وباء من نوع آخر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وباء من نوع آخر

التباعد الاجتماعي

  نشر في 23 مارس 2020  وآخر تعديل بتاريخ 27 مارس 2020 .

كان ولا يزال الحديث عن العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة أمرا بالغ الأهمية ذلك بسبب الآثار السلبية لهذه الحالة على الصحة النفسية والجسدية للإنسان.

حيث ذكرت تقارير ودراسات عديدة سابقة أن الوحدة هي الوباء الجديد الذي يجتاح الكرة الأرضية، حيث ذكرت صحيفة "ذا وييك" الأمريكية في تقرير سابق لها ان نصف سكان أمريكا يصفون أنفسهم بأنهم "وحيدون"..

يعرف باحثو العلوم الاجتماعية الوحدة على أنها (حالة عاطفية تنشئ عندما يكون لدى الأشخاص علاقات واتصالات اجتماعية أقل مما يرغبون -هذه العلاقات يشترط أن تجعلهم يشعرون بأنهم معروفين ومفهومين- غير ذلك فإنهم سيشعرون بأنهم وحيدين). وبحسب دراسة أخرى فإن واحد من كل اثنين من الأمريكيين ينطبق عليه هذا التعريف.

ومع اجتياح فايروس آخر أكثر خطورة للكرة الأرضية وأصبح يهدد الحياة من الناحية الجسدية الاقتصادية والاجتماعية فقد يقع هؤلاء الأشخاص ضحية لعزلة أشد وطأة، فعلى الأقل كان هؤلاء الأشخاص قادرين على الحصول على التفاعل الاجتماعي بأقل درجاته كمحادثة البقال أو التفاعل مع زملاء العمل وغيرها. أما الآن وقد أصبح عليهم وعلى الجميع التزام المنازل. أصبح الحصول على هذه التفاعلات الاجتماعية الصغيرة أمرا مستحيلا.

الحياة تحت وطأة فايروس كورونا أصبح يحكمها حالة من عدم اليقين والقلق وعلى الرغم من أنه لو استطعنا وضع هذا المشاعر على جنب فإننا سنكون قادرين على الاستمتاع بهذه اللحظات الخاصة والمنفردة من توقف العالم وأخذ قسط من الراحة. ولكن ليس الجميع قادر على ذلك. لأنه ومع حالة الذعر وعدم الأمان من خطر الفايروس والمرض و غياب الأمن الوظيفي من جهة تزداد مشاعر الخوف والقلق لدى هؤلاء الأشخاص من عدم وجود ما يساعدهم على تخطي هذه المشاعر وذلك لافتقارهم إلى الروابط الاجتماعية.

وجد باحثون قبل ظهور فايروس كورونا حتى أن 43% من كبار السن يشعرون بالوحدة، وفي تقرير أعده خبراء آخرون من جامعة جون هوبكنز الامريكية أن العزلة الاجتماعية ارتبطت بزيادة كبيرة في خطر الوفاة المبكرة من خلال العديد من الأسباب كزيادة نسبة الخرف وخطر التراجع الوظيفي وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية وخطر السرطان إضافة إلى مخاطر الصحة النفسية، حيث عرض الباحثون العديد من الدراسات التي توضح العلاقة بين العزلة الاجتماعية والاكتئاب و القلق و الأفكار الانتحارية.

وللتوضيح فأنه يمكنك أن تكون معزولا اجتماعيا دون أن تفصح عن مشاعر الوحدة (خاصة إذا كانت العزلة اختيارية) ويمكنك أن تكون وحيدا دون أن تكون معزولا اجتماعيا. ولكن كلا الحالتين تلحقان الأذى بالصحة البدنية والعقلية.

إذا كنت منعزلا بأي حال من الأحوال سواء مع عائلتك أو بشكل فردي أو بأسوأ الأحوال مع الشخص الخطأ ستجد نفسك متعطشا للتواصل البشري أي كان نوعه، حتى لو كنت تدعي انك شخص انطوائي و أن التباعد الاجتماعي الحالي مفيد لك.

ذلك لأننا كبشر غير مجهزين للانعزال لفترات طويلة. وبهذه الحالة سنكون بحاجة للتواصل البشري بشكل كبير.

لا شيء يعوض التواصل الحسي (التلامس) للأسف ولكن بالتأكيد فإن للتواصل الصوتي بين البشر أثر بالغ الأهمية. إن رنين الهاتف والاستماع لصوت بشري حقيقي يعطيك بعض التوهج المتبقي لديك ليذكرك بإنسانيتك لكونك مع انسان آخر

وفقا لجوليان هولت لونستاد، أستاذة علم النفس في جامعة بريغهام يونج الإنكليزية "إن أحد العناصر المهمة للشعور بالاتصال الاجتماعي هو تلقي الدعم من الآخرين أو على الأقل معرفة أن الدعم موجود لطلبه إذا لزم الأمر يمكن أن يكون كافيا لتخفيف التوتر والقلق". أضافت" إن تقديم الدعم يمكن أن يكون مفيدا للشخص العارض بالإضافة للمتلقي"

على الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي أوهمتنا أننا على تواصل مع الأخرين وأكثر قربا منهم. إلا أنها في الحقيقة ساهمت في خلق حالة من التباعد الاجتماعي الغير مرئي. وأوجدت حالة من الكسل الاجتماعي وعدم الرغبة في الاتصال (حيث تحول الاتصال عبر الهاتف وحتى رنين الهاتف على حالة طوارئ تعني وجود حدث ما او مصيبة قادمة!!) فمجرد رؤيتك لشخص لم تتواصل معه منذ فترة طويلة "أونلاين" فهذا يكفي لك لأن تطمئن أنه على قيد الحياة. ولكن ماذا يعني أن يكون على قيد الحياة؟

إن التواصل الكتابي كان أمرا سهلا ومحببا للجميع لأنه أقل تكلفة وصرف للطاقة من التواصل عبر الهاتف. نظرا لأن كثيرا منا يكون لديه اشباع من التواصل البشري بعد اليوم الحافل بالتفاعلات الاجتماعية سواء كان في الشارع أو العمل أو العائلة.

أما الآن وقد فقد الناس هذا الامتياز وأصبحوا بعيدين عن الآخرين بدون رغبة منهم أصبح التواصل الاجتماعي ضروريا. وبما أن لا شيء يعوض الرؤية بالعين والتلامس الجسدي فقد يعوض الصوت البشري بعضا من هذا النقص والحاجة ليحمي الشخص نفسه من العزلة والوحدة والاكتئاب.

إن هذه العملية ليست عشوائية بكل تأكيد قد يرغب البعض في جعلها عشوائية ولكن لا ضير في تأطيرها بشروط. أول هذه الشروط هو اختيار الأشخاص. ليس علينا التواصل مع أشخاص ليس لديهم الرغبة في التواصل معنا. فهذا سيزيد الأمر سوء. ومن الشروط أيضا، أن يكون التواصل مركز، بمعنى التركيز في صوت الشخص والاستماع له والحديث معه. دون مثيرات محيطة او مشوشات دون مكبرات صوت أو بعد عن السماعة.

ومن الشروط المهمة عملية اختيار الحديث البعيد عن السلبية والإحباط. فأنا من خلال هذه العملية أسعى للحصول على الشحن الذاتي لي وللطرف المقابل. فقط ركز ماهي المشاعر التي تريد أن تحملها معك بعد إغلاق الهاتف؟ سعادة وإيجابية تساعدني على استكمال التباعد الاجتماعي بقوة أم سلبية واحباط تضاف إلى الحزن والقلق وتراكم للخوف والعزلة؟

لطالما وصفت نفسي باني شخص "غير اجتماعي" لمجرد أني شعرت بضغط العلاقات الاجتماعية وازدحامها. ولطالما وجدت نفسي أصف نفسي بأني"وحيدة" لمجرد عدم حصولي على الدعم التعاطفي اللازم في أوقات معينة. المعادلة غريبة ولكنها حقيقية وأكاد اجزم أننا جميعنا شعرنا بها في فترة من الفترات. 

ولكن تخيل معي أن هناك من يعيش هذه المشاعر بشكل مستمر دون تغير أو تبديل سواء كان محاطا بأشخاص أو لم يكن محاطا إلا بشخص واحد أو بأسوأ الأحوال لا أحد.

يقول الكاتب عبد الرحمن منيف " إن الانسان مهما كان قويا، لا يعادل ذبابة إذا كان وحيدا". لذلك فإن التواصل البشري والبحث عن أشخاص قد يكونوا بأمس الحاجة له الآن أضحى أمرا إنسانيا و أخلاقيا غير قابل للجدال.




  • 14

  • Zeina Mkahal
    اعمل في مجال الصحة النفسية و مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي - مدونة مستقلة
   نشر في 23 مارس 2020  وآخر تعديل بتاريخ 27 مارس 2020 .

التعليقات

Bosy منذ 8 شهر
احسنتي عزيزتي
0
كلامك صحيح وفقا للدرسات إلا اننا لسنا كالاخرين ، فنحن نؤمن بالله الملــك الحق ، ومن يحب الله ورسوله اكثر من الاخرين فهو في أنس مع الخالق تبارك وتعالى ، بالذكر نحيا ، اما الغربيين والامريكان والصينيين فهم ابعد من معرفة اللــه ولكن ربما هذه العزلة ستجعلهم يبحثون عن جدوى وجودهم او يبحثون عن المنجي هو فطرتهم صبغة الله والتي ربما سترجعهم اليه .
0
اتكلمتي عن موضوع مهم اوي .. شابوه
1
Nada منذ 8 شهر
بشكل شخصي حياتي لم تتغير بمجيئ هذا الفايروس ، لانني بحجر صحي منذ 19 عاما خلف قضبان منزلي ..
6
Ahlam
لماذا عزيزتي
Nada
هكذاترا عائلتي اني فتاة لا يجدر بي مغادرة المنزل الا للضرورة القصوى

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا