الفساد الحقيقي في العرب - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

الفساد الحقيقي في العرب

سميرة بيطام

  نشر في 20 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

من أكبر قضايا العالم العربي تعقيدا كراهية المسلمين لبعضهم البعض و بغير سبب يستحق ذلك ،تراهم يتباكون غزة في قصف القنابل تحت قواعدها الهشة كما تراهم ينشرون صور الفقر و الضعف و المرض و يتألمون للحظات العزلة في العراق و اليمن و سوريا ، و تراهم يصرعون لأول وهلة يشاهدون فيها دولة عربية يحتلها جيش ليس بعربي لأن الغرب دائما أقوى ، و الأقوى يشرب نبيذه على طاولة السخرية من العرب السذج ، لكننا لم نتساءل فيما بيننا ، من الذي أوقعنا أصلا في هذا الهوان ؟ و هل فعلا أحاسيسنا انصبت على صفيح ساخن لتؤيد رفض كل تدخل أجنبي لأي دولة عربية أو إسلامية  على أوراق مفاوضات قوية ؟، هل نحن على مستوى عال من الصدق و الإخلاص لمبادئنا ؟ هل فعلا يحزننا منظر الدمية التي تتمزق أوداجها تحت القصف الصارخ ظلما وجورا لبنت الأكابر ؟.

لن أتكلم عن الدين الإسلامي اطلاقا لأننا نعرف جميعا أن أصابع الاتهام توجه لتلك العقول التي بات أمرها يحير كيف أنها تريد التغيير على أعلى مستوى من اسقاط الفساد و المفسدين ناسين في ذلك أن أكبر فاسد هو هوى النفس و رجحان العقل نحو النفاق أكثر منه نحو الصدق.

اسلامنا بريء بعد أن أتم رسولنا الكريم مكارم الأخلاق فينا و قد تحمل في ذلك السب و الشتم و التجريح و الطرد من بلده و امتد الصراع الى أهل بيته الكرام ، أين نحن من كل هذه المصداقية و هذه الشجاعة المنقطعة النظير ، فينا مريض القضايا المؤلمة يئن لكنه يقف على رجليه ليمشي و يتحدى الموت و يرفض رفضا باتا أن يمد اليه أحد يده ليساعده لأن المرض في تلك اللحظات علمه الخنوع و فهم حقيقة الوجود كاملة في أن الصحة ليست دائمة و الشباب ليس بدائم فنهض يستدرك العجز من العجز  ، و حتى لو نظرت الى دمع تلك الطفلة البريئة و هي تسترق السمع من فصل الدراسة لأن امكانيتها لا تسمح لها  أن تلتحق كغيرها من الزملاء في القسم فتسترق الانصات عن بعد لأنها تعرف و هي صغيرة أن الفقر سيجعلها تكبر بسرعة و تفهم أكثر من الكبار كيف يختزل الحرمان ملامح المعرفة و التعلم فتميل الى حمل الحطب أو زراعة الأرض مع والدها لتفضي لتلك الأرض بضيق خاطرها أنها تتعلم القسوة حتى تكبر ليس الا وباقل المصاريف حتى لا تثقل كاهل والديها ، و لن تكون كبيرة بالإجرام أو الانحراف أو العدائية بل تكتفي بالحمد و الشكر لله أن منحها بديلا متواضعا في كسب قوتها بيدها ، أحب هذا الصنف من البشر لأنه في غير عادته كبير جدا في نظري و هو من يكابد حقيقة أشكال الظلم و الطغيان و الفقر ليصبح غنيا بالزهد ،  لأنه ليس لديهم ما يخسرونه بعد أن حرموا من حقهم في العيش و الرفاهية ، و هذا ليس حرمانا طاغيا أو جائرا عليهم بل هو مجرد مصطلح يصنف ضمن مصطلحات اللغة ، و الحقيقة أنهم محببون كثيرا الى الأدباء النزيهين .

يبقى أن ما نراه من حرب و تشرد و دمار ليس القنبلة و الغاز المسيل للدموع هما المتسبب في دخانها  ، بل تقصيرنا نحو علاقاتنا فيما بيننا هي من شتت قوتنا و أفشلت عزيمتنا ، مطاردتنا لبعضنا البعض حسدا و ظلما و حقدا دفينا لا يبرره علاج فليلاحظ كل واحد فينا عن قرب أو ليستمع جيدا لقصة من يطرد تعسفا من عمله و في التحقيق لن تجد دليلا للإدانة الا لأنه صارم و كفء و محب للعمل بكل احترافية، هل لهذه الدرجة أزعجتكم استقامته ؟ ، هل جنونكم أحاط بكل شبر من قسوتكم لتتكالبوا عليه ، هو ماض في مواجهتكم و لن يمل ، هو سائر في حضارته و لن يكل حتى تكل يمينه و ان كلت يمينه أسعفه الساعد الآخر للمساعدة، يحز في نفسي ذاك الشعور بالانحطاط الرهيب للعرب في  تعديهم على الحقوق و سلبها بالسرقة و الرشوة و الخديعة ، هنا الفساد الحقيقي  ، ثم لاحظ معي أيها القارىء الكريم من جهة أخرى كيف ينخدع الفلاح في أرضه بأسمدة فاسدة و ماء غير طاهر يسقي به زرعه و الممد له بهذه السموم مسؤول في دشرته لم يقم بواجب التطهير و العناية و التحري فيما يدخل الى بقاع تلك المنطقة من مواد ، ثم التفت خلفك و افتح علبة الشكولاطة و اقرأ صلاحيتها ستجدها منتهية بشهرين و لكنها لا تزال و رفيقاتها يملأن رفوف المحل ، هل الغرب تدخل فيما نأكل و نشرب و نلبس ، و لنفرض أنه تدخل لماذا لا ننتج بأيدينا مأكلنا حتى نوفر الأمان لصحتنا و لأجسادنا و لماذا لا نخيط ملابسنا بأيدينا حتى لا تسممنا المنتوجات الغربية ، أم أننا لا نملك الخيط و الابرة و المعرفة في الكياسة و الفطنة ، دعوني أقول لكم شيئا واحدا : هل فعلا غزة بحاجة لدموعنا المؤقتة؟ هي تندب حظها على رأسها لوحدها ليس للشكوى لكم و لكن لأن ترفض بما تثبتونه في كل مرة أنكم تزيدونها ألما و تجريحا،  هي ليست بحاجة لنشر صور ازقتها و هي تدمر على اخر الرصيف ، بل هي تدق على قلوبنا جميعا  لنصحح أخطائنا و نقوم سلوكنا و نركز في دعائنا في صلاتنا ، فلا تلهينا عنها  لا تجارة و لا حفلة و لا فيلم و لا دردشة على الفايس بوك ، يكفي أن نخلص و نصدق في لحظة ما فيرفع الدعاء مستجابا و تفتح بذلك الحدود على غزة رغم غلقها بإحكام و تيسر الدروب نحو القدس فنصلي صلاة حمد و شكر و يعود كل متألم الى مهد حضارته و ينحصر الطغيان مستصغرا بقوانينه اللاذعة الى قصر الأمم المتحدة فيرديها بيتا للطاعة فقط لمن يملكون ضعفا في الشخصية و قصرا في النظر الى بنود القوانين المزيفة و المفبركة للدولة العظمى أمريكا و ربيبتها اسرائيل حتى يخافهما العرب..فعلا مساكين أهل العرب في خوفهم  .

كفانا حلما اذا ، و لنصدق فقط في سلوكاتنا لأن البعض يمثل الفساد الأكبر و هو لا يدري و يتهم من فوقه بالفساد لينفس عما في قلبه من ضعف لأنه لا يريد حقيقة أن يصلح نفسه و يربيها و يطوع الشر فيها  ..أنت ضعيف لا تنكر ذلك ، استقم لربك و اسجد و اقترب و تب توبة نصوحا و كفاك تسويفا و مضيعة للوقت لأن الدائرة ستدور عليك بالبلاء فتكف حتى على البكاء على وطن عربي أنهكته الحروب و الحيل و دخان الغدر و الخراب، حتى لو كنت أنت ابن ذاك الوطن العربي لكنك خسرت الرهان .

انهض يا عربي ، فالحياة لا تنتظر و أبواق الساعة قربت أن تدق على آذاننا و نحن لا زلنا بعد نيام في سبات عميق ،و حينما نستيقظ نبكي غزة و ننشر صورها على الفايس بوك لنبعد عنا كل لوم عن حضارة العرب الميتة منذ عصور ..و ننسى أننا كعرب ساهمنا في الفساد و أنعشنا أخطبوطه اما بصمت البعض  على قول الحق و اما بظلم الغير بغير وجه حق ، نفاق السياسة لا يسمعه أحد و مديح الشعر لا يحبه أحد الا ما كان نابعا من قلب صادق و عقل واع و ضمير حي، اتركوا  العراق و شأنه و لا تبكوه و اتركوا سوريا و شانها و لا تبكوها ، لا تحيروا اليمن في ضحاياه لأنكم فعلا لم تدركوا بعد معنى القوة و الشجاعة و الأنفة و الغيرة و الشموخ و الكبرياء فهزكم الشيطان هزا و ركلتهم الحضارة ركلا و قيل لدموعكم : على من تنزلين  اليوم و كل شيء خراب .


  • 4

   نشر في 20 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

التعليقات

§§§§ منذ 3 سنة
"هي ليست بحاجة لنشر صور ازقتها و هي تدمر على اخر الرصيف ، بل هي تدق على قلوبنا جميعا لنصحح أخطائنا و نقوم سلوكنا و نركز في دعائنا في صلاتنا ،"

أقتبس من مقالك هذا المقطع و أقول..
"نحقن منذ الصغر بأبشع الصور التي تعبر عن انتهاك حقوق الانسان... فهذه أشلاء الشهداء... هذه دماء تسيل هنا و هناك...هذا طفل رمى به البحر على الشاطئ... هذه دموع النساء...هذا ألم الجوع و الشتاء...و هذه أرض المسلمين تدمرت عن آخرها...و جرائم نسِبت للإسلام.... فلا نتحرك لا لإسلامنا و لا لعروبتنا و لا لإنسانيتنا...
مات الضمير ... و أصبحنا نأكل و نشرب و ننام... نرقص و نغني و نتوهم أننا بخير... لكن ...كل خوفي أننا سنجني عن قريب أشواك الغفلة... و سنشرب من نفس الكأس...
فهنيئا لنا على تغيير صور بروفايلاتنا... شكرا لمن نشر دعاء من أجل الشهداء على حائطه... شكرا لأننا نشرنا الصور و لأننا شهدنا على مذبحة جماعية كانت و لا زالت مستمرة... هنيئا لضمائرنا التي تكيفت و الواقع... بحقن ضد النخوة و الغيرة عن الدين و الأرض و المقدسات و ...عن الإنسان.
إن الصور الأليمة التي نشاهدها لابد أن توقظ فينا اليوم ذلك الضمير الغافل... يجب أن توقد نارا بداخلنا... نارا نحرق بها الجهل... نحرق بها الغفلة... كي ندرك العدو من الصديق... و نفهم اللعبة بدل ابتلاع الطعم... إنهم يعلموننا معنى التعايش و الحرية على مقاساتهم...و نجدهم أول رعاة الإرهاب باسم محاربة الارهاب.
إصلاح الذات... هذا هو الأمل... ربما هي سلسلة مترابطة تحتاج سنوات كي تحقق التغيير، و قد لا نعيشه نحن... لكن لنكن ممن يضع أول حلقاته و يزرع أول بذراته... فأطفالنا بحاجة لاستنشاق هواء نقي من العلم و الاخلاق... و الأمل...
عفوا غزة... كانتِ الحقنة هذه المرة... حقنة من صور الموتى و الاشلاء ... صور للألم و الدموع و الدماء... صور تنقل ألم شعب... لكن ... يبدو أننا أصبحنا نستمتع بمشاهدتها كما نستمتع بأفلام الدراما و الرعب...
عفوا غزة ... فردة فعلنا كانت كافية لنتأكد... أن الحقن فعالة... و الفتيل الذي احترق في أيام لم يكفي حتى لترك رائحته خارج العالم الافتراضي...
ولا تزال غزة تنادي... ابدأ بنفسك اليوم قبل الغد... فهل من مستجيب؟
و انتهت الضجة... حتى حقنة لاحقة....

دام المداد أستاذة سميرة بيطام
1
د.سميرة بيطام
تكغينا هذه الصحوة من عربي مثلك
جزاك الله خيرا على تعقيبك المبدع..تذوقت فنياته و ادركت بل صححت انه ليس كل العرف نيام.
جزاك الله خيرا
Dallash منذ 3 سنة
على ماذا تنزلين ..على خراب..واضيف وعلى سراب ...لا أدري دكتورة هل نبك على ماض فات ام على حاضر مات ام على قادم آت
دام نبض حرفك
4
د.سميرة بيطام
حياك الله
لا هذا و لا ذاك..سنترك العدو هو من يبكي حتى يسامحنا المظلومون..لاىهذا و لا ذاك سنترك العدو يركع ليكنس حطام غزة رغم انفه..نحن ميتون و يجب ان نموت بشرف.
جزاكم الله خيرا على مرورك الطيب.
Dallash
عين الله تحرسنا..في كل نائبةوترعانا
يا ليت من نتمنى رؤيته..يكن شفيعا لنا يوم البعث مولانا
الا ليت شعري هل ابيتن ليلة..في غزة ارض الصمود شجعانا
Dallash
لك الشكر...................لا ارى بصمتك على ما انشر
د.سميرة بيطام
قد تكون بصمتي احيانا دعاء خفي مضمونه التوفيق و النجاح .
Dallash
حسنا بوركت اختي .....دعي البصمة بدعاء خفي اذن

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا