سأغادركم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سأغادركم

هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 13 ماي 2022 .

سأغادركم

********

هيام فؤاد ضمرة

**************

سأغادركم لأن قدر الله ماض في خلقه، ولأن الحق سيحق أجله مهما بلغ من العمر عتيا، سأغادركم لأن لا حجة للبقاء إلا بقدر ما أراد رب العالمين لنفس ما رضيت إلا ما رضاه لها ربها وما منحها من قدره السخاء، سيغيب وجهي وأثري وإسمي وسيغيب مني كل أثر مهما احتمل من بقاء، سأنجز إقامتي بالدنيا كاملة كما أراد لها الله من بقاء، لأغادركم أو تغادروني في سباقات وصول مراكب الأقدار، فلا علم لنا بمن يسبق ومن يلتحق وبمن حتى نلتقي وإياه في دنيا البرزخ، أو يتغرب بنا شكل العيش، فلا علم إلا ما علمنا الله فهو الخالق الباري العالم القادر الذي بيده كل شيء وما عجز عن شيء أبداً.

ستغادركم نفس أقبلت ذات زمن فانفتح قلبها لحب الخير، ملأت منه كفيها وما حبست لنفسها إلا ما احتاجت له، وما ارتجته من حب الدنيا بقدر لا يزيد ولا ينقص، فما بخلت عن نفسها وما بخلت في أن تمد غيرها بما تستطيع مما يعطها منه رب العالمين، ولا اهانت نفسها بالشكوى ولا تمثلت الحاجة لتعتصر مشاعر الكرماء وجيوبهم، فعزة نفسها ترفعها إلى مصاف عال يفوق حجم حاجتها ويضاعف صبرها على ضيقها، فليس لها لوم على الله وهو الكريم العاطي الواهب من يشاء من خلقه، ولكل بحظه من الدنيا قدرا معلوما، إلا بما وهن به العمر فحال دونها والعمل، والله لا يقطع أجر المحسنين ولو من قلة، أطالت دربها بالعطاء ما استطاعت، بقدر جهدها وسخاء نفسها وعظمة الخير بداخلها، وما كان طلبها إلا التوفيق وفق ستر الله.

صادقت فأصدقت حتى التحمت قلوب المتصادقين بالله بالحب والصفاء والوفاء، فتنعمت الأرواح بتقاربها، وملكت حلاوة ما تمنحه للنفس من ارتياح، فما غلبت صداقتي إلا صنفا من فئة خائنين قلبتهم أمزجة أرواح تلاءمت فيهم فغلبتهم أنانية غير الأوفياء، فالإزاحة في هذه الحالة إلى خانة الإهمال خير رد يكافئ به من خان وتنكر للوفاء وللعطاء، ومن خابت بهم أخلاق الأوفياء وانكشف بهم وجه الخبث دون استحياء، وبات ديدنهم ليس فقط فيما يبديه سوء عملهم، بل لأنهم يفتقدون احترامهم لذاتهم كلما أغرقوا بأنفسهم قوام الذوق وأدب التعامل الإنساني الراقي فصار بهم الخبث ديدنا يحتالون به على الصالح والطالح بقصد كسب المصالح، فلا يتبقى من كرامتهم إلا قدر ضئيل جدا، ولا نرجو منهم من أمل بعد نزع الثقة عنهم لأن يصلوا درجة الصلاح أو يعودوا بوجوههم مغسولة من اسودادها،

وهذه دار دنيا لا يدوم عمارها ولسنا بمالكي كل ما ملكنا فكل شيء آيل إلى زوال، ولسنا آخذين منها شيئاً من شذر الدنيا مهما ضؤل بقيمته أو غلا، فدار البقاء تنتظر استقبال أرواحنا بعيش مريح، ونفس باتت من كل همومها تستريح، وروح تهيم في عوالم الغيب لا ندري بأي صورة تكون، ولا كيف عليها أن تواجه مع غيرها من الأرواح بأي شكل ممكن أن يكون عليه المكنون.

سأرحل كما كل حياة ترحل بالانتهاء وعبور نفق الأرواح إلى مستقرها في برزخ دنيا الآخرة، بعالمها المتخلي عن كل ثقل ثخين أو عبئ مهين.

سأرحل يا أهلي وصحبي وخلاني وسترحلون، وسوف تلحق بنا مراكب الراحلين عبر ذات الطريق الوحيد بالاتجاه الواحد، وسنترك متاع الدنيا، وستتركنا مسمياتنا ومواقعنا وبعد قدر من السنين ذكرياتنا ونصبح أثرا بعد طرفة عين، واعتاما كاملا بعد انقضاء الجيل الأول بعدنا، وكل شيء مما قضيناه من جهد ووقت ولهفة انجاز فيما جمعنا واجتهدنا، وكأننا نفضنا أيدينا من الدنيا ونفضت الحياة نفسها منا، فلا كنا ولا كانت منا أثارنا، فالزوال سيكون قدرنا الذي ينتهي به وجودنا، وبرزخ الحياة الأخرى مآلنا.

سأغادركم كمثل كل مسافر يهاجر برحلته الأخيرة تاركا خلفه هويته وصورته وذاكرته وولدا أنجب طلعته، وعمرا عاش مدارجه وأحداثه، وفكرا مارس آفاقه بقدر ما ملك من الوعي والعلم والفكر، وعينا رعت بالنظر خاصته، وأذنا سمعت وما أسمعت ما سمعت أمانة ووفاءا، وأقوالا باتت على الدروب حكما ومنوالا.. فلسنا سوى عابرين ننتهي بانتهاء حصتنا من أوكسجين الحياة، لتلفظنا الدنيا بلا حياة.

فالفراعنة حقا حافظوا على أجسادهم بعد الموت، وتحرصوا على أموالهم ودررهم فدفنوها وإياهم، فبلغتهم أقوام اللاحقين لتنبش قبورهم بعد آلاف السنين وتستخرج مومياواتهم المحنطة وكنوزهم المختزنة لتستشهد بهم، فلا رأوا ما رأينا ولا شهدوا ما شهدنا، وما بلغوا حياة أخرى غير دنياهم التي عاشوها سابقا، وها هم بعد آلاف طوال من السنين على ما ناموا عليه، وما بقيت لهم مجوهراتهم وحليهم حتى وقد غاروا وإياها في مخابئهم بأعماق الأرض الدهر حتى قيام الساعة، فما بعد الموت لا حياة فوق هذه البسيطة، وليس من حياة إلا حياة برزخ إلى حين تحين الساعة وتقوم القيامة وينفخ في السور بإرادة رب العالمين.

فالموت عند الأقوام السابقة أخذ اهتماما خاصاً، كانوا يعدون له العدد ويبنون له الصروح الضخمة والفخمة على مر زمن غير قصير من السنين، بل ويتخذون له مراسم وطقوس ينتابها مشاعر الخشوع لعظمة الموت، يأخذ التحضير له وقتا طويلا واعدادا حريصا، لم يكن الموت بعقلية القدماء حالة مؤجلة، أو تقبلها على أنها مجرد نهاية والسلام، الموت عندهم دائم الوجود لأن لا ضمان لتجاوزه والتخلص منه، فقد كان الموت ملاصق لخطط بنائهم حضاراتهم من المدن والصروح لبقاء الأثر عميقا في ملامح البناء وفي تصاميمها

سأغادركم لأن الأجل ينتهي على عجل، ولأن لكل أجل كتاب، ولكل حياة نهاية محتمة إن بعدت أو قربت، فكل نفس ذائقة الموت لا محالة فليس من حياة تتجاوز هذه الحالة، لكننا أمة دوما تبحث عن أسباب الموت وكأن الموت إذا لم يبرر له سببا بات ذنباً والعياذ بالله لا يغتفر، ولا يدرون معنى تأمل الموت كحالة من حالات الخلق، فلما نخاف ونخشى أن نواجه أنفسنا بالموت والأسئلة التي تحوم حوله، لماذا نؤجل غير المؤجل، نعيش حياة بأكملها بكل ما فيها من سنين وأحداث، وسعي لا ينتهي وراء التطور الفكري والعلمي والمعيشي، وجميعنا يأمل تحقيق حياة الرغد والرفاهية، ولا أحد يذكر نفسه بلحظة المغادرة التي ستأتيه إما مفاجأة أو تمنحه ظروفا مرضية تؤشر على اقتراب الساعة لا محالة، حينها سيترك وراءه كل ما قدمه ولا يبقى له سوى عمل خزنه ليواجه به ربه.

لا يخطر لأي كان أن يواجه حالة الموت وهو يحيا الحياة بكل ما فيها من نبض وحركة ولهاث وراء الإلتزامات، لا أظننا نتجاهل حقيقة الفناء لمجرد الهرب منه، لكن لماذا نفكر بالفناء والحياة تنادينا لكافة مستلزماتها، لماذا نرهق أنفسنا بالمغادرة ونحن لا زلنا نأمل الحياة بكل مغرياتها والتمتع بالحس والذوق والجمال ولحظات السعادة، إن مجرد فكرة المغادرة بلا عودة، وانتهاء يذوب بعده الأثر كأنك لا كنت ولا كان لك وجود ما لم يكن لك من الأثر ما يبقى لخدمة وفائدة من بعدك، لذلك يتهرب الناس من فكرة الموت والانتهاء والفناء، يعيش متظاهرا بأن الحياة ما زالت تفترش له سجادها الأحمر ليمشي عليه مختالاً بوقع الحياة في كيانه وأحاسيسه، نخادع أنفسنا إلى يوم تفاجئنا به لحظة المغادرة دون وداع ودون سؤال وجواب.

ويذكرني هذا بقول الفيلسوف الروماني سينيكا " تعيش كما لو كان مقدرا لك أن تحيا للأبد، ولا يخطر على بالك قط كم أن هش لا تدرك كم من الوقت قد مر، وتبعثر ساعاتك كما لو كنت تمتلك منها مخزونا لا ينفذ"

وعلى ذات المشيئة فقد حملت ملكة اسكتلندا طوال عمرها ساعة على شكل جمجمة نقشت عليها العبارة " يطرق الموت الشاحب بالإيقاع نفسه على أكواخ الفقراء وبيوت الملوك"

فالموت حقا لا يفرق بين البشر ولا يأتيهم إلا بوجه واحد هو وجه المغادرة، ووجه الفناء.. فكم هي الحياة هشة لا بد من عبورها على صيرورة الموت المحتومة، فكل شيء سائر إلى زوال

وفي الشريعة الإسلامية يستحب الإكثار من ذكر الموت وتوقعه في كل حين، وذلك باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، وعلى مبدأ السنة المحمدية لقول أبي هريرة عن رسول الله: " كان رسول الله صل الله عليه وسلم يكثر قول: أكثروا من ذكر هادم اللذات" قاصدا الموت بكلام وجيز أبلغ في الموعظة وأزهد بالدنيا وأبعد عن الاغترار لقول النبي صل الله عليه وسلم: "إزهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" .

ولأن ذكر الموت والتفكر به أزجر عن المعصية وأدعى إلى الطاعة، فالإنسان إذا تفكر في الموت والرحيل عن الحياة قصر أمله وكثر عمله، ويبادر إلى رد المظالم إلى أهلها والإقبال على الطاعات.

أثني على رجل عند رسول الله فسألهم: كيف كان ذكره للموت، فأنكروا علمهم بذلك فقال النبي: ما هو كما تقولون"

لم يأت مني هذا الدأب الحريص على تذكيركم بلحظة مغادرتي لكم بالموت والإنتهاء من ميول سوداوية تجتاحني لتبدد ما في داخلي من شعور جميل بالحياة، أو تنتابني علة تشاؤم تتلاعب بمخيالي بأشباح الموت في أجواء داكنة تقصيني عن دائرة الأضواء بالحياة، إنما أفعل ذلك عن رغبة محضة من إدراك عميق ووعي زاخر بدور الموت بإحياء الحياة، من خلال تجديدها بالبشر المجددون والعقول المتسعة الآفاق التي تأتينا بالعلوم الجديدة والأفكار الثورية، وتلوين الحياة بألوان جديدة تنعش احساس الإنسان بجمالية العيش وهو مدرك لحقيقة الموت والانتهاء، فيعمل جاهدا لإثبات وجودة وحفر إسمة على لوحة الذاكرة البشرية بأعمال يعيش ذكرها مدى الحياة، وأعمال أهم قيمة وأوثق تأميناً يسابق بها الإنسان الخطى ليعرضها يوم الحساب على رب العباد، فيضمن موقعة في الجنان، فلينتعش ذكرك في حياة من سيلحقوك من أجيال دون أن تخسر الآخرة على ما وعد الله عباده المؤمنون.

وتأتي الأهمية المحورية لفكرة التذكير بالمغادرة الأخيرة، فلأنها تخلي أدمغتنا من فكرة ثمة عمر طويل أمامنا، وأن الفرصة سانحة للعمل بما أمر الله، والحقيقة المؤكدة التي تقول لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد فهي لتأكيد أن ثمة غد قد يأتي وقد لا يأتي، لأن لحظة المغادرة تفاجئ البشر فلا تمنحهم فرصة لفعل ما يجب عليهم فعله، فاعلم أيها الإنسان أنك لا تملك من حياتك سوى اللحظة الحالية التي أنت تعيش بها، فلا علم إلا ما علمنا الله، فالأحرى أن نكف عن دأبنا فيالتراخي والتأجيل، فجميل أن نضع خططا للمستقبل ونحدد لأنفسنا أهداف نسعى إليها، لكن أن نعي بذات الوقت أن المستقبل قد يأتي وقد لا يأتي، فإدراكك لحقيقة الموت وتذكره إنما ذلك لتمنح نفسك قدراً أعلى في إدراك أولوياتك بالحياة والتحرك على نور من بصيرة فلا تسوِّف وقتك وطاقتك وإبداعاتك وأفكارك الثورية في الإبداع في الضياع.


  • 2

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 13 ماي 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا