بواعث العمل للدين - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بواعث العمل للدين

بواعث العمل للدين

  نشر في 05 يناير 2021  وآخر تعديل بتاريخ 05 يناير 2021 .

 من الأفكار الخاطئة التي تنشأ في أذهان بعض الفضلاء أنّ العمل للدين له زمنٌ معين وفترةٌ محدّدة للعطاء - وإن لم يبُح بذلك-ثم ينتقل بعدها لمعترك الدنيا والانشغال بهمّ الرزق والولد، أو على العكس تماماً أنّ العمل للدين يحتاج لتهيؤٍ علميٍ ومنصب ديني معين فيذهب شبابه في تحصيل تلك المكانة وذلك المنصب دون أي بذلٍ يُذكر فيستيقظ على مرحلٍة عمريةٍ محفوفة بالانشغالات لا يستطيع معها البذل والعطاء.

أكتب هذه الكلمات لا لاستحثَّ النفوس بذكر فضل العمل للدّين، وكيف كانت سِيَر الباذلين،  وكيف انعكس ذلك على سلوكهم وكان سبباً في قربهم من الله وحصناً منيعاً من الفتن، فالكلام بذلك يطول والنماذج أكثر من أنْ تُحصر، إنّما أكتب هذه الكلمات وأنا استنطق البواعث عند هؤلاء الباذلين وكيف تدعوهم نفوسهم إلى التعلق بهذا العمل بصورةٍ مدهشة، وزيادةِ الشغف له في كل يوم، ولا يُوقِف أحدهم أرضٌ شائكة ولا جبلٌ وعرٌ في سبيل البذل بما يملك من غالٍ أو نفيس.

إنَّ استنطاق مثل هذه البواعث يضع أيدينا على مواطن القوة لديهم، ويُظهر لنا جلياً الحوافز النفسية التي تبعثهم للعمل دون توقف، والمضيّ في العمل دون كللٍ ولا ملل.

ولا يخفى أنَّ البواعث كثيرة ومتعددة وعلى رأسها وهي أسناها وأعلاها طلب الأجر من الله وما عنده من الجزاء، إلا أنّي سأسلط الضوء على باعثين أهميّتهما بالغة، فهما الوقود للعمل، والسبيل بعد توفيق الله على استمرارية العطاء، وهما القاسما المشترك بين كل الباذلين.

أُولى البواعث هو حضور الهمّ في القلب وانشغاله بأمر الدين، وتقديم أمره على كل الأمور، فما إنْ تجلس مع أحد هؤلاء الباذلين إلا وتجد كلامه وفعله نحو ذلك الهمّ، شهيقه وزفيره يشتد كلما ذُكر أمر الدين، فلتات لسانه لا تعدو أن تكون فكرة للبناء، أو مشعل ضياء، تكاد تجزم أنّ صدره لا يُخالجه همّ إلا علو هذا الدين، ما إن ينتهي من تطبيق فكرة للبناء إلا دعته أخرى للبذل والعطاء، إنِ ارتحل لدار جديدة فاض ببذله وعطائه هناك، إنْ سافر إلى بلدٍ ترك الأثر فيها وبصماتِ همِّه تتردد في الأرجاء، فهو يتقلب في ذلك الهمِّ ليلاً ونهاراً، بل لا أبالغ إن قلت يتردد عليه حتى في مناماته، وكلما طال به العهد كلما زاد تعلقاً وحباً.

هذا النوع من الهمِّ هو الذي ينقصنا، وهو الذي وصل بهم لذلك الحد من الشغف والحب، فمتى كان هذا الهمُّ حاضراً في القلب لا تسأل عن عطاء الجوارح، فالقلب يقضان، وسيأمر الجوارح لما فيه راحته ولو كلّفه ذلك ذهاب العمر.

ثانيها هو التضحية لأجل ذلك الهمِّ، وبذل المهج لبلوغ التمام ولو على حساب صفو الحياة، يومه كلُّه مبذولٌ إما لعطاءٍ أو تفكير لعطاء، يبذل وقته لهمِّه، فإن لم يبلغه بذل مالَه، فإن لم يبلغه بذل راحتَه، قلبُه كالمِرجل يأزُّه همّه فيأطره للبذل غير مبالٍ بما يملك، يعلم أنَّ كل همٍّ ضريبته البذل وتقديم التضحيات، إنَّ هذا النوع من التضحية لا يأتي عبثاً أو بهمّة عادية، ولا تستطيع إدراكه بحوافز دنيوية، بل ما عند الله هو الباعثُ الحقيقي لمثل هذه التضحيات.

إنّ مثل هذه البواعث حريٌ بالمرء أنّ يتفقّدها في قلبه، ويتلمّس صدق وهجِها في نيَّته ومقصِده، وسيرى حينها مواطن العطاء لدينه، ويعلم علم يقين أنَّ الساحة مليئة بالثغور التي لم تُسد، وأنَّ مساحة البذل أكبر من أنْ تحصى، وأنَّ البذل اليسير يصنع من الفوارق في طريق صلاح الأمة الشيئ الكثير، وأنَّ القليل الدائم دائم التأثير وعميق الأثر، فدونك قلبك فتش فيه عن مواطن الخلل، وأبدأ العمل لدينك وقدَّم لنفسك فالمنازل عند الله متفاوتةٌ كلٌ بما قدم.



  • علي عسيري
    شغوف باللغة العربية، أميل للقراءات الفكرية والتأصيلية.
   نشر في 05 يناير 2021  وآخر تعديل بتاريخ 05 يناير 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا