رقصة خوردوفسكي للواقع .. تبدأ بجنون الخيال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رقصة خوردوفسكي للواقع .. تبدأ بجنون الخيال

بقلم - أمل ممدوح

  نشر في 13 غشت 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

هناك أفلام تغرّبك لتشرّقك .. تحلق بك بعيدا منتزعة إياك من جذرك لتعيدك إيه بشكل جديد ، تلك التي تحمل فلسفة وأسلوبا وفكرا خاصا ، ومن هذه الأفلام .. أفلام المخرج التشيلي أليخاندرو خودوروفسكي ، والذي لا تستطيع أن تعزل أفلامه عن طبيعته وفلسفته وسيرته ، فأفلامه تتبع نوعية " أفلام المخرج " ، فخوردوفسكي التشيلي المولد والمكسيكي والفرنسي المعيشة ذو الأصل الأوكراني اليهودي أحد رواد السينما السيريالية في العالم ، لم يخرج سوى عدد قليل من الأفلام لكنها كافية لترسخ بصمته وتميزه كأحد رواد السينما الجديدة ، متمرد على الواقع يحاول إعادة صياغته ، كما يؤمن بفكرة " السياكوماجيك " وهي العلاج النفسي بالإيحاء مع السحر ويبرز ذلك ويطبقه في أفلامه ، يحلق فيما وراء الحكمة والطبيعة ، صانعا لغة خاصة بإشاراتها وسحرها الخاص .

بعد ستة أفلام لخوردوفسكي أثارت الكثير من الجدل ربما أهمها " الدم المقدس " عاد بعد توقف دام 23 سنة بفيلمه الأخير " رقصة الواقع The Dance of Reality" إنتاج عام 2013 ، هذا الفيلم الذي يتناول سيرته الذاتية من منطلق مفهوم تغير الذات عن طريق إصلاح الماضي بالرجوع إليه ، ولكرهه لاستخدام الممثلين فقد كان استخدامهم محدودا في الفيلم أو على الأقل مبتعد عن الممثل المحترف ، فقام هو بأداء دور الراوي أو المعلق على الأحداث وقدم ابنه شخصيته كبيرا وحفيده شخصيته صغيرا ، وفي الفيلم يرجع لماضيه صغيرا في تشيلي ونرى نشأته بين أم تدللـه وتسقط عليه حبها لوالدها الراحل مقتربة بذلك من عقدة إليكترا ، فتعامله كأنه والدها وتسعى لرؤيته فيه حتى في مظهره ، وبين أب يعمل كرجل إطفاء عنيف قاس في تربيته شديد الحزم والشراسة في معاملة الجميع ، وبما أن الأزمة الكبرى في نشأته كانت قسوة هذا الأب فقد جعل الأب يمر برحلة تطهيرتعيده لإنسانيته وبالتالي لابنه وزوجته بشكل جديد ، هذا الأب محور الأزمة الذي يحاول قهر أي شكل للضعف البشري في ابنه ليكون قويا كما يتمناه ، المحتقر للضعف .. يمر برحلة يكتشف فيها ضعفه فتشل يده من صدمته في نفسه وفشله حين عجز حاول أن يكون بطلا بقتل الحاكم الديكتاتور ، ليبدأ جانب آخر من إعادة اكتشافه لنفسه .. فهذا الأب الملحد الكافر بأي إله يعود من رحلته مؤمنا صوفيا ، حين ذاق الأذى من الناس ثم التقى بقلب محب عامر بالإيمان من خلال نجار مسن أكرمه أكبر الإكرام حتى مات أثناء فعله لخير في الكنيسة ، ليعود بلمحة روحية بمظهر يشبه المسيح بشعر طويل كما كان ابنه قبل أن يجبره على قص شعره أو بالأدق نزع باروكة الشعر ، وكأن لسان حال الرحلة هنا رحلة الأب الضال بدلا من رحلة الابن الضال كما القصة في الإنجيل ، فقد كان الإبن أكثر اهتداء وإصغاء للناس والطبيعة ليعود الأب من رحلته مؤمنا .. إنسانا بالتجربة كما كان ابنه قبل أن يعلمه القسوة ، وباستخدام الأسلوب السيريالي الذي يمزج الحلم والخيال بالواقع أخذت الرحلة أيضا شكلا يشبه رحلة أوديسيوس في الأوديسة والذي عاد سالما في النهاية بعد رحلة منهكة إلى بنيلوب الصابرة المنتظرة التي تعادلها هنا سارة زوجته التي قصت شعرها بغياب زوجها ، وبهذا الأسلوب السيريالي أيضا ضمّن خوردوفسكي فلسفته وعرضه لعمق الشخصيات وفلسفتها ، فالأم التي كانت في الحقيقة تتمنى أن تصبح مغنية أوبرا حقق لها أمنيتها وجعلها لا تنطق إلا غناء أوبراليا ، أما الطفل فحين غضب استجاب البحر لغضبه وألقى أسماكه على الشاطىء ، لكن جدلية الأسئلة الفلسفية تعود من جديد ليتخللها إجابة القدر الذي يؤمن بها أيضا في ذات الوقت ، فبينما حزن لموت الأسماك جاءت الطيور تأكلها ليحتار بين فرحة وحزن تزداد هوتهما بمجيء الناس الجوعى ركضا إلى الشاطىء فرحين لجمع الأسماك ، حيث للقدر دائرته وسلسلته التي قد تفاجئنا ، وهنا كانت خدع الفيديو سلسة مبهرة في لقطة ارتفاع مد البحر بشكل هائل وإلقائه بكل أسماكه وتجمع النورس بكثافة لأكل السمك ، بحيث كان المشهد يبث الرهبة والإيحاء السحري فنقع في منطقة مابين التصديق والتكذيب أو الشك في جدية ما نراه وتصديقه ، وحتى مشهد أكل الجوعى لحمار الأب ، كان لجرأة قسوته يجعل المشاهد أقرب لعدم التصديق واعتقاده أن ما يقدم نوع من الفانتازيا ، وهو المقصود في هذا الأسلوب السحري الواقعي فالواقع أيضا قد يقسو فيقترب من الخيال .

وبين محتوى شخصية الأم التي ينبع منها الإبن ومحتوى شخصية الأب يكاد يكمن صراع المنطق في الفيلم الذي تميز حواره بالعمق الفلسفي والإبداع وخاصة في الجمل التعليقية من خوردوفسكي كراوي مثل " عندما يفقد عقلك الأمل انصت لقلبك "، فالأم تؤمن بوجود الله وبطاقة الحب وقدرته على فعل الكثير سواء الشفاء أو التخاطر ( باراسيكولوجي ) وهنا يوظف خوردوفسكي إيمانه بفكرة " السايكو ماجيك " فتبدو في مشاهد إشفاء الزوجة لزوجها بيقينها وحبها مستخدمة طقس يعتمد على الجسد والبول ، فيشفى بالفعل زوجها ، وكذلك بالبصق على الحجر وجعل الإبن يرسل رسالة لوالده الغائب ، فغالبا ما ترتبط هذه الطقوس بالإفرازات كما رأينا في النموذجين السابقين .

وكان ظهور خوردوفسكي بنفسه كراو أو معلق على أحداث سيرته ظهورا مؤثرا يعمق التأثير الخيالي للفيلم وكأنه صوت القدر أو صوت كوني ، أما الممثلين فقد قدم " برونتيس خوردوفسكي " دور الأب بأداء استثنائي تحول فيه أمامنا بسلاسة مقنعة من قمة القوة والعنف إلى الضعف والرقة الإنسانية والإيمان حتى الشحوب ، فكل العناصر كأنها مزيج متقن للواقع والخيال ليكون الفيلم منتميا بالفعل للواقعية السحرية حيث لا تستطيع فصل المكونين ، فكانت مراقصة الواقع للخيال .. للوصول لواقع أجمل إذا ما رقص الواقع . 


  • 1

   نشر في 13 غشت 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا