لبنان الثائرة على التنمية المحظورة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لبنان الثائرة على التنمية المحظورة

إقتصاد سياسي

  نشر في 30 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 02 نونبر 2019 .


لمْ تكن أغنيات مارسيل خليفة بهذا القدْر، ولا موسيقى الثورة الناعمة تحت أضواء القمر، ولا شابات و شباب لبنان في مقتبل الأملِ و العمرِ و القدَرْ. إلّا شواهداً أصيلةً و قوية على أنَّ موجة الثورات العربية لمْ تنتهِ بعد. و أيضاً، لم تكن مآلات التغيير التي عجنت زمننا بالدمِ و النار في سوريا، ليبيا و اليمن و غيرهم مدعاةً لقبول الوضع القائم في ما سواهم. ففي هذا المقال سيتم دراسة ثورة لبنان من منظور التنمية المحظورة، بإعتبار الثانية مُتغيّراً مستقلاً أودىْ إلى تفاقمِ الأزمة العربية بالمجمل في مستويات ثنائية التنمية و الديمقراطية. و في سياق ذلك سيتم إدراج الاقتصاد السياسي و البُنى الاقتصادية – السياسية في تفسير ما يحدث.

التنمية العربية: تَشَكُّل وعي الجماهير

لقد بَقِيَت التَّنميةُ العربيةُ مدعاةً للكثيرِ مِنَ القممِ و الاجتماعات المحليّة و الأمميَّة، إلَّا أنَّها لمْ تَرْتَقِ لأنْ تكونَ أكثرَ من شعارٍ يُردَّدُ هنا و هناك. الأمرُ الذي ألَّبَ بعضَ شُعُوبِ العالمِ العَرَبيّ للمطالبةِ بهذا الحقِّ علىْ اعتبارِ تفسيرِ التَنميّة الشاملة كحرية لهم و هنا نقصد بالشاملة أنَّها تنمية سياسية، إقتصادية، إجتماعية و ثقافية. نعم؛ لقد إنْسكبت ثوراتُ الرَّبيعِ العربيِّ على الإقليمِ فيْ أفولِ السنة العاشرة بعد الألفين، وَ ظهَرَت أصْواتٌ تطالبُ بذاتِ الحقَّ، كالحركاتِ الإحتجاجيّة و الاجتماعية وَ التِيْ مَا فَتِئَت جيوشها تُعَيَّشُ حالةً مِنَ الإغراق فيْ الحرمانِ النِّسبيّ السِّياسيّ، الإقتصَاديّ وَ الإجتماعيّ. وَ إنْطِلَاقاً مِنْ ذلِكَ باتَ يشعرُ المُواطنُ العَرَبيّ أنَّ السبيلَ اليتيم مِنْ أجلِ النُّهوضِ بِقِيَمِهِ و تلبية تطلعاته هوَ صياغة عقد إجتماعي بينَ الحاكِمِ وَ المحكوم. فرُدِّدت شعاراتٌ حبلى بدينامياتِ التَّغييرِ، و في سبيلِ حُرِّيَتها قالتْ الجماهيرُ: "الشعبُ يريد إسقاطَ النِّظام".

باتَ يشعرُ المُواطنُ العَرَبيّ أنَّ السبيلَ اليتيم مِنْ أجلِ النُّهوضِ بِقِيَمِهِ و تلبية تطلعاته هوَ صياغة عقد إجتماعي بينَ الحاكِمِ وَ المحكوم

لقد أدركت الجماهير أنَّ حرِّيّتهم هيَ الخطوةُ الأولىْ فِيْ مِشْوَار التَّنْمية، إلَّا أنَّ ثمَّةَ مُفارقة فِيْ تعريفِ الحريّة التيْ باتَ يُطالبُ فيها المُواطنُ العربيُّ، فَهِيَ ليست بمعناها الكلاسيكي الماديّ المُجرّد، و إنَّما ذاتَ خصوصيّةٍ معنويّةٍ فيْ أبعادها و طبيعتها، و هيَ أيضاً إحْدَى أهمّ جوانب التنمية الإنسانية الشاملة فِي خِضَمِ المقطع الزَّمنيّ للواقعِ العَرَبِيّ و علاقاته غير المتكافئة مع النظام العالمي. إذْ أنَّ ثمةَ علائقية في النظام العالمي تودي إلى مُحَاصَرَة شعوب المحيط اقتصاديّاً و سياسيّاً، و تعميق تبعيتها لدول مركز ذاك النظام من أجلِ ضمان تراكم رأس المال فِيْ المركزِ و انتقالِ فائض القيمة منهُ إلىْ الأطراف. لقد جاءَ كلّ ما سلفَ مِنْ خلال تعزيز مادة إجماع واشنطن و ما بعده بإعتبار النيوليبرالية وصفة هلامية وحيدة و سحرية تناسب معالجة جلّ الأزمات الإقتصادية التي تعصفُ بالعديدِ مِن دول العالم. و لا سيما لبنان واحدة من ما سلف.

الدَّولة العربيّة و المجتمع: منظور العلاقة و التنمية

ثمةَ تأصيل لأهميةِ الحريّة في دراسةِ مواضيع التنمية الإنسانية، فهي حجر الزَّاوية التي ترتكزُ عليها عمليّة التنمية من أجل توسيع خيارات الأفرادْ، و انطلاقاً من ذلك لا يُمكنُ نقاش حُريّة المجتمعات بمَعْزَلٍ عن الحديثِ عن هندسةِ العلاقة بين الدَّولة العربية و المجتمع، و هامش الحريّة الذي يتمخَّض عن تلك العلاقة. و نقصدُ هنا تحديداً نموذج الدَّولة التيْ تمأسَسَت علىْ المركزَّية في الحُكْم (state centric)، بإعتبارها "الليفثيان" المُهيمن على المجتمع حسبما وصفها توماس هوبز و لكنها ليست من نتاج علاقاته الطبيعية. أي أنَّ المفارقة هنا أنَّ الليفثيان العربي لم يتمظهر بشرعيّة هوبز و التي هي بطبيعتها وليدة عقدٍ إجتماعي.

في ضوء ما سبق نستطيع القول أنَّ علاقةَ الهيمنةُ الغرامشية المفروضة علىْ المحكومِ هيَ أصْلُ عدمِ تحقُّق التنمية في دول العالم الثالث من جهة، و من جهة أخرى أنَّ الدولة بُنيبت على مُخطط إجماع واشنطن و رُممِت ثانية بإشراف مهندسي العولمة. بمعنى آخر أنَّ الدَّولة العربية اليوم تقوم على إحتكارِ خيارات المجتمع و الأفراد من خلال ما يلي: أولاً إحتكارها "للسيطرة" على التنظيم الاجتماعي و وسائل صنع القرارِ و التشريع العام بمعزل عن الشراكة و التي تُوجد شكلية فقط، و هذا في ذات الوقت نتيجة الهيمنة السابقة بالذكر و سبباً لها. ثمَّ التحكم بـ "بقاء" الشعوب اقتصادياً من خلال تبنيها اقتصاد السّوق الحر، و خطط الإصلاح الهيكلي بتخصيص جزء كبير من المعمم، و تقليص الإنفاق العام و الإجحاف في الضرائب على المواطنين، و تعزيز البرجوازية المحلية المشوهة، ثمَّ تراكم رأس المال في جيوب قلة قليلة من المجتمع الأمر الذي أدى إلى حصار الطبقة المتوسطة و تزايد الفقر المدقع و الغنى الفاحش، ثمَّ ضرب البنى الإنتاجية الصغيرة و المتوسطة بسبب تنمُّر الإحتكارات و الكمبرادورية التجارية.

إنَّ لأي دولة تستطيع تحديد خيارات مجتمعاتها اللازمة للتنمية أو لإعادة إنتاج المجتمعات من جديد، و ذلك من خلال تحكمها بالمحاور الثلاثة للثالوث الحديدي المُتمثل بما يلي: المحور الأول هو محور الأمن، و الثاني هو محور التمثيل السياسي، و الثالث هو محور الرفاه العام. و كلما طغى الأمن على المحورين الآخرين كلما تعذرت التنمية و قل الرفاه.

إذاً من خلال ما سبق نستطيع أنْ نلاحظ أنَّ دراسة التجربة التنموية العربية من خلال الممارسة النظرية للمفاهيم و الأيدولوجيا التي قادت الهيمنة، ثمَّ العمليات التي تتوافق مع هذه الممارسات النظرية من خلال إعادة تشكيل الزمان و المكان العربي و إعادة تموضع و تقولب الشعوب العربية في هذا الواقع المصنَّع و الذي انفجر نتيجة تراكمٍ تتابعيّ لما سبق.

لقد أودت علاقات الهيمنة فيْ الجوانبِ الإقتصاديّة و السياسيّة إلىْ تهميشِ الجزء الأكبر مِنَ المُجتمع وَ تجاهل تطلعاته. و في هذا الصَّدَد فإنَّ جويل مجدال يقول أنَّ أصل العلاقة التيْ تُحْدِثُ تنميةً فيْ دولِ العالمِ الثَّالث هي تلكَ التي تكونُ فيها الدَّولة واحدةً مِنَ المُنظمات الإجتماعية التي يتكون منها المجتمع، و مهمتها الضبط الإجتماعي القانونيّ على قاعدةِ الثَّواب و العِقَاب، و ليس الهيمنة و إحتكار أدوات السيطرة و البقاء، لذلك فإنَّ أطروحة مجدال تُمَأسِسُ لفهمِ التنمية مِنْ مَنْظُورِ مُختلفٍ يعتمد على هامشِ الحرِّيات الدَّاخليّة الذي تسمحُ به أنْظِمَةُ دُولِ العالم العربي.

لبنان، بين ديناميات الثورة سياسات الإصلاح

لم يخرجْ الشعب اللبناني إلى الميادين في بيروت و غيرها من أجل قطف ثمار الإصلاحات الهيكلية التقليدية. على العكس تماماً، ثمةَ ما تعنيه الجماهير اليوم أنَّ هذا الواقع لا يُمكن أن يستمر في ظل وجود نخب حاكمة تُسيطر و تُحْكِم على قواعد اللعبة لتبقىْ صفرية النتيجة، أيْ أنَّها لعبة ليست فيها إلا المنتصر (النخب و رأس المال المتصالحين) و الخاسر (الشعب). ليست هناك من لعبةٍ في النِّظام اللبناني ذات معالم تتكامل فيها الأطراف لتكون غير صفرية و مُجدية للجميع.

لقدْ خرج اللبنانيون إلى الشَّارع متفقين على أنَّ اللعبة ذاتها لم تعُدْ مناسبةً إلا لحماية الملك، خرجوا مُثقلين بسنواتٍ سمانٍ بمظاهرِ الفساد، الفقر، الدُّيون و العجز العام الذي "يُمكيَج" بالضرائب، بعد أنْ أُعلن عن عدة قرارات من شأنها نظرياً أنْ تقلل من عجز الموازنة العامة من خلال رفع الضرائب و تخفيض الدَّعم على بعض الخدمات. و تتجلى تلك الخطوات بإفصاحِ وزيرُ الإعلام في السابع عشر من أكتوبر عن ضريبةٍ جديدةٍ على مكالمات تطبيق (Whats App) بمقدار 6 دولارات شهرياً. تزامناً مع ضرائب على المحروقات و السجائر، من أجل خلق إيرادات جديدة لدعم خزينة الدّولة.

إنَّ كل ما سبق من تحديد لطبيعة بنية الإقتصاد السياسي للغالبية العظمى من دول العالم الثالث تجعل من سياسات الإصلاح فقط لإستساغة الحياة اليومية. أي أنَّها لا تتعدى كونها تكتيكاً حكومياً من أجل إحتواء غضب الشارع. إلا أنَّ المشاكل الوطنية الكبيرة كالفقر و البطالة و العجز بحاجة لإعادة التفكير في بنى الماكرو المشوهة و التي تُحدِّد الفضاء العام للدول و الشعوب.

ثمةَ رياح تعصفُ بلبنان شعباً و دولة. خاصةً في ظلِّ تحذيرات صندوق النقد الدولي و الذي أشار إلى إحتمالية تحول لبنان إلى يونان الشرق الأوسط، إذ أنَّ هناك مؤشرات في غاية الخطورة تتمثل أهمها في أنَّ الدين العام إرتفع عن الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 150 بالمئة. لقد خرجت الجماهير إلى الشارع بفعلِ إستشعار الألم السابق الذي يقوّض جهود المجتمعات الرامية للتنمية بالهم الإقتصادي اليومي. إنَّ مكونات الجماهير اللبنانية في هذه الأثناء يتوزعون على الطبقتين الوسطى و الدنيا بقيادة المرأة و الرجل، المثقفون و البسطاء. إذ كانت تلك المظاهرات بوتقة صهر لتجاوز كل الإختلافات الطائفية و السياسية و الإثنية، و كلهم طالبوا بالحلول الإقتصادية و الحرية في ذات الوقت.

التنمية كحريّة الشعوب

إنَّ تأطيرَ التنمية كحريّة هو المقياسُ المناسب في ظلِّ الزَّمنِ السياسي الإنتقالي الذي تعيشه المنطقةَ العربية. و في ضوءِ ما تَقَدَم يقول عالم الاقتصاد الهندي أمارتيا صِنْ أنَّ الحريّةَ ليست فَقَط واحدةً من غايات التنمية، إنما هي أيضاً أداة تكمنُ فيها دينامياتُ التغيير، فالحريّة السياسيّة على سبيل المثال تُعزِّز مِنْ إنتاجيّةٍ أعْلى وَ بالتالي مشاركة إقتصاديّة غَيْر مُحْتَكَرَة منْ قِبَلِ عَرَّابيْ المال. إذاً فالحريات عند أمارتيا صن في علاقةٍ تَفَاعليَّةٍ و تُعزِّزُ من بعضها البعض، إذْ أنَّها أيضاً عمليّة إجرائية تتطلبُ قوانيناً و سياساتٍ عامّة حرَّة مِنْ أجلِ ضَمانِ صيرورةِ المُجتمعاتِ. فالوقت الآن "لا يتَّسِعُ لفهم التَّاريخ و إنَّما لتغييره".

نستطيع القولَ أنَّ التنميةَ في لبنان و غيرها و بمعنىْ أمارتيا صن لا يُمكن أنْ تحدث بمعزلٍ عن سياساتٍ عامة حرّة، و السياسات الحرَّة تحتاجُ أيضاً لبنى إقتصادية بإرادةٍ وطنية و لجِسْمٍ ديمقراطيٍّ يحتكمُ لقانونٍ فعَّالٍ يضمنُ سلامةَ الشراكة و المشاركة العامَّة الواسعة فيْ إتِّخاذِ القرار الوطنيّ، وَ هذا هوَ الإطارُ القانونيّ وَ المُؤَسَسَاتيّ لعمليةِ التنمية. إنَّ الحريَّة هي النقطةُ التي تتمَفْصَلُ حولها كلِّ مطالب الشعوب، و هي غايةُ الجماهير العربيّة من أجل الرفاه و العيشِ الكريم و محاربة الفساد، و في الجماهيرُ تكمنُ المعجزات.


  • 1

   نشر في 30 أكتوبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 02 نونبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا