منمنمات تاريخية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

منمنمات تاريخية

استعادة تاريخ الهزائم العربية

  نشر في 20 ديسمبر 2016 .

مقولة " إن التاريخ يعيد نفسه " يثبتها الحاضر في كل لحظات مضي أيامه ، ذلك الأمر هو ما يجعلنا نعتقد أن هناك بُلدان أصابتها لعنة الحرب منذ القدم و كتب علي أهلها الدماء وعلي أرضها التدنيس ، ولعل لعنة المخدوعين والمقتولين بسبب خيانة قادتهم لهم هي سبب معاناه الجيل الجديد لهذه البلاد ؛ تناول العديد من المخرجين نص "منمنمات تاريخية " للمبدع الراحل "سعدالله ونوس" لما تحمله من رؤية صادقة تبرز الأوضاع الإجتماعية والسياسية للبلاد العربية و تثبت أن دمار الشعوب لا يأتي من الخارج فقط بل من داخلهم ايضا .

تدور أحداث نص منمنمات تاريخية في القرن التاسع الهجري بإجتياح قوات "تيمور" لحلب و حمص ثم محاصرته لمدينة دمشق ، وتكون ردود أفعال أهل المدينة متباينة حول هذة الآزمة الكارثية وهي قوة التتار ، فتكشف علاقات الرياء و النفاق الإجتماعي و إعتقال المفكرين وأصحاب الرؤي والعقل ، وقرار الشيخ التاذلي بإتخاذ قرار الدفاع عن دمشق وموقف إبن خلدون المتخاذل تجاه شعبه وتخلي السلطان عن بلاده وأهله الذي جعل سيوف تيمور تطول رقاب الشعب بحيث تنتهي المنمنمات بمجزرة من هتك عرض رجال ونساء و قتل و إنتحار وهو ما لا يجعل هناك بقعة أمل أو ضوء واحدة ؛ في واقع الأمر لم يكن لفرقة قصر ثقافة بنها ولمخرجها " طارق راغب " رؤية مغايرة للنص الأصلي و قد تم إستضافة الفريق للعرض بقصر الأمير طاز تحت رعاية صندوق التنمية الثقافية .

حين يُجرم الفكر وتجد تشابهات بين واقع النص وواقع العرض في العصر الحالي لا يوجد امامك سوي أن تشعر بالخذلان ، لربما حب التاريخ هو ما يجعلنا نقع في أخطاؤه من جديد وهذا ما اتفق عليه كلا من ونوس و طارق راغب فإن كان زمن أحداث النص هو القرن التاسع الهجري و زمن كتابة النص هو عام 1993 و زمن عرض النص هو عام 2016 فمرورا بكل هذه العصور و القرون لن يجد المتلقي أي اختلاف ولم يشعر بالغربة عن أحداثه وهو ما جعله يشعر بالحرية لتأويل العرض مثلما يريد .

بسبب الكتابة الخاصة لونوس وهي لغة شديدة الدقة فنجد أن إسم النص هو " منمنمات تاريخية " في الواقع شعرت بغرابة حول هذه الكلمة وهو ما جعلني أبحث عنه حتي أدرك مردافه ليتضح أنه لفظ مستعار من بنية الرسم وهو يتميز بدقة التفاصيل و الخطوط مما يؤكد أن ونوس حاول إحداث رؤية بانورامية شديدة الدقة للتاريخ بتفاصيله الدقيقة وبشكل تأملي ، ووجب الذكر إن الفترة التي كتب فيها ونوس هذا النص كانت فترة سنواته الآخيرة وصراعه مع السرطان وحينها اتجه للمسرح كدواء لعلاج نفسه فكانت نظرته أكثر شمولية للسياسة و الإنسانية ، اتخذ المخرج رؤية الكاتب دون تغيير وحاول طرحها علي فضاء قصر الآمير طاز مع الإهتمام بالجانب البريختي من حيث شخصية "المؤرخ" و متناصية الشخصيات بالخروج عن دورها المحدد لها ومعاتبة شخصياتهم وإستنكار أفعالها حتي يكون هناك أكثر من وجه للشخصية الواحدة و إن كان ونوس يريد إحداث يقظة وتوعية للجمهور إلا ان المخرج استخدم كسر الإيهام ككونها مجرد تقنية يشتهر بها المسرح الملحمي دون الآخذ في أهدافها.

كانت أول مرة أشاهد الجمهور يتحرك من أماكن جلوسه من أجل رؤية الممثلين وبتعبير أدق " كنا نجري ورائهم" ، كانت للمخرج رؤية خاصة نفذها مصمم السينوغرافية " إسلام ممدوح " فمثلما يحتوي النص علي تعددية في الأماكن و الأزمنة حاول الإستفادة من كل بقعة فضاء داخل القصر بداية من عمق القصر بإستخدامه غرفه كمنازل للتجار و الإتجاه إلي استخدام ممر عبور داخل القصر كمدخل لمدينة دمشق يأتي المهاجرون منه ، ثم إستخدام الشرفة الكبيرة كشرفة منزل كبير التجار ، بالإضافة لساحه القصر الكبيرة والتي قسمت ذاتها لثلاث أجزاء فعلي اليمين هناك كرسي الراوي تارة و منزل الشيخ التاذلي تارة آخري وندرك إن كنا داخل المنزل ام خارجه عن طريق الأحداث و الإكسسوارات كوجود "طشت" أو سجادة وما إلي ذلك ، والوسط جعله ساحة المدينة ، اما منطقة اليسار فجعلها قصر الأمير تارة بوضع كرسي فخم ملكي و منزل أحد سكان المدينة "مروان وزوجته " تارة آخري ، ولم يكتفي بكل هذا السخم والكثافة امامنا بل اتجه لإستخدام سطح القصر بجعله سطح قلعة "الأمير أزادر" ، مع الإشادة أن توظيف القصر في الأحداث هو أمر ذكي حتي يدخل في سياق رؤية واقعية للأحداث ولكن كيف بهذه الواقعية الشديدة أراد المخرج إحداث تغريب .. ؟ ولعل الإتجاه إلي هذا التوظيف لكل فراغات القصر هو ما جعلنا في حالة تحرك دائم من اماكن جلوسنا .

سقطت أمة العرض والنص نتيجة خيانة المثقفون و إنتهازية التجار و جشع وتلاعب أهل الدين من أجل حمايتهم ، و إن كان التأكيد علي خيانة المثقفين قد برز في شخصية " ابن خلدون" فلا أحد يقدر علي إنكار دوره الثقافي ولكنه اعطي ظهره لشعبه و اتضح انه لا يخلو من الإنتهازية أراد ان ينجو بنفسه فتكون علاقة المثقف و الدولة ازمة حقيقة لسقوط الأمة فقام بالتطبيع مع العدو التتاري برسم الخرائط له محاولا تبرير ذلك بأن المؤرخ كي يكون محايدا عليه ان يكون بعيدا عن شعبه ونسي إنه ذاته من قال " إن التاريخ يكتبه المنتصرون " فلولا دوره الردئ تجاه شعبه ما كان أحدا سوف يلومه ، ولكن وجب تذكر خيانته حتي و إن كان قد سجل التاريخ ، وهذا ما اوضحه المخرج بجعل الممثل "فكري سليم" ينتقد دوره وشخصيته مؤكدا ان التاريخ لا ينسي الخائنون .

لفضاء القصر طبيعة خاصة كما سبق الذكر ولذلك تم توظيف مصابيح القصر للعرض بالإضافة إلي الكشافات الصناعية ورغم ذلك كثيرا لم نتمكن من رؤية الشخصية المتحدثة لعدم إسقاط الضوء عليها إلا قرب إنتهاء حديثها ، و لكن في مشاهد المجزرة و الإغتصاب تم التنقل السريع بالإضاءة من اللون الأحمر للأزرق للأصفر في مختلف بقاع الأحداث مما جعلنا ننظر في مختلف أرجاء القصر كأننا نستخدم تقنية ال 360 درجة في الهواتف الذكية ولكن بذاتنا دون الحاجة لوجود وسيط إلكتروني .

كانت أبرز قرائتنا للشخصيات تأتي من ملابس العرض فكل شخصية كانت ترتدي ما يليق بتصنيفها سواء كان رداء حربي ام ديني ام رداء يشير للثراء او القحط وإن كان زمنها يشير لزمن النص العام التاسع الهجري وهو ما يعد خلاف لرؤية المخرج المعاصرة للعرض التي تأكدت من إستخدام إسقاطات و "افيهات" معاصرة كقول إن محي الدين أبو لعز هو أسم لشارع بمنطقة الهرم ، ولكن وجد التأكيد علي تعاون عشرات الممثلين و الفنيين معا من أجل إخراج النص و إن حدث بعض الإخلال بالعناصر الأساسية ففكرة المونتاج والتنقل ليست المرة الأولي التي تتم في العروض المسرحية ولكن بسبب طبيعة فضاء القصر الغير مهيئ للعمل المسرحي كوجود النخيل وسط الساحة عمل علي إعاقة الرؤية.


  • 1

   نشر في 20 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا