السرد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

السرد

  نشر في 24 ماي 2022 .

تحيل الدلالة المعجمية للفظة السرد على ثلاثة معان، فسرد الصوم يعني تتابعه، وسرد الشيء أي ثقبه، كما أن سرد الحديث أو الكتاب يدل على سرعة القراءة وإجادة السياق. أما في بداياته الأول ضمن الحقل النقدي فكان السرد مصطلحا جامعا لمختلف تجليات العمل الحكائي التي يعتمدها الروائي أو القاص ليقدم الحدث للمتلقي. فهو نسيج الكلام ،إن شئتَ، لكن في صورة حكي، أو كما يقول الدكتور عز الدين إسماعيل في كتابه (الأدب وفنونه): هو نقل الحادثة من صورتها الواقعية إلى صورتها اللغوية !

وبرأي الدكتور سعيد يقطين فإن السرد فعل لا حدود له، ويمكن أن يمتد ليشمل مختلف الخطابات، سواء كانت أدبية أو غير أدبية. فهو حاضر في الأسطورة والخرافة والحكاية و الملحمة، كما يحضر اللوحة المرسومة والزجاج المزوق والسينما. إنه مرتبط إجمالا بالنظام اللساني أو غير اللساني.

ويقوم الحكي بصفة عامة على ركيزتين أساسيتين هما : الأحداث التي تتناولها القصة، والطريقة التي اعتمدها القاص أو الكاتب عموما ليحكي بها القصة، وبذلك يشكل السرد مدخلا أساسيا لتمييز نمط الحكي مادامت القصة الواحدة يمكن أن تروى بأشكال متعددة، وتخضع لمؤثرات بعضها متصل بالراوي، والبعض الآخر بالمروي له.

ورغم أن ورود السرد بمفاهيم عدة في المعجم العربي يعود إلى فترة مبكرة جدا إلا أن تشكل مفهومه الحديث في حقل الأدب والنقد يعود إلى تزفيتان تودوروف الذي ابتكر عام 1969 مصطلح علم السرد، وجعل منه نظاما لغويا يتضمن حادثة أو سلسلة حوادث على سبيل التخييل. ويتيح لنا إمكانية إدراج تجاربنا المحدودة في الزمان ضمن ذاكرة أشمل هي ذاكرة الإنسانية. غير أن هناك من النقاد من يعتبر أن السرد لم ينتزع الاعتراف به كعلم مستقل إلا بعد صدور كتاب جيرار جينيت " خطاب السرد " عام 1972.

أما مكونات السرد الأساسية فتشمل كلا من الراوي والمروي، أو الحكاية، ثم المروي له. فالراوي هو الشخصية المتخيلة التي يختبئ خلفها كاتب النص، إذ يتوجب عليه عدم الظهور بشكل مباشر في بنية الحكاية.

والمروي وهو السرد والحكاية باعتبارهما وجهين متلازمين لا يمكن وجود أحدهما دون الآخر.

والمروي له، وهو أيضا يمكن أن يكون شخصية ورقية متخيَلة، أو اسما محددا في البنية السردية، أو شخصا مجهولا.

وبما أن لكل مؤلف بصمته الخاصة، ورؤيته المتفردة لنقل الحدث إلى الواقع اللغوي، أمكننا القول بأن السرد هو مجموع آليات اشتغال المكونات الثلاثة السالفة، حسب الشكل الذي يبتدعه المؤلف. لكن على العموم هناك نمطان مألوفان للسرد: النمط الموضوعي الذي يتدخل من خلاله المؤلف في كل تفاصيل العمل السردي، حتى الأفكار التي تدور في ذهان شخصياته، والنمط الذاتي الذي نتتبع عبره الأحداث من خلال عيني الراوي.

لا شك أن السرد مكون حيوي في تراثنا المعرفي العربي، وخزان للذاكرة الجمعية بآلامها وآمالها. وهذا يفضي للحديث عن أنواعه وأشكاله التي تتعدد بقدر اختلاف ممارسات الحكي لدى كافة الشعوب. فلكل جماعة إنسانية سرديتها الخاصة، أي تلك القواعد الداخلية والنظم التي تتفاعل من خلالها مكونات السرد الثلاثة آنفة الذكر.

وإجمالا يمكننا الحديث عن أشكال للسرد نوردها كما يلي:

● السرد المتقدم: يكون بصيغة المستقبل(سـ+ فعل)، وهو أقل أشكال السرد حضورا في تاريخ الأدب لتركيزه على زمن استباقي لم تقع أحداثه بعد. ونجده حاضرا بشكل أساسي في بعض قصص الخيال العلمي.

●السرد الآني : سرد يعتمد صيغة الحاضر المتزامن مع الحكاية المسرودة. وهو أبسط أشكال السرد لبُعده عن التعقيد، حيث تتطابق فيه الحكاية مع السرد، إما عبر سرد حوادث فقط، أو مخاطبة الشخصية لنفسها ضمن قالب مونولوجي.

●السرد التابع أو اللاحق: ويمثل النمط التقليدي للسرد الذي يعتمد على ذكر أحداث وقعت في الزمن الماضي. وهو أكثر أنواع السرد شيوعا وارتباطا بتقاليد الحكي في كل مكان. وخير مثال على ذلك تلك المقدمة التقليدية العجيبة : " كان ياما كان في قديم الزمان، وسالف العصر و الأوان.."

● السرد المدرج : يرد في ثنايا الزمن الحكائي، ويمكن اعتباره أكثر أنواع السرد تعقيدا، ويبرز بشكل واضح في الأعمال الأدبية القائمة على تبادل رسائل بين شخوص العمل السردي، حيث تصبح الرسالة وسيطا للسرد، وركنا في العقدة يُحدث تأثيرا في المرسل إليه.

ولكون الزمن السردي لا ينضبط على إيقاع واحد بل يسمح بأشكال من التراكب والتداخل، فإن الزمن يفضي للتمييز بين أشكال للسرد على النحو الآتي:

● سرد متسلسل، يعتمد النظام الخطي للزمن في تصوره للأحداث، ويجري اعتماده في نصوص السرد التاريخي، حيث يحكي السارد الأحداث وفق الترتيب المتدرج لوقوعها.

● سرد متقطع، لا يحترم التسلسل المنطقي للأحداث؛ فقد يشرع السارد في تقديم الحكاية انطلاقا من آخر حدث، ثم ينتقل إلى حدث وقع في البداية بشكل يُعمق الفارق بين زمن السرد وزمن الحكاية. وهذا النوع من السرد يهتم بتقنيات عديدة منها الحذف، والاسترجاع، والتلخيص وغيرها.

● سرد تناوبي : ينبني على مجموعة من الحكايات أو القصص التي يحكيها السارد بالتناوب. لكن يتطلب الأمر وجود سمات مشتركة بين الشخوص و الأحداث.

ويُجري الدكتور عز الدين إسماعيل تقسيما آخر لأشكال السرد يحدد من خلاله ثلاث طرائق: الطريقة المباشرة أو الملحمية، وفيها يتحول الكاتب إلى مؤرخ يسرد من الخارج. وطريقة السرد الذاتي التي يجعل فيها من نفسه أحد شخوص القصة فيكتب بلسان المتكلم. ثم طريقة الوثائق التي تتحقق فيها القصة عن طريق يوميات أو خطابات أو وثائق مختلفة.

يتمتع السرد بخصائص عديدة أسهم التراكم المعرفي النقدي في الكشف عنها وتحديد خصائصها وتقنياتها. ومن أهم هذه الخصائص :

● السردية، ومهمتها نقل الأحداث التي تقع في الحكاية عن طريق الراوي.

● الانتباهية، ترد في بعض الخطابات على شكل اتصال يدشنه السارد مباشرة مع القارئ، كأن يقول في الحكاية الشعبية : " قلنا يا سادة يا كرام...".

●الاستشهاد ، إذ يهتم السارد أحيانا بصدق الوقائع ودقتها عن طريق إثبات المصدر الذي استقى منه معلوماته.

● الإفهامية أو التعبيرية: وترد عادة في الروايات الملتزمة أو العاطفية، حيث يحرص السارد على إدماج القارئ في عالم الحكاية ومحاولة إقناعه أو تحريك عاطفته.

●الإبلاغية، ويهتم السارد من خلالها بإبلاغ رسالة للقارئ، خاصة تلك التي تتضمن معنى إنسانيا أو مغزى أخلاقيا.

●الإيديولوجية، يكشفها تعليق السارد على بعض الأحداث، وقد تتكفل بها إحدى الشخصيات.

●انطباعية، تُظهر المكانة المركزية للسارد حين يهتم بكشف انطباعاته ومشاعره الخاصة.

ويحدد الدكتور عبد الفتاح كيليطو خصائص تميز السرد، ويعتبرها قواعد أساسية لتصنيف أي نص في خانة النصوص السردية:

أولا، تعلق السابق باللاحق: بمعنى أن النهاية تتحكم في كل ما يسبقها، وحرية السارد تتجلى فقط في اختيار النهاية، وبمجرد قيامه بهذا الاختيار فإنه يصبح أسيره ولا يمكنه الإفلات من زمامه.

ثانيا، الارتباط بين تسلسل الأحداث ونوع الحكاية: فهناك أنواع من الحكاية تفرض جدولا معينا من الأحداث ينبغي على السارد احترامه. وهذه الخصيصة واضحة في الحكايات الشعبية والمقامات التي تحترم التسلسل الثابت للأفعال السردية الثابتة كما أرساه بديع الزمان الهمذاني.

ثالثا، العُرف والعادة وأفق الانتظار: فلكل نوع سردي عُرف خاص به؛ والسارد مُلزم باحترام هذه الاعتقادات وتوجيه السرد حسب مقتضاها.

وختاما فإن السرد يشهد تحولا عميقا في ظل التطور الذي تشهده النظريات النقدية، وتبلور مقاربات جديدة تسعى إلى تسليط المزيد من الضوء على البنى العميقة المتحكمة في السرد، وكشف دلالاته. 



   نشر في 24 ماي 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا