معاناة رغبةً في الجمال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

معاناة رغبةً في الجمال

  نشر في 16 يوليوز 2019 .

كُن جميلا، ترى الوجودَ جميلا.. هكذا اختصر أحد أبرز شعراء العرب في القرن العشرين مسألة الجمال، وبأمرٍ صريح، حثَّ هذا الشاعر العربية والعرب على تبني ديانات الجمال والتجميل طمعًا في تلك النشوة المريحة التي تصيب عصب كل مَن يرى الجمال ويعشقه، كلَّ مَن يستشعر الجميل ويحبه، كل من يجد نفسه محاطًا بكل جميل فيرتاح.

لقد راود ويراود حتى يومنا هذا حلم الجمال والظهور بمظهر الجميل الكثير من البشر، فلا نزال حتى هذه الساعة، نستذكر قصة سيِّدنـــــا يوسف عليه السلام، النبيَّ الجميل جمالا لا قِبَل لنا بنظيره، ونحن نضرب الكف على الكف، حَمَقًا لأننا لم نعش ذاك الزمن الرائع، ولأننا لم نكن شهودًا على أجمل البشر بشكل أزلي.

حُلم الجمال حملته النساء كما حمله الرجال، حملته العجائز كما حمله الصبيان، قام بحمله الكثير من البشر، والكثير من الأفراد على اختلاف الأجناس، الكلُّ راغبٌ بالظهور بمظهر الجميل، الكلُّ يقف يوميا أمام المرآة راغبا في انتقاد ما بقي لذاته من اعوجاج من أجل التصويب والظهور بأبهى حلَّة ممكنة، الكلُّ يشتري أجمل الثياب، يزور أمهر الحلاقين، يقتني أغلى العطور، ويتابع آخر ما تمَّ اكتشافه في صيحات الموضة والأزياء، كل هذا من أجل صناعة مجد جمالي، ولو على الصعيد الشخصي إرضاء للذات.

لا نزال البحث على أقرب الطرق للوصول إلى مكان يسمى بـ: "الأجمل"، لا نزال نجتهد حتى هذه اللحظة لكي نظهر في الصورة الأرقى والأنبل، بحيث يُعتبر هذا أمرًا مشروعا للغاية لكلِّ البشر، بجميع فئاتهم، أعراقهم ولغاتهم، إنَّه الحُلم الذي تُختصَر فيه المسافات والأزمنة، ويلتقي فيه الشغف بالعلوم والديانات وحتى الفلسفات.

هناك علوم تدرس العقاقير ومواد التجميل، هناك فلسفات تصنِّف الجميل وتميِّزه عن القبيح، هناك مشعوذون وعرَّافات يحاولون المزج ما بين الوقائع والخرافات من أجل تسويق بضاعة الجمال بين الغافلين والغافلات، وكم هي بضاعة رائجة فعلا!

لقد تحوَّل الجمال في عصرنا –بداية القرن الواحد والعشرين- من الحُلم إلى الهَوَس، وصار له رواد ومجانين، صار أفخم وأضخم صنم يُعبد في كافة البلدان ولدى كافة الجنسيات، لهذا وجد الكثير من المحتالين الفرصة سانحة لابتزاز هؤلاء الأتباع، أتباع هوس التجميل، من أجل تحصيل ثروات طائلة.

بغض النَّظر عن الشركات التي تصنع وتسوِّق مواد التجميل والمستحضرات الخاصة بذلك، فليس لها ضرورة للذكر في هذا المقام، قد تجلَّت في الآونة الأخيرة، تلك العيادات التي تدَّعي التخصص في القيام بعمليات تجميل الوجه بشكل أساسي وبعض الأطراف الأخرى من أجسام النساء.

وبعيدا عن مدى مشروعية هذه العمليات التجميلية من الناحية الدينية أو الأخلاقية، من الناحية الفلسفية أو العِلمية، وبعيدا أيضا عن ذكر الآثار الصحية المترتبة عن أبسط الأخطاء الطبيَّة المترتبة عن أغلب هذه العمليات، يجدر التركيز هنا على أمر مهمٍّ جدًّا في نظري، ألا وهو: الدافع والمنافع من هكذا عمليات.

عندما نلاحظ المرأة التي تجتهد لوقت طويل من أجل توفير مبلغ مالي معتبر، ذاك الذي يُعتبر ثمرة شقاء لسنين من العمل الجاد والصبر على فاقة الزمن، واجتهاد المرأة ذاتها على أخذ مواعيد متباعدة من أجل إبرام اتفاقات مع الطبيب المتخصص بهذه العمليات، ثمَّ الصبر على مضاعفات أغلب العقاقير والاضطرار إلى تغيير الكثير من عادات الحياة، ابتداء بنوعية الطعام ووصولا إلى نوعية التمارين الرياضية الصعبة، بالإضافة إلى استعدادها للصبر على ألم الوخز بالإبر المتكرر في كل حصة علاجية، تلك التي توضع في مناطق حساسة من الوجه، كالوجنتيْن والرقبة، وانتهاء بتحمُّل عملية جراحية طويلة المدَّة من التخدير والنفخ، فإنَّ هذه الممارسات تقود كلَّ متأمِّل نحو مراجعة هذا "الهوس" الجمالي، مع طرح سؤال أساسي: هل حقا الظهور بأبهى حلَّة يستحق كل هذا العناء المحلَّى بالألــــــــم؟


  • 2

   نشر في 16 يوليوز 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا