موزار في حيّنا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

موزار في حيّنا

  نشر في 08 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 11 نونبر 2019 .

موزار في حيّنا

في منتصف الستينات من القرن الماضي، شيّدت شركة فسفاط قفصــة مساكن لعمّالها سمّتها الحي العمّالي. بـــدا في السنوات الأولـــى لتشييده حيّا جميلا. فهو بالمقارنة مع الأحياء الشعبية الأخرى حيث يقيم العمّال نظيف مستقيم الأنهج وواسعها، أبيض الجدران أزرق الأبواب والنوافذ... كان العمّال يتهافتون على الإقامة فيه، حتّى أنّ سي المنصف الجريصي المكلّف بتوزيع هذه المساكن على العمّال صار يقبض الرشاوي من العمّال الفقراء حتّى يظفر الواحد منهم بمبتغاه.

وسي المنصف هذا شخص قميء تقوّس ظهره من فرط طول قامته ونحافتها. وتزداد هيئته غرابة بحرصه على جعل رأسه مرفوعا دائما، بينما مؤخّرته تبرز إلى أعلى وهو يمشي... تكاد لا تتبيّن له ملامح واضحة بسبب شعره الذي لا يستقرّ على تسريحة وآثار الجدري على وجهه ونظارتيه الطبيّتين السميكتين الداكنتين اللتين لا تظهر من خلفهما سوى خرزتين صغيرتين تتحرّكان دون هوادة. يده اليمنى لا تفارق جيب بنطلونه ومن مكانها ذاك كثيرا ما يسوّي بها وضع ما بين فخذيه...

كان منزل سي المنصف بالحي الأوروبي حيث يسكن المهندسون الفرنسيون وكبار موظّفي الشركة من التونسيين، مزارا لزوجات العمّال وأمّهاتهم محمّلات بالزرابي التي ينسجنها وراء سدّايات سقائف بيوتهم الخربة في أحياء نزلة السوافة والكسيلة ولاقار (المحطّة) وبالدقلة في عراجينها المهداة من الأقارب في الجريد والتي يحرمن منها أطفالهن... ولأنّ للشعب الكادح بلاغته النابعة من معاناته اليومية، فقد استبدل الناس تسمية الحي العمّالي بعبارة "الملاجي" ومفردها ملجى ويستخدمونها بصيغة المؤنّث، كأن يقولوا ملجتنا قبلية أو ظهرية أو قريبة للشارع الرئيسي... ولم أنتبه إلى ما في هذا التعبير من بلاغة إلاّ لمّا كبرت وتفتّحت عيناي على ما يميّز تلك المنازل من ضيق في غرفها وانخفاض في أسقفها. أذكر أنّ أبي كان لا يستطيع دخول المطبخ إلاّّ مطأطأ الرّأس، وأنّه كان يمدّ يده فيسحب أغراضا من سطحه. أدركت حينها أنّ مفرد الملاجي هو الملجأ وليس الملجــى. ومع ذلك، كان أبي يباهي أخته وأقاربه كلّما زارونا من الجريد بذلك القصر المكوّن من ثلاث غرف طول الواحدة ثلاثة أمتار وعرضها مترين ومطبخ مكعّب الشكل مترين بالعرض على مترين بالطول على مترين عمقا وأخيرا بيت راحة مترا على مترين. والكلّ مجمّع حول حوش مستطيل بخمسة أمتار على ثلاثة. كان أبي لا يقبل في قصره ذاك أيّ نقد أو انتقاص. ويصـــر على أنّه سيصير افخم وابهى بعد توسعته بالتمدّد أربعة أمتار في عمق الشارع، حيث ينوي إقامة حديقة تشبه حدائق الحي الأوروبي المزهرة والظليلة...

مثّــل ذلك الملجأ بالنّسبة لنا عشّا دافئا في طفولتنا، ولم نكن نشكو من ضيقه. فلا أثاث لنا حتى يضيق به البيت. ولم نكد ندرك سن المراهقة حتى غادر أغلبنا البيت، بعد الزواج المبكّر لأخواتي الثلاث وإقامتي بميبت المعهد منذ التحاقي بالإعدادية.

نفّذ سيدي مشروعه بالتمدّد الخارجي ومثله فعل جميع الجيران فتقدّموا بأقدار متفاوتة وأقاموا أسوارا إسمنتية رمادية منحنية ومتمايلة من ناحيتي الشارع الذي تراجع عرضه من أحد عشر مترا إلى اقل من ثلاثة أمتار متعرّجة تجري فيه ساقية تجمّع مياه الغسيل والطبخ وتتكوّم أمام أبوابه أسطل القمامة. غرس سيدي في الحوش توتة نمت بسرعة فظلّلته بالكامل حتّى صارت جذورها المتمدّدة أفقيا وعموديا تهدّد بهزّ الأساسات وشقّ الجدران. لكنّنا احتفظنا بها لأنّها كانت تخفّف علينا قيظ الصيف الخانق. وفي المساحة الخارجية زرع تينة نمت هي الأخرى بسرعة لافتـــة رغم وجودها بجانب حفرة الصرف الصحي وتعود امي على سكب مياه الصابون في حوضها. وكانت تثمر تينا ألذّ من تين الجنّة. كما نبتت مستندة على السور الخارجي زيزفونة تغمر الحي بعبق أزهارها الصفراء فتغطّي على رائحة القمامة والسواقي الآسنة وتجعل ليالي صيفنا المقمرة ساحرة بهية ونحن نيام تحت أغصانها نعدّ النجوم ونسمع صعلكات شباب الحي وأغاني أم كلثوم المنبعثـــة من الراديوهات.

وكما نبت التين والزيزفون والتوت والكروم في بيوتنا، نبت كذلك الأطفال ونبتت أيضا العلاقات والنجاحات والخيبات والزيجات والطلاقات والإشاعات والأسرار والفضائح والخصومات والجرائم والأمراض والوفيات... كان الداموس يقصف بين الحين والآخر عمر واحد أو أكثر من أرباب الأسر، فنتكوّر على بعضنا البعض نائحين حتى يهدأ الألم ويندمـــل الجرح ولا تلبث الحياة أن تعود إلى طبيعتها...

لا أحد يعرف أيّة ظروف أجبرت ذلك الغريب المتزوّج من فرنسية تكبره سنّا على الإقامة في حيّنا... لم نكن نعرف عنه الشيء الكثير لأنّه لم يكن يتعامل مع أحد... كان سي عبد الكريم أسمر البشرة دميم الوجه ولكنّه كان أنيق المظهر، حليق الذقن فوّاح العطر.

ما الذي دفع ذلك الغريب الذي يبدو ثريا إلى الإقامة في حيّنا الشعبي المتواضع؟ كيف يقبل من هو متزوّج من أوروبية ويملك سيارة من نوع DS، تلك السيارة الأنيقة الشكل والتي ترتفع عن الأرض كلّما اشتغل محرّكها وتبرك كأنثى الديك الرومي كلّما توقّف المحرّك عن الدوران، كيف يقبل مثل هذا الشخص أن يقيم في ملجأ؟ هل تعامل مع سي المنصف؟ كان أغلب سكّان الحي يرجّحون أنّها إقامة عابرة... أشاع بعضهم أنّه من أصل مغربي كان يقيم بفرنسا. شجّعهم على ذلك لون بشرته القمحي الشائع لدى المغاربة. وقال آخرون أنّه جزائري استقرّ بجهتنا استعدادا لبعث مشروع على المنطقة الحدودية... ولكن أيّا كان الحال، فمجرّد قبوله أن يسكن في حيّنا جعله محبّبا إلينا. لقد رفعت سيارته الدي آس وهي راسية أمام بيته من قيمة حيّنا... كان سي عبد الكريم يغادر بيته صباحا باتّجاه قفصة على متن سيّارته ... يصطحب معه زوجته كلودات في الغالب. ولكن لمّا يصادف أن لا ترافقه إلى قفصة، نهجم على بيتها نحن الأطفال مدفوعين بفضولنا كي نعرف من تكون هذه السيّدة الشقراء ومن يكون زوجها. نطرق الباب لنطلب ماء ونحن نتطلّع إلى الداخل حيث ينط كلب كانيش رمادي. ولكنّها كانت تبتسم في وجوهنا بلطف ثمّ تغلق الباب. نتجمّع حول سي عبد الكريم صباح الأحد وهو يغسل سيّارته أمام البيت، فلا يفعل أكثر من أن يبتسم لنا بلطف ومودّة...

أفقنا يوما على صوت موسيقـــى غير مألوفة تنبعث من بيتهما. موسيقى بطيئة ومهيبة، تفرض الصمت والتأمّل... لما كبرت عرفت انها تسمى الموسيقى السمفونية. تسمرت أمام البيت أنصت لتلك الموسيقى الآسرة وأتطلّع إلى ما يدور في الداخـــل من حركة... وما إن فتـــح الباب حتّى اندفعت دون استئذان... كان البيت نظيفا مرتّبا. وكان سي عبد الكريم مرتديا بدلة سوداء أنيقة تحلّيها ربطة عنق ويضع نظارات سوداء. وإلى جانبه وقف شخصان غريبان خمّنت أنّهما مهندسان فرنسيان من الحي الأوروبي. كانت هناك باقة أزهار صفـــراء كبيرة موضوعة على سطح طاولة تتوسّط الحوش... وفي زاوية من الحوش أقعــى كلب الكانيش مرخي الأذنين لا يبدي حراكا... فهمت بحدس الأطفال أنّ حدثا جللا قد حصل... وطاشت عيناي تبحث بفزع عن زوجة سي عبد الكريـــم المسيحية... مال عليّ سي عبد الكريــم بهدوء ووشوش في أذني: توفيت كلودات البارحة...

يومها، فهمت أنّه يمكننا أن نحزن على موت عزيز دون صراخ ودون تمزيق لثيابنا ولطم لوجوهنا وخدش لخدودنا....

ومن يومها لم أر سي عبد الكريم ولا سيّارته الدي آس ولكنّني لا أزال أسمع موسيقـــى قدّاس الموت لموزار Requiem de Mozart تتردّد في أذنـــي...


  • 1

   نشر في 08 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 11 نونبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا