بين سطوة الحرف وجبروت الكاميرا .. نظرة على فيلم "Dune "الجزء الأول - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين سطوة الحرف وجبروت الكاميرا .. نظرة على فيلم "Dune "الجزء الأول

  نشر في 19 يونيو 2022  وآخر تعديل بتاريخ 26 يونيو 2022 .


تحفة سينمائية رائعة، واقتباس موفق من الرواية، ومحاكاة دقيقة لشبكة أحداثها وشخصياتها. لقد عرف المخرج دينيس فيلنوف كيف يحول عملا أدبيا مثقلا بالمعلومات الغزيرة حول عالم متخيل لايشبه عالمنا هذا إلا في الإسقاطات التاريخية والمحاكاة الاجتماعية والسياسية، إلى عالم يُرى ويُسمع في عمل سينمائي مميز، وعرف كيف يخرج منه بزبدة الزبدة بل بقشدة سمعيةبصرية ولا أروع.


فيلم "Dune"


لاحظت كيف وظف فيلنوف مع فريقه زخم المعلومات بطريقة ذكية شكلت معالم العالم في الألفية الحادية عشر بوضوح تام ، وكيف كان وفيا لكل شاردة وواردة في أغلب المشاهد ، إلا تلك التي سقطت مع بلاغة الإيجاز السينماتوغرافي والسرد البصري، وتلك التي آثر فيها الارتهان لتصوره الخاص. هناك تفصيل غريب لا أدري لماذا خالف فيه المخرج الكاتب ، تتعلق بعالم البيئات الكوكبية الإمبراطوري "لييت كاينز" ، في الرواية رجل وفي الفيلم امرأة !

لم أفهم على وجه التحديد سبب هذا الاستبدال، مع أن مشاهد هذه الشخصية محدودة وحضورها لايصل الى عمق الأحداث وتشابكها !

لا علينا مايهم هنا هو التجسيد البصري لكل أفكار فرانك هربرت باحترافية تامة، بدءًا بذبذبات دروع الطاقة أثناء القتال، مرورا بالمطراق الذي تستدعى به الديدان وصوته المميز ، إلى تصميم الدودة نفسها، إلى قوة الصوت الذي لا يمكن تصور طبيعتها إلا من خلال الفيلم، وغيرها من التفاصيل الشيقة التي تضمنتها الرواية.

هناك بعض المشاهد غير المقنعة كمشهد وفاة كاينز، وفاة جاميس، مشهد قتال جيسكا وستيلغار و مشهد مقتل دانكن آيداهو، هنا أعتقد أن المخرج آثر الإذعان لتصورات فرانك هربرت دون الخروج من بوتقة رؤيته ، لهذا جاءت هذه المشاهد واللقطات بنوع من الملحمية المفتعلة أحيانا، وبين ضعف أدائها أحيانا أخرى، هنا كان للمخرج الخروج عن طوع الكاتب وتفعيل معايير الألفية الثالثة وليس معايير الستينات..!

من الناحية الفنية خيال على خيال، وفخامة على فخامة ، وعظمة على عظمة، الإنتاج الفني كان خارقا صراحة، من ناحية تصميم المدن ،الأماكن، الديكور، الملابس، والأدوات والطائرات ، تصاميم غير مسبوقة ومبدعة ولا ترتهن لأفكار سابقة تم اجترارها وبالأخص فيما يخص سفن السفر عبر الفضاء التي تمتلكها النقابة !

أما الأورنيثوبتر فقد كانت مزيجا من إبداع المصممين وبين فكرة فرانك هربرت نفسه ،كما وصفها تماما !

من الناحية الفنية أيضا ، لم يرقني توضيب المشاهد الحاسمة ، كنت أحس بنوع من الفتور في إيقاع المونتاج الذي تطلب السرعة مثلا في لحظات القتال أو الهروب، لم يكن هناك تركيز على هذه النقطة.

وأما الموسيقى ، فقد أبدع هانز زيمر في إخراج أجمل ما لديه لإكمال اللوحة ، الموسيقى كانت عميقة جدا ، تناسب البيئة الصحراوية التي تدور فيها أحداث الفيلم ، كما اقتبس من موسيقى القرب الاسكتلندية التي اعتمدها كرمز لعائلة أتريديز ، ولم ينس توظيف الصوت البشري بشكل هادئ تارة وعنيف تارة أخرى تماشيا مع تموجات الموسيقى وتباين السياقات، هانز زيمر بموسيقاه فقط صنع كوكبا موازيا لأراكس..!

لقد آثر فيلنوف استعارة صحراء الأردن ليرينا صحراء أراكس ، وشرق نحو بودابست ليدهشنابقصور كوكب كلادان، ولم تدخر شركة وارنر براذرز دولارا واحدا في إخراج الفلم في أجمل مايمكن أن يكون ، 165 مليون دولار كانت كافية لتجسيد ماكان يجول في خاطر فرانك هربرت  بالتفصيل الممل.


مشهد يخلب العقل

مشهد "سالوسا سكونداس"


من أجمل المشاهد التي تفوق فيها الفيلم مشهد كوكب السجن الإمبراطوري "سالوسا سكونداس " هذا المشهد غير موجود في رواية فرانك هربرت ، هو فقط محض تصور خالص من خيال المخرج دينيس فيلنوف، عرض فيه ظروف تأهيل جنود الساردوكار في كوكب السجن الإمبراطوري "سالوسا سكونداس" .

فرانك هربرت أعطى مجرد لمحات عن قوة الساردوكار وتدريبهم، سجناء يقاسون ظروفا غير إنسانية تحولهم إلى مقاتلين بارعين، رغم أن نسبة النجاة في هذا الكوكب ضئيلة، من بين 13 فردا ينجو ستة فقط .. !

لقد اختار المخرج خامة الصوت في الأغاني المغولية التقليدية المشهورة في آسيا الوسطى لتجسيد ترانيم دينية وتقديم الولاء للامبراطور شادام الرابع على الكوكب، مما أعطى المشهد مساحة واسعة من الغموض والرهبة .

تقول الجملة الأولى من الترنيمة: " الأحلام ماهي إلا رسائل من الأعماق".

تتمدد لقطات المشهد لتوضح بشكل مقتضب جانبا من المعاناة التي تشكل جنود الساردوكار بإضاءة خافتة وجو ماطر مهيب تقشعر له الأبدان، ليأتي الحوار بين منتات الهراكنة وقائد الساردوكار الذي يتضمن مفاوضة لدعم الهراكنة ضد الاتريديز، الحوار نفسه تضمن إحالات إلى أسطورة تفوق الساردوكار وقوتهم.


"جيسيكا" الأم الملهمة

الليدي جيسيكا


بدون أي مشهد خادش واحد استطاع فرانك هربرت ومن بعده دينيس فيلنوف تقديم نموذج نسائي حري بالاقتداء، ، يبتعد عن ابتذال الصورة التي راجت للنساء القائدات والملهمات اللواتي يقدمن في الأعمال الفنية على أنهن مجرد دمى أو أسيرات الجسد والغرائز.

شخصية الليدي جيسيكا تستحق الوقوف عندها طويلا سواء في الفيلم أو الرواية ، امرأة دربت عقلها لسنوات طويلة وامتلكت مهارات خوارقية بطول الصبر والصقل والنحت في مهاراتها الخاصة، ثم عمدت إلى ابنها وقدمت إليه مما عندها ، ومضت باصرار لا مثيل له نحو تحقيق هدفها باخراج الكويزاتس هاديراك للعالم.

هي طبعا ليست نفس المرأة التي تمتلك دم التنين وتؤم ثلاثة تنانين و مجموعة من الهمج الدوثراكي لاستعادة تاج ابيها المسلوب، مع توليفة من المشاهد الرخيصة التي لا تؤدي أي دور وظيفي في حبكة القصة!

أعلم أنه لا يحق لي هنا المقارنة بين عمل فنتازي وعمل مصنف في الخيال العلمي، لكني لا أستطيع مقاومة رغبتي في المقارنة بين شخصية الليدي جيسكا المرأة العقل في "كثيب" وبين شخصية دانيريس تراغاريان المرأة الجسد في رواية صراع العروش، قطعا لا يمكنني التوقف عن المقارنة!

في الأعمال السينمائية والدرامية الشخصيات الأقوى لا تقدم فقط على أنها محض خيالات أو إسقاطات من الواقع على العوالم ثنائية البعد، بل تقدم أيضا على أنها شخصيات قائدة ومؤثرة وملهمة،وإني الآن أعترف أني خرجت من الرواية والفيلم بشيء من جيسيكا ، من ثقتها وقوتها وحتى مهاراتها. لا أجيد مهارة قوة الصوت أي التأثير على الأشخاص بإصدار أمر صارم بطبقة صوت معينة، ولا حتى مهاراتها المنتاتية المدهشة في التحليل واستشفاف الحقيقة وتمحيص الكذب،إلا أنني تعلمت منها ذاك الإصرار القوي على تحقيق الهدف، وتحكيم العقل وتطوير الذات ومحاربة الخوف والتخلص منه : " الخوف هو قاتل العقل" هكذا تردد دوما.

لقد أبدعت ربيكا فيرغسون في تجسيد هذا الدور إلى الدرجة التي يمكن القول أنها خلقت من أجله ! أعلم هناك وجه مبالغة كبير في هذا إلا أنها برعت في إعطاء الليدي جيسكا روح الحياة وحولتها من مجرد حروف إلى صورة حية تتطابق مع ذاك المخلوق الورقي الذي أبدعه فرانك هربرت،أجزم أنه لو كان حيا فسيكون راضيا بهذا الأداء الصادق والفخم.


عموما الفيلم فعلا يستحق ساعتين ونصف من حياة المرء ، إنه متعة سينمائية لا تقاوم على الأقل في زمن ما بعد كورونا. 


  • 1

   نشر في 19 يونيو 2022  وآخر تعديل بتاريخ 26 يونيو 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا