القراءة كفعل حضاري ! - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

القراءة كفعل حضاري !

  نشر في 05 نونبر 2022  وآخر تعديل بتاريخ 09 نونبر 2022 .

-اختلف المفكرون و الفلاسفة في ماهية القراءة و الفعل القرائي و ذهبوا في ذلك مذاهب شتى ، لا يعني هذا أنهم اختلفوا في تعريف القراءة من حيث هي فهم لرموز لغوية ذات معاني  معينة متعارف عليها يعلمها القارئ و المتلقي لكن الاختلاف هو في تعريف الفعل القرائي كتعامل مع نص أدبي فكري أو تاريخي معين محكوم بسرديات معينة , فالسؤال المطروح هو كيف يتلقى القارئ هذا النص عبر قراءته و ما هي ماهية هذا النص أصلا .

مهما تختلف تعاريف العلماء للقراءة ومهما تتعدد نظرياتهم حول ماهيتها الحقيقية فإن هذا الفعل "القراءة" كفعل ثقافي و معرفي و حظاري يعيش أزمة حقيقة داخل مجتمعاتنا الناطقة بالضاد فتفقد بفقدان هذا الفعل الجوهري عاملا بالغ الأهمية من عوامل الوعي المجتمعي و البناء الحضاري .

ملامح الأزمة:

-يعيش الكتاب والقراءة عموما أزمة عميقة في مجتمعاتنا العربية خصوصا والإسلامية عموما يمكن التأريخ لها بالانحدار الحضاري الذي عرفته الأمة الإسلامية بعد انقضاء قرونها الذهبية الخمسة، ويمكن من دون شك اعتبار أزمة القراءة هذه سببا من أسباب هذا الانحدار وفي نفس الوقت نتيجة من نتائجه وتجل من تجلياته فلماذا قد تقرأ أمة منهزمة حضاريا.

وعلى العموم فحالة الكتاب والقراءة يمكن اعتبارها ودون مبالغة " ترمومترا " للحالة الحضارية لأمة من الأمم، فالقراءة في التاريخ العربي الحديث عرفت انتعاشه في فترة ما يسمى عصر النهضة العربية اد انتشرت الكتب بانتشار المطابع وتم استرجاع بعض من ذكريات أيام المجد الغابر في قرطبة وبغداد ودمشق. إلا أن هذه الانتعاشة لم تدم طويلا و عادت الأمور إلى ما كانت عليه فخلت المكتبات من روادها و عجت الزوايا و الضرائح بالزوار و المريدين في جو من البدع و الشركيات و تركت الكتب دون قراءة و قرأت الأكف و الفناجين و عادت الأمور إلى ما كانت عليه كأن شيء لم يكن.

وسبب فشل هذه التجربة هو نفسه سبب فشل النهضة العربية العيب في المبادئ و المنطلقات و الخلل في الأهداف و الطموحات ، لنصل إلى حالة الكتاب و القراءة في زمننا هذا زمن الإنترنت و وسائل التواصل و الواقع الافتراضي , زمن القراءة فيه أمام كل هذه الملهيات و التفاهات أصعب من أي وقت مضى فمن قد يرغب في القراءة و تعلم أشياء جديدة ينتفع و ينفع بها في حين أنه يمتلك عالم من الترفيه يستطيع الولوج إليه بضغطة زر من أفلام و مسلسلات و ألعاب فيديو و وسائل تواصل (و هي في الحقيقة و سائل تقاطع) ...إلخ.

إن الأمة الاسلامية ذات تجربة خاصة فريدة مع الكتاب تكاد تكون وحيدة فهي أمة كانت تستضيئ بضياء الأمر الإلهي "إقرأ" فتبعته ليوصلها إلى مرابع الحضارة و الرقي و ما إن أغفلت هذه الأمة هذا الأمر الإلهي العظيم حتى هوت في أعماق الجهل و التخلف و الذل و الصغار ، فعندما كان المسلم قارئا كان سفيرا لحضارته تغمره مثلها و أفكارها يعادي أعدائها و ينافح عنها بكل ما أوتي من علم و معرفة ، كانت لديه رؤية حضارية شاملة لنفسه و للعالم المحيط به و كان يعلم موقع حضارته هذه من التاريخ و ما يريده لها في المستقبل كان هذا هو المسلم العادي زمن الحضارة و الازدهار فأما اليوم فبإمكانك وصف مسلم الشارع بعكس كل هذه الصفات و لا حرج عليك.

ولا حاجة لنا هنا لذكر شواهد على هذه العلاقة الخاصة التي جمعت الأمة المحمدية بالكتاب أيام المجد الحضاري فهي لا تبدأ بارتطام دابة بعالم من العلماء وهو يقرأ ماشيا لتقتله ولا تنتهي بالجاحظ الذي سقطت عليه كتبه لتقتله وهو شيخ كبير جاوز التسعين من عمره. بل نكتفي بما قاله مؤرخ الحضارة الأشهر الأمريكي ويل ديورانت حول هذه العلاقة الفريدة يقول ( لم نعرف في التاريخ ظاهرة الشغف باقتناء الكتب لدى أي أمة في التاريخ كما وجدناها عند المسلمين).

طاعون الكتب التجارية :

أحد أخطر المشاكل التي تواجه حالة القراءة في عالمنا العربي اليوم هي ضحالة و سوء و تفاهة المادة المقروءة إد نجد أن أغلبية الأقلية القارئة لا يقرأون إلا هذا النوع من الكتب التجارية التي غالبا ما تكون عبارة عبارة عن روايات أو كتب تنمية بشرية ذات الحصيلة المعلوماتية الضحلة و السطحية هذا إن وجدت من الأساس ، فلا تبقى إلا أقلية داخل أقلية هي التي تقرأ و تشتغل بالكتب ذات المحتوى المعرفي الحقيقي فكريا كان أو علميا أو تاريخيا .. ، وهذا لا يعني رفض الروايات مطلقا لكن توفر بصيرة تختار الرواية ذات المضمون النفسي الفكري التاريخي على الرواية التي تقرأ لضياع الأوقات و كمتعة لمجرد المتعة .

-والكارثة هي أن هذا النوع من الكتب هو الذي يغزو الأسواق ورفوف المكتبات وذلك يرجع إلى قانون الاقتصاد الأشهر "العرض والطلب" لكن لا أدري أكان الطلب ثم كان العرض أم جعل العرض فلم يكن لذى الطلب خيار بتخطيط ممن يهمهم بقاء العقول مغلقة، ضحلة و سطحية؟

إن حالة الكتاب اليوم في العالم وليس في بلادنا فقط أدت بكل من له حب للمعرفة والاطلاع إلى الاعتماد على مصادر لا تغني ولا تسمن كفيديوهات اليوتيوب التي تشرح أعقد المواضيع في دقائق معدودة فتقع في فخ التسطيح من حيث هي أرادت التبسيط وكذلك الاعتماد على مقالات سطحية يقرأها فيضن أنه أعلم العلماء وهو إلى الجهل أقرب منه إلى العلم، وكنتيجة لكل هذا نلاحظ تدهور التحصيل العلمي في مختلف بلدان العالم ونرى الغوص والتعمق في تخصصات دقيقة روتينية بعيدا عن أي معرفة كلية ونظرة شمولية للعالم خارج التخصص الضيق.

-إن أي حديث عن نهضة إسلامية لا يكون العلم و التعليم ركيزة من ركائزها و بالتالي الكتاب (فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، أي حديث كهذا هو محض هراء و افتئات فالتاريخ يخبرنا عن الحضارات (إن جاز وصفها بذلك) التي ركزت على جوانب قد تكون تجارية أو عسكرية...و أغفلت الجانب العلمي فإن مصيرها هو النسيان و ضعف التأثير في التطور البشري و إن كانت هذه (الحضارة ) قد غزت العالم أجمع .

يحتاج الكتاب و الكاتب اليوم في البلاد المسلمة دعما حقيقيا من الحكومات وهو ما لن يتحقق إلا بإدراك صانع القرار لخطورة الموقف و مغبة عدم التصرف و اتخاد الإجراءات الازمة في اتجاه تعزيز مكانة الكتاب و ذلك يكون عبر و سائل مختلفة منها الدعم المباشر للكتاب لتعزيز حركة النشر العلمي و الأدبي و الفكري و كذلك دعم الكتاب نفسه ليكون في متناول الفئة المستهدفة الرئيسية فئة الطلاب ، كذلك عبر استعمال المنابر الاعلامية الرسمية للترويج للكتاب و للقراءة ، كل هذا سيخلق حالة قرائية علمية ثقافية في المجتمع و بالتالي لبنة أساسية و مركزية في البناء الحضاري الشامل.


  • 1

   نشر في 05 نونبر 2022  وآخر تعديل بتاريخ 09 نونبر 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !




مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا