الصعود من حفرة الطين ١ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الصعود من حفرة الطين ١

جدال الروح مع الجسد

  نشر في 03 نونبر 2021 .

في قبرِ من الجلد و اللحم المُدَّعَمِ بالعظام و العضلات أعيش، أُبصرُ النورَ و لا أستطيعُ له وصولاً، أرى الحياةَ تجري بي و من خلالي فلا أتذوق منها إلا بقدر ما يستحمله هذا اللحم، أجري معها حيناً، فلا يكادُ يمضي الوقت إلا و هي تسبقني، و أبقى أُلاحقها خوفاً من أن تفوتني، غير أنه كلما ازدادت سرعتي، تمددت المسافة بيننا و توسعت، و لا يمضي الكثير حتى أدركُ أن الحياة فاتتني، و أني لم أعد أملك سوى أن أتابعها بناظِرَيْ و هي تمضي بعيداً، فأُسَلِّمَ أنفاسي الأخيرة بحسرة من لم يُعطَ الفُرصة للحياة.

يُحاصِرُني الموتُ مُنذ ميلادي، فكل لحظة تمرُ علي حياً، مضيئةُ كانت أم معتمة، في صحوٍ أو في نوم، استزدتُ منها أم فَرَّت هباءاً، هي لحظةٌ أُخرى أقتربُ فيها من معانقة الأرض ذلك العناق الأخير، الذي يتداخَلُ أثناءُهُ وجودي بوجودها، و يتشابَكُ فيها امتدادي، لأكونَ أنا الأرضُ التي تنتظر احتضان الآخرين لتتكرر العملية.

أبحث عن مصيرٍ آخر ينتشلني من هذه الدورة العابثة، و المصير البائس، أبحث عن معنى لحياتي التي لم أكد أعيشها، أسمع النداء من بعيد، غير أن أذني هي الأخرى مصنوعةٌ من الطين، أفتحُ عينيَ باحثا عن النور، فلا أرى غير التراب، أمد يدايَ لأجد جوهرة و سط التراب، و يستطيل لساني باحثا عن طعمِ آخر غير طعم التراب، و يبقى كذلك أنفي مدفوناً في نفس التُراب فلا يشُمُ غيره. تلك هي هباتُ الطين الخمسة، و هي نفسها ما يبقيني في سجني الترابي.

كيف أنتظر من الطين و التراب، من اللحم و العظام، أن يكونا معبري خارجهما، و هما السجن الذي أقفل أبوابه على روحي بعيداً عن النور، كيف لخشونة الحجر في تكوين الجبل أن يتعرف على سلاسة المياه إذا جرت في الجدول الذي يجري ليهب الحياة في جنة السهل؟ و هل للظلام أن يدلك على الطريق إلى النور في غير انحساره التدريجي و تهالكه تحت سطوة النور.

هكذا أُدرِكُ إن أدواتي التي أستخدمها يعتريها النقص، و يفترسها الخلل، إذ لا بدأن أربطها بشيء يتجاوز التراب و الطين حتى أستطيع تجاوزهما، و أمد نفسي بالقدرة على تمييز سواهما، إن حُدودَ التجربة و الحس مهما علت لا تستطيع الوصولَ إلا لما يُجَرَّب و يمكن الإحساسُ به، و مبتغاي يتجاوز هذه العوالم المحدودة بحثاً عن غير المحدود، فأي شيء آخر أملكه يتجاوز العالم المنظور إلى غير المنظور؟ أيها يستطيع النفاذ من ستار أسدلته طبيعتي الترابية، و محدودية هذا التكوين الجسدي ليصل حيث تعجز باقي الأدوات؟.



  • عصام
    أحب الكتابة بكل أشكالها
   نشر في 03 نونبر 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا