تجليّات إيمانية (٤)........ - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

تجليّات إيمانية (٤)........

  نشر في 12 غشت 2021  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

نتناول في هذا المقال اجتهاداً تفسيرياً للآية الثامنة عشرة من سورة الكهف للوقوف معاً على ما بها بلاغة في السرد وتفصيل وافي للحكي القرآني .

" وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ونُقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطّلعت عليهم لوليتَ منهم فراراً ولمُلئت منهم رعباً " .

إننا نجد في تلك الآية الكريمة الكثير من المعاني والآيات والعَبر التي يقف أمامها المؤمن في حالة من الأخذ الوجداني والتفكر الإيماني والتحليق بالعقل إلى عنان السماء ، لما بها من إعجاز علمي وتشبيه وضعي ووصف لحظي لتلك القصص .

كل تلك الصفات ترسم صورة حيّة مرئية رؤي العين لكل من تَتُوق نفسه إلى معايشة تفصيلية لآيات القرآن الكريم .

وذلك يتضح من خلال سرد الأحداث في السياق التالي  :

- " وتحسبهم أيقاظاً وهو رقود " ....

نجد ها هنا أن الله سبحانه وتعالى قد صوّر الوضع والحالة التي عليها أصحاب الكهف بأن المطّلع عليهم أثناء رؤيته لهم يجدهم أيقاظاً ، وذلك لأن أعينهم كانت مفتوحة في حالة جاحظة ثاقبة ثابتة كأن على رؤسهم الطير  من شدة ثباتهم ، إلا أنهم في وضع رقود ونوم وثُبات تام .

- " ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال " .....

إننا في هذا الجزء من الآية نجد إعجازاً علمياً ظاهراً ومتجلياً بها . حيث أنه أُثبت علمياً أن المريض ضريح الفراش الذي يدخل في حالة مرضية تضطره إلى البقاء في الفراش لفترة طويلة ، نجده بعدها يصاب بقرحة فراش قد تُعرّضَه إلى الموت رغم اكتمال شفائه من المرض الذي أقعده قبل هذا . وذلك حيث أن للإنسان وزن كلي ، ولكن إذا اضطر للإستلقاء على السرير فإن وزن هيكله العظمي مع ما فوقه من عضلات وأنسجة فإنهم يضغطون على الجزء السفلي الموجود تحت الهيكل العظمي . وإذا ضغطت العضلات والأنسجة ... فالأوعية الدموية الموجودة بداخلهم تضيق ، ولذلك فيقل وصول الدم إلي هذه الأماكن وينشأ حولها تقرحات تتسبب في العديد من المشاكل والإزعاج للمريض  .

أما النائم بلا مرض ! فإنه طبقاً لرأي الأستاذ الدكتور أحمد مخيمر فإنه يتقلب في الليلة الواحدة ما يزيد عن  أربعين مرة دون أن يشعر أو يدري بذلك ، لأن الجسم إذا ضغط على جهة معينة سواء اليمين أو الشمال ، فمن ثم ضاقت الشرايين ، فيضعف وصول الدم ، ثم ينتقل هذا الإحساس بالضغط إلى المخ والإنسان نائم ، وبعد ذلك يصدر المخ أمراً للجسم بالحركة إلى الجهة المغايرة في إطار المكان الواحد ، وذلك حتى يحافظ على أجسامهم بلا أي مرض أو سقم ويبعثهم من جديد بحالتهم الأولى التي كانوا عليها ، ويضرب بهم أعظم مثل لليقظة من مرقدهم والبعث بعد الموت .

- " وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد " .....

إننا في هذا الجزء من الآية نناقش إشكالية كثيراً ما أثارت العديد من المناقشات والأطروحات الجدلية ، وهي إشكالية نجاسة الكلاب من عدمها ! .

نجد أن فضيلة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية سابقاً أثناء شرحه لتلك الإشكالية قد حسم الحديث فيها ، وتحدث بأن الكلاب ليست بنجسة ، وذلك بناء على رأي الإمام مالك ، وأيضاً استشهاداً بالدليل النقلي من القرآن الكريم ، حيث قال الله عز وجل في كتابه :

" ويسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علّمتم من الجوارح مكلبين تُعلَّمونَهُن مما علّمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم  واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب " .

لقد جاء في تفسير الطبري لتلك الآية أن كلاب الحراسة والحرث والصيد ما هي بنجسة،  وذلك لأن مثلها مثل الحيوانات المعاونة والمُعينة في أعمال الزراعة والفلاحة وغيرها من أعمال تُسهّل على الإنسان عمله وتوفر جهده البدني والجسماني في إنجازها.

- " لو اطّلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولمُلئت منهم رعباً" .......

وهنأ نجد أننا أمام إشكالية أخرى في هذا الجزء من الآية . حيث أنه من المعروف والمسلّم به أن الإنسان عندما يشعر بالخوف والرعب فإنه يهمّ بالركود والفرار من أجل النجاة ، ولكن في تلك الآية نجد أن الحديث القرآني قد قَدّم الفرار علي الرعب ، فكيف يتأتى ذلك !؟؟؟؟

عند التعرض لشرح القصص القرآني نتعرض لسرد الحدث في مجمله بكافة تفاصيله دون الإجتزاء من سياقه .

نجد أن شرح القصص القرآني في سورة الكهف قد وصف مرحلة هروب أصحاب الكهف والرقيم من هول ما وجدوه من ظلم واستبداد واستعباد،  لذلك آثروا النجاة بدينهم وإيمانهم وطلب الفوز لآخرتهم .

ومن أجل ذلك الموقف المُناصر للدين والعقيدة وإستخدامهم فيما بعد من أجل إثبات البعث بعد الموت ، فقد حباهم الله بالعديد من المقومات والعوامل التي تضمن بقائهم وتحافظ عليهم دون التعرض لأي أذى أو سوء يحيط بهم ودون مساسهم بيدّ أي عابث أو معتدي ، خاصة وأنهم أثناء هربهم احتموا بكهف موجود في وسط المدينة ، وهو ليس بالبعيد عن يدّ الملك أو أهل قريتهم ، والدليل على ذلك أن صاحبهم الذي ذهب بورقهم من أجل شراء ما يسدّ جوعهم لم يذهب ببعيد ، بل عاد إليهم سريعاً يخبرهم عما وجده من تغيير في كافة الأوضاع.

لذلك كان لابد لكل من يطّلع عليهم أن يبدأ بالهروب والفرار منهم ، ثم بعد ذلك إذا حدّثته نفسه أن الموقف لا يستدعي هذا الفرار ، فيجد أن حديث عقله وقلبه أعلى صوتاً ، وذلك لتَملُك الرعب منهما معاً ، فيمنعه ذلك من العودة إليهم مرة أخرى .

وبذلك تكون قد اكتملت كل سبل ومقومات حمايتهم والحرص عليهم ، سواء من حيث يقظة أعينهم رغم نومهم ، أو شراسة وتَوَحُّش شكل كلبهم الذي كان معهم في فناء كهفهم ويحتل موقعه من الحراسة بمدخل باب الكهف ، وكذلك تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال من أجل سلامة أجسادهم من المرض ، وأخيراً فرار كل من يطّلع عليهم والذي ينغمس في أغوار رُعبه وخوفه ، فلا يكرر فعلته تلك ، ولا يَهُم بالرجوع فيتم فضح أمرهم وكشف مكان تواجدهم .

فسبحان الذي بِيَدِه مَلكُوت كل شئ وإليه ترجعون .   


بقلم دكتورة / فاتن ناظر 



   نشر في 12 غشت 2021  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا