مضغ الباطل - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

مضغ الباطل

  نشر في 19 يونيو 2023 .


قيل للحمار: لِمَ لا تجترّ؟ فأجاب: أكره مضغ الباطل!

لكن يبدو أن جواب الحمار لم يعد مقنعا لرؤساء تحرير الصحف، والمشرفين على المواقع الإخبارية في شبكة الأنترنيت، ممن يجدون لذة في مضغ الباطل، وبلعه، وإعادة تدويره في الطبيعة كما هو شأن باقي مخلفات البشر والبهائم على السواء!

تبدو الأخبار والحوادث كالأعشاب الطرية، يمضغها القارئ كل صباح وهو يحتسي قهوته. ومن البديهي أن يتحقق أثناء المضغ من سلامة العشب وطراوته، وحفظه للصحة من أخطار التسمم قبل بلعه. غير أن السباق الإعلامي الحميم لم يعد يهتم كثيرا بهذه الأمور، فبإمكانك أن تجترّ ما مضغته لتسهم في زيادة نسب المبيعات والمشاهدات، وحشد آلاف المعجبين.

كانت الجريمة على سبيل المثال، تحتل مساحة خبرية، إما لغرابتها، وإما لارتفاع عدد الضحايا، وفي الغالب حين يتمتع المجرم بمنسوب من الذكاء يعينه على الإفلات من قبضة الأمن. وهنا يتدخل الإعلام ليجعل من الخبر ظاهرة تلفت انتباه الباحثين والدارسين، ويتناول محدداتها الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية إن كان مناخ الحرية يسمح بذلك.

أما الجريمة في زمن السوشيال ميديا فهي أشبه بطقس يومي. ما يهم هو حضورها كمادة أساسية يجري تداولها على نطاق واسع. قد تقرأ على سبيل المثال خبر تعرض سيدة لسرقة حليها أوهاتفها المحمول، ثم إسراعها بإخبار رجال الأمن الذين قاموا على الفور بإجراء التحريات اللازمة، والقبض على اللص في أحد مقاهي الشيشة. وينتابك التساؤل عن الهدف من إيراد حادثة تتكرر عشرات المرات، فلا تجد ما يثير في الأمر سوى ضرورة إخبارك بما جرى، لتمضغه ثم تلفظه.

وكانت الشهرة قرينة الموهبة، والتجربة، واكتساب قاعدة شعبية، ثم تحضر المتابعة الإعلامية تتويجا لمسار فنان أو كاتب، أو رياضي. أما إعلام اليوم، فهو من يتولى صناعة المشاهير، وتضخيم حضورهم في المشهد اليومي، سواء من خلال إنتاجاتهم، أو بالتلصص المستمر على حياتهم الخاصة، وتصرفاتهم كأناس يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق.

لكن يظل أسوأ ما في المضغ الإعلامي للباطل هو تفكيكه المستمر لقيم الجماعة، وانحيازه للوقائع والأحداث من منظور سينمائي، غايته التشويق والإثارة، وتغذية فضول المجتمع لانتهاك خصوصية الآخرين، وتمزيق الأستار بدعوى الحرية.

ما الذي يستفيده القارئ من سعي مجلة إلى كشف أسباب طلاق فلان أو فلانة؟

وما الكسب الذي يحققه النبش في دوافع الخصومة بين أشقاء وأصدقاء، أو بين أفراد عائلة، بدعوى أنهم شخصيات عمومية أو مشاهير؟ أكيد أن الشهرة أو المكانة الاجتماعية لا تمنح الحق لأي كان في التلصص على غرفة نومه، وسلّة مشترياته، وتكاليف علاجه.

لقد صارت حياة الفنان أهم من فنه..

و المغامرات العاطفية للكاتب أهم مما يصنعه خياله الأدبي..

وأداء اللاعب لمخالفة السير أهم من أدائه في الملعب!

وخلف هذا وذاك سوق ضخمة من الدعاية لعلب الشيكولاتة والعطور وكريمات إزالة الشعر، واحتفاء بالمال الذي كان خادما جيدا للرسالة الإعلامية، قبل أن يصير سيدا يدفع من جيبه ليمضغ القراء باطله!



   نشر في 19 يونيو 2023 .

التعليقات

كاتب مميز فكرا وأسلوبا ،اتمنى لك ولامثالك التوفيق، اتشوق لقراءة مقالاتك
0
حميد بن خيبش
شكرا أيها المحترم، تسعدني متابعتك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا