أستاذ التنشيط : رب منسي تحت أنقاض الثقافة - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

أستاذ التنشيط : رب منسي تحت أنقاض الثقافة

بقلم أميرة مبارك

  نشر في 22 غشت 2022 .

إن الطفل ليذهب للمدرسة ويلتحق بالفصل مرغما وليطيع معلمه قسرا في الوقت الذي يتوجب ألا يدرك قيمة أفعاله والواجبات التي توكل إليه فقط، بل وسببها والكيفية المثلى لإنجازها لا الكيفية المتعارف والمنصوص عليها. وما دمنا لا نزال نشهد تلك العصى تسلخ أناملهم والسباب الذي يحد من عزيمتهم والأنفة التي تبعدهم عن شغفهم وطموحاتهم، فنحن في حاجة ماسة لبديل فوري يرقع ما خلفته النظم البائسة من فظاعة وفضاضة. بل الحق أنه أصل لا بديل.

كبرنا على الأصوات التي تصدح ببيت القصيد من ديوان الشوقيات "قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا". ونعم الرسول الذي وفى وأتقن التبليغ.

ولكن البعض تناسى أن للوساطة والتنشيط أربابا لو لاهم لما نهضت أمم ولما سعف الشباب.

وكم مر من أمامي وعلى مسامعي قصص كاد أصحابها يلقبون ب"فئران السجون"، وآخرون بالمنتحرين، والبعض بالمرضى النفسيين وبالعصاة والجاحدين والفشلة المدللين... وغيرهم الكثيرون من الحالات التي قد تعترض أستاذ التنشيط في محل عمله سواء في دور الشباب أو الثقافة، النوادي، المركبات الثقافية أو رياض الأطفال... ولأن الوسيط الثقافي وأستاذ التنشيط هو بالأساس شخص قادر على تحمل المسؤولية وتسهيل عملية التواصل بين طرفيين مختلفين أو أكثر وكذلك التحلي بعدة خصال ومهارات تميزه عن غيره من أصحاب المهن والرسائل النبيلة وتجعل منه ربا للإدماج الثقافي والاجتماعي وسيدا للترفيه النموذجي الهادف، فأنا لا أرى غيره ملجئ تربويا للطفل والمراهق من الغارات التي لا ينفك يقصفها به المجتمع وفي كثير من الأحيان العائلة والأصدقاء والمقربون، أثناء رحلة بحثه عن هويته وموضعه وأهدافه. (رحلة التيه الذاتي). وهذه الغربة الاجتماعية حمل يثقل أكتاف الطفل ويشتت فكر المراهق خاصة في الوضعية التي تتوسع فيها حلقات النكران وتنغلق فيها سبل التواصل ويصبح أستاذ التنشيط وسيطا يلعب دور المرشد الاجتماعي والمحلل النفسي والمربي والمعلم ودور العائلة في الدعم والاهتمام والمرافقة.


"إن فن التنشيط هو فن إيقاظ الشغف في نفوس الشباب ونبش مهارات ومواهب يجهلون وجودها، والمنشط الجيد هو وسيط بين الشاب ونفسه قبل أن يكون وسيطا بينه وبين مجتمعه." (أميرة مبارك)

وعلى هذا الأساس يتطلب العمل مع الشباب ومع أطفال القرن الواحد والعشرين ليونة وانسيابية وقدرة كبيرة على التعلم لمجاراة حاجياتهم ومتطلباتهم وعلى المنشط البارع أن يكتسب جملة من الميزات والصفات والآليات التي تعتبر أسلحة ودروعا في معركة حاسمة يفوز بها أو يخسر:

- المعرفة العامة: لابد للمنشط في خدمة دوره التربوي أن يكون شاسع المعرفة متطرقا لمختلف العلوم ومبادئها كانزا لزاد محترم من الثقافة العامة، فمن معالمه أن يحاور نظيره في شتى الأطروحات السياسية والاقتصادية وما يأتي به التاريخ وما يصدر عن العمران... ولذلك عليه أي يطالع ويبحث ويجرب ويسأل باستمرار.

- التفاؤل والدعم الدائم: لا يمكن لفاقد الشيء أن يعطيه. ولا يمكن للمنشط الذي تطغى عليه الأفكار السوداوية وتكبله المعتقدات السلبية أن يؤطر شبابا طموحا ويصنع منه مثالا للنجاح والكفاح، كما أن الدعم المتواصل لكل المبادرات الشبابية الفردية منها والجماعية مهما بدت في نموذجها الأول بسيطة أو صعبة التحقيق أمر ضروري لشحذ هممهم وتمكينهم من الوصول إلى أعلى درجات الثقة بالنفس.

- الالتزام: يرتبط هذا المصطلح عادة في أذهان البعض بالمعجم الديني، إلا أنه أكثر تركيبا من هذا الفهم السطحي. فعلى المنشط الإنسان أن يلتزم بجملة من القيم التي يستجدي بها مكانته الاجتماعية وتقديره لذاته المهنية، وعلى سبيل المثال نذكر الالتزام ب: قضايا السلام، المبادئ الإنسانية، الأخلاق العامة، الجدية في العمل، احترام الوقت والزملاء والرواد، التجديد والمساهمة الفعالة...

- الذكاء العاطفي: مهارة يحتاجها المنشط أكثر من أي أحد في أي مجال آخر، وتتطلب هذه المهارة صبرا ومقدرة كبيرة على ضبط النفس، والمراوحة السلسة بين الحزم والبشاشة، وفرضا واضحا للحدود ومسارات الحوار. إذ يقوم الذكاء العاطفي على ركيزتين أساسيتين ألا وهما الحوار البناء والكاريزما الشخصية أي قوة المظهر والحضور والتي تبرز في كثير من الأحيان في مدى الثقة والأريحية والهدوء أثناء النقاش وبعده. ولابد للمنشط أن يدرك أن الهدف من الحوار ليس الفوز به ولكن إرشاد وتوجيه الطرف الثاني أو فقط الإنصات والاستماع الجيد له إن لاحظ أنه في حاجة إلى الفضفضة لا إلى حلول.

- المهارات المهنية: يكون المنشط الجيد قادرا على تنظيم الاجتماعات، تنظيم التظاهرات وإعداد المشاريع الثقافية، تسيير النقاش، فظ النزاعات، قيادة المجموعة والتصرف في فريق العمل، إجراء البحوث الميدانية، خلق نوادي إبداعية، إتقان العمل على البرامج المكتبية في الحاسوب، العمل على برامج الفوتوشوب والتصميم الجرافيكي، التمكن من أساسيات التصوير الفوتوغرافي، مهارات المونتاج والتركيب، امتلاك إحدى أو بعض محامل التنشيط (رقص ـ رسم ـ لغات- سينما-مسرح...)، استغلال تقنيات التنشيط والوساطة، التواصل الفعال...

تتناقل ألسنة العامة حكما مسبقا فيما يتعلق بمضمون دراسة طلبة التنشيط ويظن معظمهم أنهم يتعلمون خطوات الرقص وكلمات الأناشيد والأغاني وألعاب الأطفال فقط.. ولكن ما يجهلونه بحق هو أنه لاكتساب ما سبق ذكره من معايير وخصال يمر أستاذ التنشيط بمناهج أكاديمية في تكوينه تساعده على بناء شخصية متعطشة للمعرفة والتطور على الدوام وفكر متحرر وخلاق يطوف خارج كل الصناديق المألوفة، ويمر طلبة الإجازة الوطنية في الوساطة والتنشيط في المعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي ببئر الباي في ولاية بن عروس- تونس طيلة ثلاث سنوات من الدراسة النظرية والميدانية (مع إمكانية إتمام مرحلة الماجستير مهني أو بحث لمدة سنتين) بعدة مواد تجمع بين العلمي والاجتماعي والفني ونذكر على سبيل المثال لا الحصر: تقنيات التنشيط، المسرح، الموسيقى، التعبير الجسماني، السينما، الفن التشكيلي، الرسم، التنشيط الرياضي، مناهج البحث العلمي، تنشيط ذوي الاحتياجات الخاصة، الأنثروبولوجيا، علم اجتماع الشباب، علم الاجتماع، تاريخ ونظريات علم النفس، علم نفس المراهق، الوساطة التربوية، التنمية الذاتية، علم الفلك، علم الطاقات المتجددة، ملتيميديا، الإعلامية، صناعة مواقع الواب، الفيزيولوجيا البشرية، علم الإحصاء، العربية، الفرنسية، الإنجليزية، التصرف في فريق العمل، النقد الفني والأدبي، التراث المادي واللامادي، تقنيات التواصل، منهجية بحث العمل ومشروع المؤسسة، تصميم المشاريع في مجال الوساطة والتنشيط، التصرف المالي والإداري، التصرف في الموارد البشرية، التنشيط الريفي والحضري، قانون الشغل وثقافة المؤسسة، الشباب والحركات الناشئة، حقوق الانسان، تاريخ تونس، علوم الصحة... أليس ما سبق بالإضافة إلى التجارب الميدانية والشغف كافيا لخلق رب يتربع مملكة التنشيط؟ ولكن أي مصير لهؤلاء؟

"إن مطرب الحي لا يطرب!"..

وكذلك حال هذا الإطار الكفء الذي عانقته البطالة وأجفلته ندرة الانتدابات واستغلته المؤسسات الخاصة وأنهكه الخصام مع المسؤولين والوزارات. هذه الكفاءات المنبوذة التي خسرت الحكومات المتعاقبة استثمارها، أطباء المجتمع الذين يتوقون لمعالجته وارتداء مآزر الإصلاح والإدماج.

 دور الشباب والمراكز الثقافية والمدارس والمعاهد والجامعات والمبيتات المدرسية والجامعية ودور المسنين ودور الأيتام ورياض الأطفال والنوادي الحكومية كل هذه مواطن شغل لا شغل فيها لأساتذة التنشيط والوساطة! أي فساد يرتع في دولة لا تستطيع وضع خطة تنموية للتشغيل وأي ضغوطات خارجية! كيف لمستشاري الحكومة أن يتغاضوا عن الدور الجوهري والتأثير العميق الذي سيلحق بالمجتمع كافة أفرادا وجماعات، أطفالا وناشئة وعائلات بوجود ورقة رابحة في لعبة الرقي والتنمية الاجتماعية!

يرى تايلور (Taylor) الثقافة على أنّها نظام متكامل يشتمل على كلٍّ من المعرفة، والفن، والقانون، والعادات والتقاليد، والأخلاق، وغيرها من الأمور التي يكتسبها الإنسان بوصفه أحد أفراد المجتمع. وعلى هذا الأساس إن ضرب هذا القطاع وحماته ومجنديه فإننا قد صرعنا إنسانيتنا وماهيتنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا.

إن المواطن اليوم مطالب بأن يكون ضليعا بالسياسة دارسا للاقتصاد مترفعا عن نظم التفاهة ومسؤولا عن مستقبل أطفاله ليضمن لهم الحرية الكافية كي لا يستحيل أحد منهم ربا منسيا تحت أنقاض الثقافة.  


  • 2

   نشر في 22 غشت 2022 .

التعليقات

شاعر النيل منذ 9 شهر
كل الحلول محتواها القراءة والمعرفة
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا