رسالة بلا وِجهة. - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

رسالة بلا وِجهة.

رسالة أخرى

  نشر في 16 غشت 2023  وآخر تعديل بتاريخ 16 غشت 2023 .

مساء آخر من أحدٍ يشبه الأيام المنصرمة في كل شيء.

منتصف أغسطس 2023.

ما لي أحن لمن لم ألقهم أبداً ويملكون علي الروح و الجسد ..

تميم البرغوثي.

ما بالنا يا تميم، ما بالنا نحّن لمن لم يجمعنا بهم لقاء أو شارع أو طاولة أبدا.

أيّة خيوط وهمية تلك التي تشّدنا إليهم ؟

أيُّ أياد تلك التي تسحبنا نحوهم سحبا؟

أيّ ذاكرة لعينة تلك التي تدفعنا بإتجاههم ركضا؟

ليتني استطعت إيجاد حل لإيقاف جل هاته المهازل، أو جوابا مقنعا لأسئلتي، أو مسدسا أو سجنا أو قلبا آخر أُواصل به ما تبقى من قدري.

من فوق صخرة إنتظار ضخمة تعتلي هاته المدينة و تمنحني بهذا الظلام إطلالة جميلة فتبدو كل الأضواء أقراطا متلألأة تزين شوارعا ضجرت من الحياة.

كما لم أشعر من قبل، شعور بالسلام و الهدوء و السكينة يعبرني و يتسلل بداخلي على مهل، مثلما تعبر خطوات المارة الشوارع وتقطع الطرق متسكعة دون وجهة.

ما تزال تسكنني يا صديقي تميم ..

ماتزال خيالاتها تلاحقني..

تطاردني أينما حللت، حتى بهاته المدينة لي معها ذكريات، وليال و برد ودفء، شاي و فناجين قهوة لا تنتهي.

هنا تشاجرنا، هنا ضحكتْ و ضحكتُ، وتذكرنا معا وببراءة أننا وقعنا من قمة الهاوية.

هنا حدث الكثير، الكثير الشحيح الذي قادنا بالنهاية إلى اللاشيء.

إلى اللامكان ..

أنا اليوم وحيد، أتمزق ببطء دون أن أُشْعِر أحدا، أصرخ بصوت مخنوق دون أن أوقظ أحدا، أتعذب بكل الطرق و في صمت كسير دون أن أعترف لأحد، أغضب و أثور بداخلي دون أن أحطم جدارا أو مزهرية أو نافذة أو قلبا.

أنا الذي لا ألجأ لمكان غير الفتحة القصّية بقلبي.

أٌجالس نفسي، وأحاول أن أَسُّد نزيف الذاكرة بقطعٍ من جسدي.

أجرب ألْف طريقة، و ألْف لغة للحديث إلى قلمي، أشكوه بثي وحزني كُلما جلستُ إليه ..

لم أعد ألجأ لأحد اليوم.

فقد لجأت ولجأت و لم يناسبني أي ملجأ..

كنتُ كلما أردت أن أتحدث عني و عنها، و عن جُل الأحداث المجنونة التي حالت دون لقائنا، آخذ نفسا عميقا و كأني أدرك جيدا بأي بحر حزن سأغرق، أتوقف لدقائق، وتعلق الكلمات بحلقي، يخذلني المعنى دائما، ويغادر ذلك الكاتب المتبجح إطار الكُّتَاب وأصير مجرد طفل صغير يتعلم الحروف و الأبجديات ..

مجرد صوت خافت ضائع بين ضجيج آلاف الأصوات.

مجرد طفل يحاول إيقاف دموعه وضبط أنفاسه المضطربة.

الكثير من الأشياء من المشاعر لم أحكها لأحد..

لا أحد يعرف القصة الكاملة، و لا أظن أن كل ما حدث بيننا يحتمل أن يكون مجرد قصة، هو أكبر مني و منها، شيء سماوي لا ينتمي لزمرة القصص، أعلى وأسمى وأطهر من ذلك بكثير...

لقد كانت ملحمة، وثورة، وبطولة، لا منتصر و لا منهزم بها، الكل انتصر و الكل انهزم.

لا تشبه شيئا، طاحونة عملاقة سقط فيها الجندي الأخير دون أن يعرف أكان ذلك الذي دافع عنه حقا أم باطلا، وهل انتهت الملحمة بانتصار أو هزيمة..

هكذا إنتهى كل شيء بيننا ...

هكذا التهمتنا الأيام فوق موائدها العامرة بأشباهنا، و دَعَت النسيان لمشاركتها الطاولة.

أذكر أني قرأت جملة للكاتب الجزائري محمد ديب وبقيت عالقة برأسي، قال فيها:

هكذا هي الأشياء ..

تنسانا، كم يسهل عليها هذا الأمر...

و هم كذلك الأشخاص يا محمد، الإخوة و الأصدّقاء و الأحبّاء، كم يسهل عليهم نسياننا.

كم يسهل عليهم خذلاننا.

أَبلِغها سلامي دائما .

آرثر.


  • 1

  • Abdelghani moussaoui
    أنا الذي لم يتعلم بعد الوقوف مجددا، واقع في خيبتي
   نشر في 16 غشت 2023  وآخر تعديل بتاريخ 16 غشت 2023 .

التعليقات

سناء لعفو منذ 6 شهر
أسلوبك مذهل وقلمك صادق و محفز، بكل صراحة يستفزني لكن بالمعنى الايجابي، ممتع جدا، ويدفعني للتمسك بالكتابة وكتابة المزيد و المزيد، استمرررررررر
1
Abdelghani moussaoui
أُكتبي و لا تتوقفي عن الكتابة، وحدها الكتابة ملجؤنا الوحيد حين يرفضنا العالم بأسره، واصلي القراءة و الكتابة و لا تدعي للفشل طريقا لقلمك..
أشكرك على تعليقك المميز، أتمنى أني استطعت ان أنقل إحساسي بهته الرسالة البائسة ...
يسعدني مرورك و تشجيعك المتواصل، تحياتي⚘👌
سناء لعفو
وصلت أحاسيسك كلها، بالتوفيق صديقي 👍🏼

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا