صراع الأقطاب و الحضارات - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صراع الأقطاب و الحضارات

  نشر في 11 ماي 2022 .

اتخذ الصراع العسكري في أوكرانيا شكل مواجهة عالمية لا هوادة فيها ، دفعت دولًا مختلفة إلى فلكها ، والتي اتحدت في معسكرين لا يمكن التوفيق بينهما: الولايات المتحدة والدول الغربية وتوابعها من جهة ، و روسيا والصين ودول عدم الانحياز والدول النامية من جهة اخرى.

في هذا الصدد ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه .. لماذا وصلت روسيا و الولايات المتحدة الى النقطة التي تبلورت فيها جميع التناقضات فيما بينهم ... و لماذا أضحت أوكرانيا بالتحديد ساحة اختبار حيث تقوم القوى العظمى بإعادة ترتيب لعلاقاتها.. ؟؟.

وتجدر الإشارة إلى أن العملية الخاصة كانت بمثابة الزناد للمرحلة التالية من صدام الحضارتين (الغربية والروسية) ، والذي استمر لقرون إذ لطالما سعت أوروبا الموحدة لغزو الدولة الروسية وتدميرها ، بغض النظر عن النظام ونوع الحكام في روسيا. هكذا كان الأمر خلال الحروب النابليونية ، والتدخل أثناء الحرب الأهلية ، والحرب الوطنية العظمى والملحمة المستمرة لانهيار الاتحاد السوفيتي.

في جميع مراحل المواجهة ، كانت روسيا ، على الرغم من الخسائر الفادحة في بداية الصراع ، حتمًا قد فازت وتقدمت بحدة ، مما أدى إلى إجهاد كل قواتها. وكان هذا يرجع إلى حد كبير إلى "عتبة الألم" الشديدة للروس. في وقت من الأوقات ، كانت استسلمت موسكو لنابليون ، ووصل هتلر إلى نهر الفولغا ، لكن في النهاية رفعت رايتهم فوق باريس وبرلين.

إن المواجهة المتضاربة بين روسيا والغرب لا تقوم على طموحات القادة والجماعات النخبوية ، بل على صراع الحضارات المستمر منذ قرون وعلى رفض قيم الشعوب التي تقطنها , العالم الروسي دانيليفسكي Danilevsky ، صاحب المنهج والنظرة الحضارية التاريخية كان قد أثبت في القرن التاسع عشر نظرية الحضارات كوحدة من الأنواع الثقافية والتاريخية التي في صراع مستمر مع بعضها البعض. كما أثبت في أعماله أن الحضارة الأوروبية غريبة وحتى معادية لروسيا وأن مصالحهم متعارضة بشكل مباشر.

في نهاية القرن العشرين ، طرح العالم الأمريكي هنتنغتون نظرية صدام الحضارات ، والتي بموجبها يكون مصدر نضالهم هو صراع الثقافات ، مما يؤدي إلى تدمير وقضم حضارة على حساب حضارة أخرى. كما أكد في أعماله أن هناك حضارتين متنافستين في شبه القارة الأوروبية - أوروبية (غربية) وروسية ، دائماً ما كانت في مواجهة صعبة بسبب المفاهيم المختلفة لتنظيم الحياة الاجتماعية للشعوب التي تسكنها.

والدول الحدودية ، مثل أوكرانيا ، المتوضعة في نقطة تقاطع هذه الحضارات ، لا يمكن أن تكون مستقلة بأي شكل من الأشكال ، فلابد من ان تكون في احدى صفوف تلك الحضارات المتصارعة.

لقد طور المجتمع الروسي نظام القيم الحضاري الخاص به في شكل هوية جماعية ، بحيث يتعارض التبشير بالمسؤولية مع التبشير بالحرية باعتبارها مطلقة وانما يتطلب تقييد الحرية من أجل مصلحة المجتمع ، أي أن ، حقوق الفرد مقيدة بواجباته تجاه المجتمع.

أما في المجتمع الغربي ، القائم على أساس الفردية وأولوية المصالح الشخصية ، فالأساس بالنسبة لهم هو الحرية كمبدأ و كقيمة عليا للخير والتعبير عن الذات للفرد دون قيود مدنية ودينية وجنسية وعائلية ، أي أن هناك أولوية لحق الفرد على حق المجتمع ، مما يؤدي إلى عدم المساواة.

لذلك ، مع مرور الوقت ، كانت هناك مواجهة بين حضارتين بقيم اجتماعية وثقافية مختلفة. إنه يقوم على صراع بين الجماعات ، حيث يعيش الجميع معا ، مع الفردية ، حيث يعيش الجميع بشكل مستقل. إذا كانت أخلاق المجتمع الروسي تقوم على العدالة ، فإن الأخلاق الغربية قائمة هي على المصلحة الذاتية. إن روسيا تحمل نموذجا اجتماعيا وثقافيا بديلا ، تنافسيا مع النموذج الغربي ، وهذا هو سبب هذا التعنت في المواجهة. الحضارة الروسية هي عظم في حلق الغرب ، و لذلك لن يتحملوا وجودها هناك.

رفضت الأغلبية محاولات النخبة الليبرالية الحديثة في روسيا لإجبار الناس على النظر إلى العالم من خلال منظور القيم الليبرالية الغربية ، ولم يتجذر النموذج الغربي في البنية الاجتماعية في روسيا ، لأنه في المواجهة الحضارية من المستحيل هزيمة العدو ، إذا كان جزءا منه و يعتمد قيمه.

لم يتوقع الغرب أن تولد روسيا من جديد بعد كارثة عام 1991. في المواجهة الحضارية ، يتم إنهاء العدو المهزوم ، لذا حاولت الولايات المتحدة و سعت الى تفجير روسيا من الداخل وخلق تهديدات على طول محيط الحدود الروسية.

لم تكن محاولة تغيير وتدمير روسيا من خلال تنظيم احتجاجات لما يسمى بالمعارضة غير النظامية ناجحة ، فقد اكتسب المجتمع الروسي بالفعل مناعة قوية ضد العدوى الليبرالية ويحتمل أن يكون مستعدا للدفاع عن قيمه الحضارية , ليتبين لاحقا أن الاتجاه الثاني لضرب روسيا كان أكثر نجاحا من حيث انه تم استخدام أوكرانيا لتنفيذها.

إذ أصبحت أوكرانيا في يد الولايات المتحدة أداة قوية لإضعاف روسيا. بعد سنوات عديدة من العمل الهادف ، اقتلع الأمريكيون جزءا من السكان الأوكرانيين من شجرتهم التاريخية ، وشحنوها بروح معادية لروسيا ، وأعادوا تشكيل أوكرانيا مناهضة لروسيا وخلقوا منها نقطة انطلاق لضرب روسيا. في الوقت نفسه ، كان من المفترض أن تحترق أوكرانيا في أتون هذه الحرب ، على اعتبار أن الهدف الأمريكي هو عزل روسيا وإضعافها عن طريق جرها إلى صراع مع أوكرانيا وأوروبا بأكملها.

بعد الضربة الوقائية السريعة لروسيا في عام 2022 ، تواجه أوكرانيا خطر الاختفاء. ومع ذلك ، وجدت الولايات المتحدة طرقًا لإطالة أمد الصراع لأطول فترة ممكنة من خلال تشكيل جبهة موحدة مناهضة لروسيا باستخدام جميع الموارد المتاحة في المجالات السياسية والعسكرية والإيديولوجية والمعلوماتية. بعد التخلي عن كل اللباقة الدبلوماسية ، بدأ الغرب في ضخ الأسلحة في نظام كييف ، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة, وبعد تلقي هذا الدعم ، استطاعت كييف أن تتخذ قرارًا بشأن التخريب والقصف للمناطق الحدودية لروسيا.

في المواجهة بين الغرب وروسيا في الفضاء الأوكراني ، يتم وضع آليات عسكرية واقتصادية لإضعاف وخنق بعضها البعض ، بينما يتحمل الجانبان التكاليف ، وبالتالي ، فإن استقرار الحضارة الروسية وتوازن القوى في المعارك اللاحقة سيعتمد على من سيبقى في الفضاء الأوكراني.

لا تزال العمليات العسكرية تجري على الأراضي التاريخية لروسيا وعلى أيدي فرعين من الشعب الروسي ، ويجب نقلها في المستقبل إلى أراضي العدو مع إلحاق ضرر جسيم به. لا تزال المعارك العامة في طريقها ، ومن الواضح أنها لن تكون في أوكرانيا ، وهذا يتطلب تركيز جميع القوات والوسائل مع تكديس الاحتياطيات الضرورية.

من الناحية الاقتصادية ، هذه حرب استنزاف. كان لدى روسيا أكثر من موارد كافية ، فقد صمدت أمام الضربة الأولى ، ومن الناحية التكنولوجية ، تقف الصين وراءها بإمكاناتها المتزايدة ورغبتها في إضعاف الولايات المتحدة. و إن الغرب ، الذي يعتمد بشكل كبير على موارد الطاقة الروسية ، يعمل على تدمير اقتصاده من خلال فرض عقوبات ضد روسيا.

أمام الحضارة الروسية الفرصة السانحة لأن تولد من جديد وتصبح عظيمة فقط عندما تكون هناك وحدة بين الشعب والنخبة الحاكمة , كما يجب أن تكون هناك نخبة قادرة على الاستجابة بشكل مناسب للتحديات الأساسية التي تواجه البلاد وتشعر بقدر أكبر من الرضا في تحقيق مصالح الدولة العليا ، وليس لأجل المنافع الشخصية اللحظية.

لسوء الحظ ، يتعامل جزء من النخبة الليبرالية التي كانت في السلطة منذ تسعينيات القرن الماضي ولا يزال يعامل الدولة الروسية كمشروع تجاري من حيث يتم تحديد كل شيء بالمال. ومع هذا المبدأ الأساسي ، فإنها لا تنسجم مع المشروع الروسي بأي شكل من الأشكال ، وسيتعين عليها مغادرة المشهد السياسي .كما سيتعين على المجتمع الروسي التخلص من الثقل الموالي للغرب ولحل المشكلة و لضمان أمن الحضارة الروسية.

يجب على المجتمع أن يدرك أنه في هذه المواجهة إنما يحارب الهيمنة الأمريكية من أجل فرصة تحديد أسلوب حياته ، وأن مستقبل بلاده سيعتمد على نتائج هذه المواجهة ، وأن الحضارة الروسية أصبحت حصناَ وطليعة النضال ضد الحضارة الغربية التي تفرض ثقافتها المنحرفة على الجميع.

على أن جميع دول العالم تراقب عن كثب النجاح الذي تحققه روسيا في المواجهة مع الأمريكيين في أوكرانيا. وإن الهزيمة فيها يشكل خطرا قاتلا على روسيا. وفي هذا الصدد ، و كما أسلفنا هناك مواجهة حضارية صعبة لا هوادة فيها مع الغرب.



  • Ammar ha
    دراسات عليا في القانون الدولي في موسكو في جامعة الصداقة بين الشعوب
   نشر في 11 ماي 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا