فلسفتي في الزواج - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فلسفتي في الزواج

وجعل بينكم مودة ورحمة

  نشر في 25 يناير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 31 أكتوبر 2019 .

لم يكن يوماً يدور في مخيلتي أني قد أصوغ بيانا رسمياً حول شروط الزواج، لكوني أعتبر الزواج كإمضاء شيكٍ على بياض؛ فما تدري أيكون صاحب الحساب ذا مال وفير أو تبعات أكثر قد تكون تحت الصفر.

ولكن ساقتني المواقف سَوقاً لأن أكتب هذه المرة. هأنذا أكتب لكِ يازوجتي المستقبلية.

نعم أكتب لها ولا زلت لم أجدها، فحريٌ بي أن أكتب لها وأصِفُ لها ما بِه يطمئن قلبها قبل أن تعرفني. فيحصل عندها نوع من التآلف قبل التعارف، وحتى لا يكون فيَّ خلاف ماظنت بـي. لذا أنا أبرء ذمتي وأبرز كينونتي حتى تظهر لمن تودُّ ذلك.

إن أول ما قد أجيبك عليه من شروطك اثنين لا ثالث لها، أن أعدك باحترام وتقدير وتعامل حسن لايخرم مروءة الرجل ولا ينقض عهده الغليظ الذي واثق ربه عليه.

ثم لا تغتري بما وعدتك به، أنصحك بأن تكملي القراءة ولا تكتفتي بالعناوين أو المقدمات. أتمي الكلام إلى حيث ينتهي.

إني لا أعدك بقصر فلست أمير العصر، ولكن فمعي قد لاتجدي غير الفقر، لست سياسيا أو اقتصاديا، ولست صاحب عقارات أو وارث كنوز أو تاجر يواقيت ومجوهرات... لست سوى بائس فقير صعلوك لا مال ولا سكن، فكيف لي بنساء هذا الزمن وخاصة في هذا الوطن. وعليه فلفقري لا أخضع لعلاقات المنفعة ولا هي مدرجة ضمن قوائمي، ولأني فقير لا أرى نفسي فتى الأحلام لأي فتاة. يرحم الله الرافعي حين قال "فما كل ذي متربة فقير، ولا كل ذي مثراة غني، والفضائل قائمة في الدنيا بالصغار والفقراء، ولكن من نكد الدنيا أن عنوانها هم الكبراء وحدهم".

إني لست أرى العظمة بالأبهة والمظهر، أوكنزاً للمال، وأن قلة الشيء دليلا على الشقاء، ولا السعادة ليست بكثرة الأشياء والترفه، ولكنما التقي هو السعيد.

لعل سر الزواج وحكمته ليست في الغنى، أو الثراء الفاحش، ولا المعيشة ذات الهناء؛ ولكن سِر الزواج وحكمته في قوله تعالى: "لتسكنوا إليها" وفي قوله "وجعل بينكم مودة ورحمة" فإذا غابت المودة والرحمة والسكينة ولو حضر المال، فلا اعتبار لهذا الزواج ولا قيمة له، بل هي زيجة فاسدة وجب أن تَنْحَلّ عُراها أو يُعاد تشكيلها وصياغتها على قواعد الزواج الصحيح.

لست أتشوف إلى أسيلة الخدِ رشيقة القدِ صَبُوحة الوجه، كَحِيلةَ الطرف ثقيلة الردف، ولكني لست أنفي عن نفسي لَهْـفَ نفسي هذا، ولكن هي أولويات تُقدم فيها حوائج وتؤخر فيها جوائز. وإنما نريد أن نَقْدِر الزواج حق قدره، وأن نبين رأينا فيه وليعلم الناظر في كلماتنا هاته أن أحق شيء بالتَجِلَّـة والتَقْدِمة عندنا في أمر الزواج هو الخُلق ثم التدين.

الخلُق أجْمَلُ ما تزهو الفتاةُ بهِ
إنْ قارنوا الحُسْنَ أو قاسوا بمقياسِ

وليس هذا لزهدنا في الحسن والجمال، وإنما هي أولوياتٌ يتقدم بعضها بعضاً في الرتبة والدرجة، وكان أحقها بالتقدمة الخلق. لما له من دور أساسي في علاقات الإنسانية جميعها. فأما المال فلا حاجة لنا فيه، ولا رغبة لنا في نكاح امرأة ذات مال وإن اتصفت بأوصاف حديث الباب الذي تُنكح لأجله النساء.

قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه أبو هريرة رضي الله عنه: "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك".

وعليه فلخياراتي هذه دواعٍ منها؛ أن ذاتُ خُلقٍ وجمالٍ مقبول، وإن قصر بها أمر الدين فالدين مما يستدرك ويُتعلم فلا بأس بها. وهي عندي أحرى بأن تُقدم، وليس عندي في هذا تعارض وقوله صلى الله وسلم"فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" لأن صاحبة الخلق هي ذات دين، أما وإن قصر بها الخلق فأنا للراشد أن يحلم بعد سفاهة. فقد سمعت ممن أتق بشهادته، وهو عندي ليس بمتهم أن أحد أصدقاءه تزوج من سيدة جمعت كتاب الله في صدرها وأنها ذات دين إلا أنها افتقرت إلى الخلق الذي لأجله تكون المودة والرحمة والدفء داخل بيت الزوجية، وإن افتقدت هاته الخصال فما الحاجة إذا من هذا الزواج إن غاب ما يُلتمس فيه. وإن رُدَّت امرأةٌ حاملةٌ لكتاب الله لسوء خلقها فكأنما زُهد فيما عندها من العلم والدين، لذا أنصح بأن يُتحرى في الخلق فهو أولى المطالب التي عزت في هذا الزمن فسوقه نافقة. وبلغني منه أنها كانت تعنف زوجها...

لست هنا أحتج بهذه الواقعة فأُعمم، لأجعل منها قاعدة مضطردة؛ ولكن حسبي أن أي علاقة إن انتفت الأخلاق منها وشابتها شوائب سوء الخلق تصبح علاقة سيئة وجب وقفها أو إعادة بنائها في ضوء حسن الخلق. والزواج أولى بهذا لأنه عِشرة أبدية وغيرها من العلاقات قد تنقطع. فالزواج أو الأسرة ككل هي جذر العلاقات والأصل الذي تتفرع منه.

ثم إني أرى الزواج أن يدبر بالعقل لا بالعاطفة، وليس هذا دعوة إلى الجفاف العاطفي تجاه النصف الآخر لك، وتجاه بيتك. ولكن هذا حُكم استنتجته واختطته لنفسي، عَلّه يكون خاطئاً ولكني أرى أن عملية اختيار الشريك المناسب يجب أن تخضع لمنطق العقل لا العاطفة، وأن العشرة يجب أن تُدار بمنطق العاطفة أكثر من العقل، بالإضافة إلى الثقة المتبادلة وحسن العشرة والتسامح.

والاختيار عندي على أضرب منها:

فمن النساء من كَمُل عقلها وجَمُلُ خلقها وحُسنها، ومنهن من زَان خُلقها وقَصر بها جمالها، فأما أقبحهم فهي التي لاحسن ولاخلق. وخير النساء من كانت على حسن وجهها في خلق كجمالها وازدانت برجاحة عقلها وقلبها.

ولكن لمن يريد أن يوطن لنفسه ويبحت لبيته عن قاعدة ليست بِلَكَاع، ويتحرى أين يُنشّأ أولاده، فعليه بمن كَمُل عقلها وزانت أخلاقها وحَصُف ذِهنا ولو أبطأ بها جمالها، وإن كنت مفتخراً ناكحاً للصور فأنت وذاك، وإن أخطأت ما وصفت لك فأنت فعلا تربت يداك.

لعل الفراغ يظل يملء قلوبنا والخواء يستحوذ علينا حتى نَهنأ بالنصف الآخر الذي نتمناه أن يكون صالحاً فيقربنا إلى الله ونكون له في لين مساغ الماء العذب في الحلق الظامى، ويكون مودةً ورحمةً وسكناً لنا. ويظل تعطشنا لهذا النصف على الذي وصفنا كتعطش الظمآن للماء الزلال.

اللهم ارزقنا وجميع المسلمين بالصالح الذي تتم به آمالنا وتنعدم به آلامنا ويتحقق فيه قولك وجعلنا بينهم مودة ورحمة. 


  • 14

  • هشام الشامي
    أُحب المعنى وأحتفل باللفظ، أعشق البساطة، وأبتغي الإبانة، أَميلُ إلى العُمق وأنفر من الغموض.
   نشر في 25 يناير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 31 أكتوبر 2019 .

التعليقات

mosaica منذ 1 أسبوع
مقال رائع جدا
أنا شخصيا ارى ان ذات الدين والخلق هي أجمل البنات لأنها ستتقي الله عزوجل في نفسها وفي بيتها وفي زوجها وهي التي قال عنها خير الورى محمد صلى الله عليه وسلم
2
هشام الشامي
شكراً لمرورك العطر
مثقف منذ 2 شهر
دام هذا الابداع
2
هشام الشامي
آمين يارب، حفظك الله.
mram منذ 4 شهر
مقال روعه
2
هشام الشامي
وأنت أروع شكرا لمرورك
لمى منذ 4 شهر
جميل أسلوبك في الكتابة، قصير العبارة، كثير المعاني، بارك الله فيك.
وأحبذ ذكر اختلافي في فلسفتك:
حديثك عن الرجل الفقير، فمعظم النساء لا ترنو ولا تصبو إليه حتمًا، ولكني لا أراه خطأً، فهنالك فرق بين الفقير، والمسكين، فالفقير إذا أراد فتاة ذات مال، أو متوسطة الحال، حسب ما أراه عليه أن ينهض بنفسه ويجد كفايته ليوفّر لها ما تحتاج على قدر طاقته، لئلا يُحدث الاختلاف خلاف فيما بعد.
وقولك:
"أحق شيء بالتَجِلَّـة والتَقْدِمة عندنا في أمر الزواج هو الخُلق ثم التدين"
معلومٌ بأن العرب تبدأ بالأهم فالأهم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) وهو عليه الصلاة والسلام قدّم الدين على الخلق.
"وإن قصر بها أمر الدين"
شتان بين من نشأ على الطاعة، وبين من امتثلها فيما بعد، وقد قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا}.
وأما قولك بأن ذات الخلق هي نفسها ذات الدين، الخلق جزء من الدين، وليس كله، وهذا واضح بالبداهة.
شكرًا لك.
3
هشام الشامي
شكراً اختي لمى لمرورك العطر واشكرك على هاته التنبيهات الجميلة وأظن أننا لم نختلف على مستوى المقصود والجوهر. بارك الله فيك
Yousra منذ 4 شهر
كيف استطيع ان انشر كتاباتي في هذا الموقع
2
حييتم قال رسول الله (عليكم بذات الدين ) فاذا اردت اقامة العائلة الفاضلة فهذا هو الاصل في الاختيار
2
هشام الشامي
صدقت أخي ناصر نصرك الله وجعلك محموداً
هشام الشامي
حفظك الباري سبحانه
Ahmed Tolba منذ 4 شهر
احسنت
2
هشام الشامي
أحسن الله إليك أخي أحمد
محمود بشارة منذ 10 شهر
نسيت يا صديقي اهم خطوة في الزووااااااججججججججججج هي الاستخارة ، استخارة الملك ، اللــــــــــه تعالى فهو الميسر والمسير الى كل خير .
3
هشام الشامي
هو كذلك، بارك الله فيك.
لينة بغدادي منذ 10 شهر
مقال رائع ....وما اجمل حين يجتمع الاختيار مع القدر في الزواج ...مقال ثري فعلا بكل تفاصيله ...التوفيق لك اخ هشام ...
4
هشام الشامي
وفقنا الله واياكم لما يحب ويرضى.
>>>> منذ 10 شهر
مقال جميل و مقاطع القافية أجمل... انا أرى أن ذات الدين التي يقصدها الرسول عليه الصلاة و السلام هي ذات الخلق و التي تعلم و تعمل بما تعلم لتعلمه للجيل الذي سيتربى على يديها... أما معايير الجمال فهي خادعة لأن مقاييس الجمال تختلف من شخص لآخر و كل فتاة جميلة بإحدى العيون كما الفتى... و أجمل ما انهيت به مقالك هو الدعاء...
3
هشام الشامي
شكراً جزيلاً على تفاعلك الجميل، وعلى حسن الاطراء والمديح. شكراً لمرورك العطر أختي الكريمة

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا