إلى غابرييل 2.. - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

إلى غابرييل 2..

رسالة أخرى

  نشر في 15 يونيو 2023  وآخر تعديل بتاريخ 15 يونيو 2023 .

لأول مرة أُحس أن كَوْم الرسائل التي تعبتُ في كتابتها كان له فائدة في إستدراجكِ و سحبكِ بقوة عند عتبات أبوابي التي ظلت مُشرعةً في إنتظاركِ لا غير ..

عزيزتي غابرييل ...

الحروف تسابقني نحوكِ..

لا أدري كيف سأبدا هته الرسالة؟ و هل ستكون الأخيرة ؟

ماذا سأخط برأسها، التاريخ أم الوقت ؟

عن ماذا سأُحَدثكِ؟

عن الجو المشحون بهذا المكان، أم عن تفاصيل يوميَ البائس ؟

لا أدري ..

سنواتٌ عِجافٌ تلكَ التي مرت عليّ، سنواتُ غيابٍ و وحدةٍ سحقتني و دمرتني ..

مدينة من الركام أنا اليوم، مقبرة بحجم وطن، لا شارع و لا رصيف و لا أضواء و لا منازل تزينني و تكسر حواجز الصمت و الغربة بأعماقي.

بالأمس فقط إستطعت أن أرمي من فوقي بعض الصخور، و أنفُض عني غبار أيام و سنوات استنفذتني و استنزفتني إستنزافا ..

بذلك المساء الدافيء، ولظروف ما، كنت مشغولا بتحضير طبق للعشاء، مُنصبٌ بكامل تركيزي على الوصفة، هاربٌ من كل مشهد يَجُرُّني إليكِ.

أنهيتُ كل شيء بعد عناء طويل، و صبر كبير..

تَفرغتُ للجلوس بعدَ أن حَضَّرتُ لي كوبا من الشاي الأخضر وبقيت أشغلُني بالإصغاء إلى حديث عائلي عابر عاد بي إلى أيام الطفولة، و مقاعد الدراسة، و السنوات الأولى من اللهو و الشغب و التعب، كانت أياما رائعة حقا بحُلْوِها و مُرِها، بجمَالها و قُبْحها، ولكنها تبقى الأفضل على الإطلاق، لا تشبه هاته الأيام في شيء..

بتلك اللّيلة كنتُ أضحك كما لم يسبق لي.

حملتُ هاتفي و ألقيتُ بنظرة سريعة على بريدي الإلكتروني لأتأكد من أن ذلك المشروع قد وصل لصاحبه، كان إسمكِ يعتلي كل الرسائل و يوقف كل بحث كنتُ بصدده ...

توقفتُ منبهرا، و متفاجئا، مسرورا و ربما حزينا و غاضبا أيضا، لم أعرف حينها ماذا أفعل؟!

توقفتُ عن البحث عن الضحك فجأة.

كانت ملامحي تشي بي رغم محاولاتي للتظاهر بأن لاشيء حصل، و أن رسالتكِ تلك لم تصدمني، رصاصتك تلك لم تصبني ..

إنسحبت من تلك اللمة متسللا دون إثارة ضجة أو لفتِ إنتباه أحد.

على عجلٍ أزَلتُ القيود عن حروفكِ، لم تكن رسالة، كانت مجرد عبارة مشوهة لم تتجاوز السطر.

جملة ذابلة لم أتعودها منك ..

قلتِ فيها:

قرأتُ غابرييل ..

ومُذْ فعلتُ وأنا أهرب من غواية القلم .

كيف تفعلُ بي ذلك ..وأنتَ تعلم ما تعلم ؟

ولماذا لم أستطع الصوم عن القراءة لكَ ؟!

كنتُ مؤخرا قد نشرت شيئا بعنوانٍ يحمل إسمَها لهذا عندما قرَأَتْها راسَلَتْني..

قلتُ متعجبا و مستاءا منكِ جدا، بعد طول الغياب و سنوات البعد جِئتِ اليوم لتسأليني لماذا كتبتُ ما كتبتْ؟ لزِمتُ الصمتَ بَعدَها لدقائق، ثم قلتُ لكِ في كلمة يتيمة:

لا أدري...

و أضفتُ أسألكِ و أعاتبكِ بنفس الوقت:

غابرييل، ما الذي ذَكَّرَكِ بي ..؟!

قلتِ:

لا أدري آرثر..

ولكني عرجتُ على صفحتك .

قلتُ لك بحزن متخفٍ بين حروفي:

من منا يدري؟ لا أحد..

و واصلنا حديثنا القصير بين أخْذٍ و رد..

إلى أن طلبتِ مني أن أتصلَ بكِ ...

كان طلبكِ ذاك مُفاجئاً و مُحيراً، تمارسين قوانينكِ نفسها، دون أن تسمحي لي بالإختيار، تضعينَني بالخانة الضيقة دائما..

كيف يمكنني أن أرفض اتصالك، و انا الذي أتَسولُ طوال سنوات كلمةً منكِ أو نصف حرف أو خبرٍ عنكِ ..

فماذا إن كانت مكالمة؟

كانت الثالثة و بضع دقائق تائهة من صباحٍ يعجُ بكِ و بحضوركِ ..

عُدتِ و من منا كان يتوقع لقاءا مجنونا و مباغتا مثل لقائنا المتأخر؟

عُدتِ أخيرا، وجدتِ كل شيء على حاله لم يتغير ما تزال هاته المدينة تمارس عبثها الصباحي المعتاد و لم تغير من عاداتها و طقوسها شيئا، بذلك الصباحِ كان صوتك على نحو ما يخترق صمت المدينة و يوقف إنشاد العصافير الصباحي و يغلق فاه ديك يعتلي الخشبة....

كنتُ أكلمكِ من نفس المكان الذي إنطلقتْ منه أول مكالمة بيننا.

سألتني عني و عن حالي، رغم أنكِ أدرى بحالي دون أن أنطق بشيء.

قلتُ أني بخير و كنتِ تعلمين جيدا ما أعنيه.

سألتني عن تلك الأم التي هي أُمي و أمُكِ و أُمُ الجميع، عن تلك المناضلة التي لا تشبه أحدا و لا يشبهها أحد..

سألتني عن غيابهِ أيضا، عن الآثار التي خلفها رحيلهُ فينا.

ماذا سأقول لكِ يا غابرييل، أي شيء يمكنه وصف ما أعيشهُ بَعدَه و بَعدكِ، و كأنكما اتفقتُما مُسبقا على دفعي تحت مقصلة الأيام و البُعد و الفقدان اللعين.

كان رحيله المفاجيء مدوياً و صادماً ...

مازلتُ غير مصدقٍ أنه رحل بتلك البساطة، دون وداع حتى، لم تكن رحلةً إلى باريس هذه المرة، كانت رحلةً بلا عنوان أو وِجهة، ذهابٌ دون رجعة...

أبكي طوال الوقت بزوايا المنزل بيني و بين نفسي، بكاءا مكتوما، مخنوقا، كلما تذكرتُ أنه غادر للأبد، كلما لامستُ الجانب الآخر من ذاكرتي و لا أجده بجانبي.

أُحِسُ بالمنزل متسعا و مفتوحا كمسرح روماني عتيق في غيابه، لم يعد هناك سقف أحتمي به، أو معطف يقيني برودة الذكريات و قساوة الغياب.

عاجز عن التصديق يا غابرييل

بذاتِ الشعورِ العصي عن التصديق ظل قلبي طوال سنوات عاجزا عن تقبل غيابكِ و بُعدكِ...

غَيَّرتِ بسرعة دفَة الكلام مبتعدةً عن كل ما هو مُحزن، و واصلتِ حديثكِ.

قلتِ متفاجئةً و أنتِ تسألين عن تلك الفتاة الصغيرة ذات العينان المتسعتان:

لا أصدق أنها تدرسُ بالسنة الثانية، يا إلاهي لقد مرت سنواتٌ عدة ...

كنتِ بتلك اللحظة الوحيدةَ التي استشعرت مُرور الأيامِ و السنوات، أما أنا فلم أشعر بشيء و كأن فُراقنا كان بالأمس فقط.

غابرييل

صدقيني، لم أكن قادرا على دفعك من شرفة قلبي و عقلي، كنتُ أركض نحو خيالاتك طوال الوقت و أقضي جل الأيام و الأشهر في تأمل مُخَلفات غيابك ، بنفس اليدين أُقّلب ذاكرتي الممتلئة بكِ، أصغي إلى نفس الأغنيات الهرمة التي تشاركناها و أغرق كشيخٍ مسنٍ في نوستالجيا الماضي و تصيبني حُمى الحنين فجأة، و لكني أواصل الركضَ نحوك دون أن أكترث لبُعدكِ أو قربكِ.

دون أن أعبأَ لطول المسافات بيننا.

لقد أتقنتِ الغيابَ، و أبدعتِ في التخفي حول سدائل وهمية نسجتِها من خيوط التناسي، و كل ما كنتُ أجيده أنا،كان إنتاجَ نصوص تُحاكي إنتظاراتي الطويلةِ لكِ و أمراضي المزمنة بكِ، فأبدو لكِ في كل مرة مجرد أحمق آخر لا يُجيدُ فِعل شيء سوى مُعانقةِ قبور الراحلين و الوقوف مثل تمثالٍ متهالكٍ عند ناصيةِ كُلِ شوق كلِ حنين..و كل ذكرى.

تطردني الشوارع هنا، و تضيق بيّ الأماكن التي وقفنا أمام عتباتها ذات يوم.

أنتِ بالبعد الآخر من هذا العالم، تواصلين حياتكِ بدوني مع شخص آخر يُسعدكِ، أعرف.

ليتني استطعتُ أن أواصل مثلكِ، أن أنسى جُلّ ما حدث بيننا و أنظر لحياتي، و أعرف كيف أخطو أول خطوة بطريق لا تكونين بهِ.

غادرتِ أنتِ و بقيتُ أنا عالقا بسجونكِ دون أن أُغادرها أو أجدَ مفاتيحَ أفكُ بها لعنة أقفالكِ ...

لا أُنكر أني سعيد جدا لأجلك، رغم كل ما قُلتهِ عن حياتك، و حزين لأجلي أيضا، حزينٌ جدا.

يومان و ستعودين إلى وطنكِ، بعد إشتياق كبير إلى معانقة هواءهِ و الركض بين أروقته و أخذ جرعات شفاء منهُ لغربتكِ..

و لكن ماذا عني، أنا الذي لم يعد لي وطن، مغترب أينما وُجدت، غريب و مُغّرب بدونك.

 غابرييل، لقد كنتِ وطني...

ذات يوم كنتِ كل شيء، و أنا اليوم لا شيء لكِ. 

تقولين، أني عزيز على قلبك و سأبقى كذلك...

أعرفْ، ولكني أظلُ عاجزا على تغيير حقيقة أني خسرتكِ، رافض كل الرفض لفكرة الإستسلام أمامكِ ...

يمكنني بعد هته المكالمة أن أضعَ العديد من النقاط بنهاية قصتنا..

مثلما سَرّني سماع صوتكِ و الإصغاء لجمال ضِحكتكِ، أحزنَني فُقدانكِ ...

كنتُ ألمسُ بحديثكِ الكثير من الحسرة و الندم و أشتم رائحة الخسارة في كل جملة، لقد خَسِرتني، و لم أكن المفلسَ الوحيد ..

أعرفُ أنكِ مازلتِ تحبينني، و مازلتُ أفعل، مازلتِ تشتاقين لسماع صوتي و مازلتُ كطفل صغير أُهرول نحوكِ، مايزال كلانا يحّن لأيام كنا بها معا.

تبا لها من نهاية..تبا

لقد أَفلحنا في كِتابةِ الكثير من القصص الرائعة و أَبدعنا في حياكةِ النهاية بِعِدةِ نصوص، إلا بقصتنا لم نُفلح بشيء، لم نفلح بشيء يا غابرييل..

كُنا فاشِلَيْن إلى حدٍ بعيد...

أَفلحنا في مبارزةِ بعضنا لا أكثر...

إنتهت المكالمة بالكثير من التمنيات لكِلينا بالسعادة و النجاح ..

و بداخلنا لم ينتهي أيُّ شيء، كانت المكالمة طويلة جدا و لكننا لم نكن نُحّس بشيء، كنا مخَدَريْن بعقارب الزمن، مرّت الدقائق علينا مُسرعة أمام لهفتِنا وحنيننا و لم نشعر بشيء..

لا أنا استطعتُ قطع المكالمة و لا أنتِ استطعتِ التوقف عن الحديث..

لم أكن نائماً و لكنه كان أجمل حلم يمكن أن أعيشه.

أردتُ أن أترجاك لتبقي قليلا، لأتغذى من صوتك أكثر.

ساعتين و نصف لم تكن كافية..

بِرَبكِ..

أيُّ مأساةٍ هته التي نعيشُ؟

أي قدرٍ هذا الذي يَجمعنا و يُفرقنا و يُمزقنا كلما أراد ..؟

لا أدري..!

بعد تلك المكالمة أَحسَستُ أني اصطدمتُ بقطارٍ من الإنتظار و محطات من التأمل في اللاشيء، شيء ما تَكسّر بداخلي في اللحظة التي قَطعتِ المكالمة، في الثانية التي تلاشت فيها أصواتنا و غدت ضمن نطاق الماضي اللعين.

كانتِ السادسة و بِضع دقائق صباحا، عُدتُ لسريري و تَقوقعتُ تحت وِشاحي القطني الثقيل هارباً مِنكِ و من كل ما حَدث بذلك الصباح ..

وضعتُ هاتفي تحت الوسادة بعد أن شغَّلتُ أَوَل أُغنيةٍ بالقائمة، تركتُ لحسني بصوته الشّجي حقه في المواساة في الرثاء :

مزال les souvenir عندي، ماتقوليش راه نْسَاني ...malgré بعيدة عليا، أنا مننساكشي...

مزال....

غابرييل لن أنساك ، شكرا لأنك تذكرتني و لو بعد سنوات..

أُحبكِ، تبا لها من كلمة...

كيف حالك جدا جدا..؟

إعتني بنفسك ..

آرثر


  • 1

  • Abdelghani moussaoui
    أنا الذي لم يتعلم بعد الوقوف مجددا، واقع في خيبتي
   نشر في 15 يونيو 2023  وآخر تعديل بتاريخ 15 يونيو 2023 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا