه سيفعل المستحيل و أكثر ليتقاسم معك ثقل همك إن لم يحمله عنك كاملا بغرض أن تسعد و ترضى فحسب..

شخص دائم الاستعداد لأن يُحرم من كل شيء بغية ألا ينقصك أنت شيئ، دون منٍّ أو جهد منه في ذلك، و كأنه العادي و الطبيعي من الأمر، بل و تجده في أتم الفرح و الرضى و الاقتناع..

شخص تكفيه ابتسامتك ليسعد..

شخص إذا حضر هو، غاب الخوف و تبخر، فهو تعريف الأمان لديك..

شخص موافقته وحدها كافية، إن وافقك على أمرٍ أو مسألة و كل العالم اجتمع ليرفضها، تنفذ كلامه و تتبع رأيه لأنك تعلم يقينا أن لا غيره يحب لك الخير أكثر مما يحبه لنفسه -و سيان إن رفض-..

شخص لا تحتاج إلى الدفاع عن نفسك معه و في حضرته..

شخص يمكن أن يغيب النوم عن عينيه و ينقلب نظامه إن فقط أحس مجرد إحساس أنك تعيش حالة قلق أو تمر بفترة عصيبة، تتحاشى أن تحكي له أو أن تخبره عما يضرك لعلمك بكون ذلك سيثقل كاهله أكثر منك بمراحل..

شخص مستعد دائما لتحدي أي شخص و كل شيء لمجرد أن تحظى بحياة منتظمة لا يعتدي فيها عليك أحد..

شخص عوّدك على العطاء مذ فتحت عينيك على الدنيا إلى الآن، طلبتَ و دون أن تطلب، من دون حساب أو محاسبة.. يعطيك من وقته، من صحته و من مجهوده، من أفكاره، من سعادته، من تعليمه و خبرته وقيمه، من مشاعره و من كل ما يملك، دون بخل أو تقتير..

شخص يدللك في جميع الظروف و في أحلك الأوقات، و هو الوحيد الذي تستبيح أن تطلب منه ذلك لأنه سيفعل بسعادة غامرة..

شخص و إن مللت كل الدنيا و تملّكك السخط من البشرية جمعاء، إن لمحته أو فقط شاركته نفس المكان نسيت مللك و تبدد كل سخطك..

شخص تستطيع أن تجلس و إياه دون حاجة إلى الكلام و تكون في قمة الاستمتاع..

شخص إن شاركته نشاطا أو حديثا لا تحس أبدا بوجود الوقت لا حتى بمروره..

شخص تتحول في حضرته أكثر الأشياء مللا إلى أمتعها و أسعدها..

شخص سيصغي إلى كلامك غير المجدي و قصصك التافهة و يتفاعل معها بكل اهتمام و إن لم يكن في حديثك ما يستدعي ذلك..

شخص يرى الجمال في كل فعل تقوم به و يبصر فيك أشياء حتى أنت لا تبصرها في نفسك..

شخص دائما ما يدفع بك إلى الأمام و يسعى لسعادتك بكل ما أوتيَ من قوة و نفَس..

لَهو حقا من أكبر الأرزاق و أضخم النعم.

من المحتمل أن هؤلاء يمثلون لكم أشخاصا عدة متفرقة، أو حتى ربما لا أحد.. لكن بالنسبة لي هؤلاء كلهم القلييل فقط من أبي.

أبي شخص عظيم بحق.. عظيم جدا ! و كلما عمّرت في الحياة و تقدمت في العمر، زدت يقينا و تَيقُّناً بهذه الحقيقة.

كنت في الماضي أنْقَهرُ و أُغلَبُ كلما أدركت أنني لم أعبّر يوما عن هذا بشكل مباشر - و إن كانت الدنيا كلها تعلم أن والدي هو نقطة ضعفي في الحياة-، لكن مع مرور الوقت، تعلمت أن هناك من الأمور ما يعاش و حسب، و من المشاعر ما يُحس فقط. هي مشاعر لم تُخلَق لأن نعبِّر عنها أو نصِفها. لأننا في جميع الأحوال لن نشعر بها و لن يلامسنا إحساسها إن لم نجرّبها و نعشها. و لهذا، من المحتمل أن يجدني الكثير مبالِغةً بكلامي و فيه. لكن من المؤكد أن كل من عاش مع أبٍ بهذه المواصفات، يعلم علم اليقين أن كلامي ما هو سوى بعض مما يمثّله أبي بالنسبة إلي، فمن المستحيل أن أصفه كاملا أو كما هو..

اليوم ليس عيد ميلاده، و لا حتى يوم الأب العالمي، و لا يصادف مناسبة معينة أذكرها تجمعني به، لكنني وجدتني أسترسل في الكتابة عنه لي. لأنه على ما يبدو و على عكس الشائع و المتوقع، كلما تقدمنا في السن و مضينا في الحياة قدما، زاد احتياجنا لآبائنا و استحال استغناؤنا عنهم، و اكتشفنا أن كل الأيام تصادف ذكريات مميزة تجمعنا بهم و إن لم نؤرّخها.

أحداث مميزة كثيرة تتبادر إلى ذهني الآن لكنني أجهل تاريخها، و لعل، بل مؤكد أن أحدا منها حدث في مثل هذا اليوم.

فإلى أبي الذي كان يمشّط شعري في كل صباح و يجهزني لمدرستي قبل أن يوصلني..

إلى أبي الذي كان يركض تحت المطر الغزير ليلة ارتفعت درجة حرارتي مسرعا نحو المستشفى لينقذني من موت كان وشيكا..

إلى أبي الذي كان يستفيق في كل مرة رأيت فيها كابوسا و استصعبت النوم لوحدي ليهدئ من روعي فأغفو و هو يحتضنني..

إلى أبي الذي كان يغني لي أغنيات بإسمي حتى أنهي طعامي..

إلى أبي الذي كان يحفظ معي أناشيد المدرسة لنرددها سوية..

إلى أبي الذي كان ينهزم عمداً في كل لعبة لأفرح يانتصاري عليه..

إلى أبي الذي و إن كان يغمره التعب لا ينام إلا و قد روى لي قصة ما قبل النوم..

إلى أبي الذي لم يفوت يوما حفلة أو فعالية أو نشاطا كنت فيه إلا و كان بجانبي ليدعمني و يشجعني..

إلى أبي الذي و على الرغم من صغري كان يأتمنني على جميع أسراره بل و حتى على أرقام حساباته السرية..

إلى أبي الذي إذا سافرت، يركّبني القطار أو الحافلة و يركب معي حتى توشك على الإقلاع، لينزل و الحزن في عينيه، ثم يستمر جريا في ملاحقتها لمراقبتي إلى أن أختفي عن ناظريه..

إلى أبي الذي يسهر بجواري إذا مرضت، و يقوم بكل الحيل لآخد الدواء الذي لا أطيق (حتى في سني هذا)..

إلى أبي الذي علمني المشي و الكلام و القراءة و الكتابة و الحساب و كل شيء أجيده الآن..

إلى أبي الذي أدين له بحياتي و بكل تفصيلة مني : هذا النص لك !


  • 10

   نشر في 15 شتنبر 2021  وآخر تعديل بتاريخ 22 شتنبر 2021 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا