مجتمعات العرب.. ضياع بين متغيرات السياسة وثوابت المعتقد..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مجتمعات العرب.. ضياع بين متغيرات السياسة وثوابت المعتقد..!

التداخل بين المعتقد الديني والسياسة يجب أن يشمله بعض الحذر لإختلاف طبيعة كل منهما من ثابت إلى متغير.. فالمعتقد من الممكن أن يكون دستور ومرجعية سياسية، لكن يظل التطبيق وآلياته السياسية هو الرؤية الأشمل لمحصلة المصالح العامة، وتظل حاكمية الدين على قدسيتها كمرجعية روحانية تخضع للطوع والإختيار وليس الإكراه أو الإجبار..!

  نشر في 07 مارس 2021 .

مجتمعات العرب.. ضياع بين متغيرات السياسة وثوابت المعتقد..!

بقلم/ محمد أحمد فؤاد

لو سألنا أنفسنا ما هو معنى كلمة "المجتمع" إصطلاحياً.. ربما ستكون الإجابة الأولى أنه مجموعة من الأفراد تعيش في موقع معين وبشكل منظم، وترتبط فيما بينها بعلاقات ثقافية واجتماعية وقوانين وأعراف تحقق حد مقبول من المصالح المشتركة والإحتياجات، وتضمن إلى حد ما وجود مساحة من التعاون والقبول تفي بإستمرارية هذا المجتمع وتطوره.. والأصل الثلاثي للكلمة وهو "جمع" ربما يقودنا إلى المزيد من المعان على شاكلة تجمع، وجماعة ومجمع وإجماع وجموع وغيرها..! أحد شروط تكوين المجتمعات هو التعددية والتنوع، وقد ظهرت في فترات تاريخية متعددة أنواع من التفاعل بين المجتمعات وداخلها، سواء كان هذا بشكل سلمي أو بشكل عنيف، ونتيجة لذلك ظهرت أنماط من الثقافات المختلفة داخل المجتمع الواحد، كما حدثت أيضاً هجرات فردية وجماعية من صقع إلى أخر ساهمت بدورها في التأثير على التركيبات المجتمعية في أغلب أنحاء المعمورة...

ويحضرنا هنا سؤال هام في هذا الصدد.. هل أقر أى من الكتب السماوية، أو حتى أي من كتب التراث الديني والعقائدي في العموم أحكام ونصوص معينة لقيام دولة سياسية، وهل هناك تشريع يقرّ قيام دولة دينية أو أمرّ في إقرارها..؟ سنجد أن أغلب الأديان والعقائد تتجنب بشكل أو بآخر الجواب عن مثل هذا السؤال، لكن بعض رجال الدين والمحدثين من أصحاب المصلحة قد مارس من عمليات الاجتهاد والمحاولات الجهد الكثير لإثبات أو نفي وجود تشريع خاص بقيام الدولة بحسب الغرض المرجو حينها، وعلى صعيد أخر سنجد من السياسيين في الوقت الحاضر من يحث على إيجابية قيام الدولة الدينية مثلاً، وهنا وجب الإنتباه لأمر شديد الدقة.. هو أن الحث على قيام الدولة شيء، وقيام الدولة الدينية شيْ آخر..!

لقد أعطى الإنسان على مدى تأريخ وجوده على الأرض أهمية لمسألة قيام الدولة وفكرة القيادة أو فكرة تنظيم أمور البشر والعباد، إلا أن الكثير من المهتمين بالجانب السياسي والديني يؤكد على تأويل معنى الاستخلاف إلى معنى سياسي وليس ثقافي.. وكمثال فتطبيق فكرة (الفرقة الناجية) قد جريَّ بالمنطق العقلي، وبمتابعة لمن هم أهل الفكرة أولاً. ولو درسنا التاريخ جيداً، لوجدنا أن هذه الفكرة التي دعت إليها الديانة اليهودية لقيادة البشرية ممن إعتبرتهم أكثر قدرة في التجربة وفي البيولوجيا، وفضلاً عن الاختيار الإلهي المزعوم سنجدها قد أقرت موقع متمايز عنصرياً للديانة اليهودية من بقية المعتقدات، وهي النظرية التي استعارتها لاحقاً طوائف مسيحية وإسلامية متعددة على مر العصور..

وبسبب فكرة القيادة (الحكومة والحوكمة) نجد أن مسار الحقبة الإسلامية بعد بعثة النبي قد استقطب أغلب سادة قريش نحو معسكر الدين الجديد، هذا بعد أن تيقنوا بأن النظرية السياسية القرشية لم تعد قادرة على استيعاب فكرة (الدولة السياسية) الكبرى في السيطرة على الجزيرة العربية وحماية المصالح، فضلاً عن تقرب بعض الشخصيات المتنورة في العلم اللاهوتي اليهودي من الخلفاء الراشدين على شاكلة كعب بن ماتع الحميري الشهير بكعب الأحبار وعبد الله بن سبأ الذين أصبحوا مستشارين مقربين لخليفتين وربما لثلاث، حيث تمكن بعضهم من التأثير على توجه دفة تدوين الحديث والسيطرة على عقلية بعض الرواة أمثال أبو هريرة (59هـ / 679م)، وعبد الله بن عمر (74هـ /693) ومن الساسة عبد الله بن العباس ومعاوية إبن أبي سفيان، وهذا إن صح، فإنه يدلل على أن محاولات اختراق الدين الجديد قد تم التفكير بها منذُ البداية، وكان لليهودية وأحبارها الدور الملحوظ في السيطرة والتأثير بشكل أو بآخر على سياسة الدولة إلى حد خلق الفتن وتأجيجها، ومازال الأمر قائماً ليومنا هذا في صورة تحريك ودعم التنظيمات المذهبية لتفتيت وشق صف المسلمين، وطعن الدين الإسلامي من خلال فكرة الفرقة الناجية كما هو الواقع كمثال واضح مع تكفير جميع المذاهب والمعتقدات المخالفة للفكر السلفي الوهابي..!

مع عصور التنوير ومحاولات التخلص من سيطرة وسطوة رجال الدين على المجتمعات.. ثار المجتمع الأوروبي على سلطة الملك وتسلط الكنيسة ثورة عارمة، حتى قيل أنه حُكم على آخر ملك شنقاً بمصران آخر قسيس وآخر كاهن مستبد.. وقد كان إعلان فولتير الحرب على الكنيسة وسحقها ما هو الا تعبير عن قدسية الصراع وحدته، وكان لتلك الثورة تبعات مرعبة أغلبها لا أخلاقي، فقد أبيدت مجتمعات في فرنسا وفي غيرها ما قبل الحداثة وما بعد العلمانية، حتى استغاث العلمانييون أنفسهم من فداحة خطب ما أحدثوه.. وبعد ترتيب الأوراق وإستعادة القوة الحكومية وشئ من الهدوء المجتمعي، هبت أوروبا السياسية على استعباد الشعوب الأخرى واستغلال ثرواتهم، فتوجهت شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ونقلت الى القارة الجديدة ملايين العبيد سخرة لمصالحها.. لاحظ عزيزي القارئ أن هذا قد حدث في أعقاب ثورة التنوير لخدمة الحداثة والتطور الصناعي والفكر التوسعي، لذا فيمكن القول بأن العلمانية لم تختلف في الخُلق الإستعماري كثيراً عما كان في السابق، فقط تبدلت الشعارات لتصبح أكثر نفاقاً وأعمق تلاعباً بمصائر الشعوب المهمشة.. وهكذا أصبحت معايير الحرية والديموقراطية والسيادة بمنطق العصر الحديث وحتى كتابة تلك السطور مجرد إستخفاف بالعقول..

وقد جاءت العلمانية الأوروبية بنموذجها الفرنسي لتنشأ أمة "الجغرافيا المسيطرة"، وتعالت أصوات العلمانية الألمانية متسلحة بعنصرية الدم والعرق الآري، وتماهت علمانية بريطانيا مع الكنيسة، فكانت ملكة بريطانيا هي رأس السلطة والكنيسة، ونتاج لهذا المخاض كانت حروباً عالمية أولى وثانية راح ضحيتها مئات الملايين من البشر.. وعلى الجانب الشرقي من القارة العجوز لم يختلف الأمر كثيراً، فكان لفلاديمير لينين السبق في إعلان الإشتراكية الشيوعية على خطى كارل ماركس، وفي البعد الأسيوي تحرك التنين الصيني بحرص ليوازن نوعاً بين الإقتصاد الليبرالي والحكم الإشتراكي السلطوي حيث يستطيع المتابع رصد سلسلة لا نهائية من الإزدواجية في المعايير والمفاهيم الإجتماعية..!

وإذا ما نظرنا إلى نموذج العلمانية العربية، سنجد أنه مزيج لزج بين طموح ذاتي التمويل والدعم لا يتناسب مع طبائع أغلب الثقافات العربية المتحفظة، وبين محاولات البقاء الأزلي بسلاح إسترضاء الغرب المستعمر عن طريق إظهار تقارب زائف يحمي المصالح ويحافظ على العروش، ويحقق على الأقل الحد الأدنى من السيطرة الفكرية على المجتمعات العربية النامية لتفادي الثورات الداخلية بأي وسيلة.. والحق أنه لا أحد يستطيع وضع تعريف قاطع للعلمانية في كل صورها، فقد أوعز الفرنسيون أن العلمانية هي فصل الدين عن السياسة، وفصل سلطة رجال الدين عن الحياة النظامية في بلادهم، ويؤكد الدستور الفرنسي في فقراته على تحييد الدين عن السياسة وحفظ حقوق المواطنة للجميع وبشكل عادل.. لكن الثابت أن هذا لا يتناسب مع واقع الممارسات السياسية العنصرية من السلطات المتعاقبة داخل فرنسا مع الأقليات العرقية أو الدينية، وكذلك أيضاً في سياساتها مع دول الجوار من أعضاء الإتحاد الأوروبي حينما تتعارض مصالحها دنيوياً، تماماً كما حدث مع إيطاليا في أعقاب تأثر الأخيرة بشدة مع بدايات جائحة كوفيد 19، لذا ومما تقدم، نستطيع أن نجزم أن الشعارات شئ، والتطبيق شئ أخر..

وبالعودة لعلمانية العرب، سنجد أن النموذج المطروح يشوبه الزيف والعوار تماماً كما هو واقع مع النماذج الغربية.. فمن الملفت أن العالم الإسلامي أفراداً وقيادات قد تستفزهم أمور كإهانة الرموز ذات القداسة مثلما رأينا من تطاول فج في صور رسوم مسيئة للرسول الكريم وبعض الشخصيات المسلمة تحت مسمى حرية التعبير عن الرأي بغض النظر أين ظهرت وما هو سبب ظهورها وكيف كانت تبعات هذا.. وعلى النقيض لا تستفز هؤلاء أي من القضايا المصيرية كمناصرة الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الإحتلال والتمسك بهوية القدس العربية والحقوق التاريخية في الأراض المحتلة، فنجد أن الموقف الرسمي للعديد من الدول والممالك يميل إلى تطبيع بلا ضوابط مع محتل غاشم لا يرى في الأمر إلا فرصة لن تتكرر لخدمة مصالحه وأيديوليجيته، بل ويتجاوز هؤلاء حد التطبيع إلى التنازل بلا ثمن عن ثوابت تاريخية وعقائدية فنجد بعضهم يستنبط معتقد جديد أطلقوا عليه مجازاً الديانة الإبراهيمية كنموذج للتقارب العقائدي ولكن في صورة عصرية تغازل مشاعر الغرب المستعمر لا اكثر.. إن إهانة الرسول مدانة شكلاً وموضوعاً، ويمكن مواجهتها بطرق عديدة لا تخرج عن إستخدام نفس الأسلحة ولكن بتوظيف آخر أكثر إحكاماً وتأثيراً.. لكن لا يجب الإنجراف بهذا الشكل الفج فقط لمجاراة من يفوق مدى طموحاتهم الإستعمارية قدراتنا على التماسك والتمسك بهويتنا وشخصيتنا ومكتسباتنا التاريخية..!

مما تقدم، أجد أن التداخل بين المعتقد الديني والسياسة يجب أن يشمله بعض الحذر لإختلاف طبيعة كل منهما من ثابت إلى متغير.. فالمعتقد من الممكن أن يكون دستور ومرجعية سياسية، لكن يظل التطبيق وآلياته السياسية هو الرؤية الأشمل لمحصلة المصالح العامة، وتظل حاكمية الدين على قدسيتها كمرجعية روحانية تخضع للطوع والإختيار وليس الإكراه أو الإجبار..! ثبت أن المجتمعات الغربية إستطاعت تحقيق نجاح نسبي في إستيعاب الأقليات وضمهم تحت مظلة دستورية تحترم منظومات الحقوق والواجبات والحريات.. لكن هذا لم يتحقق بنفس النسبة داخل المجتمعات الشرقية نتيجة لفرض أجواء التعصب القبلي وتفشي الجهل الذي أدى إلى نمو التطرف والعنصرية والإرهاب والعنف بشكل سرطاني مخيف، حتى أصبح داخل كل مجتمع تقريباً نموذجين على الأقل من الجماعات المنغلقة أو الطوائف المتطرفة المسلحة.. وهكذا، ونتيجة للفكر المنغلق المسيطر على دوائر صنع القرار في بلادنا، وترهات رجال الدين التي ترسخت لخدمة رغبات الحكام على حساب مصالح الشعوب، وخوف القادة بشكل عام من غضبات وثورات شعوبهم، ضاعت من أغلب الحكام العرب ومؤيديهم بوصلة التفرقة بين فكرة الصلابة مع هوية الذات والمرونة مع الأخر..!



  • mohamed A. Fouad
    محمد أحمد فؤاد.. كاتب حر مؤمن بحرية الفكر والمعتقد والتوجه دون أدنى إنتماء حزبي أو سياسي.. مهتم بشأن الإنسان المصري أولاً..!
   نشر في 07 مارس 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا