الوجعّ ! - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

الوجعّ !

الكاتب احمد جمال

  نشر في 02 أكتوبر 2015 .


وجع تحويل البذرة إلى زهرة ، والزهرة إلى ثمرة ، وجع المخاض قبل الولادة ، والموجة قبل تحولها إلى عاصفة ، والفحمة قبل انقلابها إلى جمرة تضيء عتمة الطريق ذاك هو وجع المبدعين الذين يقتربون بعذاباتهم وآلامهم من وجع الأنبياء والرسل وعذابهم ، فقد دفع العظماء ضريبة كبيرة من مشاعرهم وأحياناً من أجسادهم لإيصال رسالتهم وأفكارهم إلى الناس ..

ألا يواجه المبدع الحقيقي في بلادنا ما يشبه الموت البطيء والألم العميق قبل أن تصل أفكاره إلى النفوس المعتمة ؟ إنه بذرة تقاوم عتمة التراب لتخرج إلى الآخرين زهرها وأريجها.

إن كثيراً من المفكرين والحكماء والأدباء الحقيقيين والفلاسفة الكبار لا يسعدون إلا بقدر ما يتألمون ، فبالألم تتطهر نفوسهم وتتخلص أرواحهم من شوائب الحياة وأشواكها كما يتخلص الذهب من شوائبه بعد وضعه في النار.

إن الألم يطهّر بعض الناس ، بعكس اللذة التي تخدّر الكثير الكثير من الناس !

ولكلٍّ أوجاعه وقلقه وأحزانه واحتراقه .. ولولا الوجع العظيم ما ظهر الخير والفرح بين الناس ، وهل تلد النساء دون وجع ؟ وهل يعشق الإنسان عشقاً حقيقياً من غير احتراق روحه وذوبان جسده ؟!

وهل يصقل الحديد دون طرق ، ونحصل على الخبز من غير إدخال عجينه إلى الأفران ؟

( إن الوجع واللذة كالنور والظلام ، كلٌّ ينبع من الآخر .. ) ، ودائماً وراء كل مشروع جبّار وجع جبّار ، وخلف كل عمل عظيم ألم أعظم ، فلا النور يسبق النار ، ولا الجمر بقادر أن يكون قبل النار والدخان ، ولا الزهرة تسبق الثمرة ، ولا أمواج البحار قبل هبوب العواصف ، ولا البراكين تحدث قبل الغليان ، ولا الينابيع قبل سقوط الثلج والمطر ، فبعد كل مخاض لا بد من الولادة ، وبعد كل شتاء لا بد من ربيع.

( إن في الأوجاع العظيمة قوة سحرية ، فهي قد تؤثر فينا ضعفَيْ ما تؤثر اللذة ، وقد تمنحنا تلك الأوجاع المفيدة نوعاً من يقظة الضمير وانطلاق الروح من قفصها ، فلا شيء يصيّر العظماء عظماء مثل الوجع العظيم ، فإذا لم يكن الوجع مطهراً للإنسان من أي وباء ، فعبثاً يطهر الماء ! ) .

وليست كل الأوجاع تثمر عظَمة ، مثلما ليست كل الأزهار قد تعقد فوق الأغصان ، فاللأوجاع أنواع ، ولها مواسم وفصول تحيا فيها أو تموت ، كما البذار لا تنبت جميعها في الأرض ، هكذا هي الألام والأوجاع كالبذار تماماً ، منها المعافى السليم ، ومنها المريض المنخور ، والمسكون بالديدان والحشرات.

ومن يدعي أنه يتوجع للحصول على رتب ومناصب لا يمكن أن يشبه ذاك الذي يتوجع بصمت مبدع ، فليس ضجيج الصغار كصمت الكبار ، ولا خرير السواقي كهدير الأنهار ، (ولعمري ما تنفع الأبصار أهلها إذا لم يكن للمبصرين بصائر ؟! ).


  • 8

   نشر في 02 أكتوبر 2015 .

التعليقات

Noureddine Zaami منذ 9 سنة
رائع , تحياتي :)
0
لميا عباس منذ 9 سنة
فإذا لم يكن الوجع مطهراً للإنسان من أي وباء ، فعبثاً يطهر الماء ! سأحفظها
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا