جاكومو ليوباردي
شاعر وكاتب إيطالي، ولد من مخاض الألم والشقاء الإنساني في 29 يونيو 1798 في راكنتي وتوفي في 14 يونيو1837 في نابولي، يعد ليوباردي من أشهر شعراء عصره. يغلب على أسلوبه الطابع التشاؤمي القاتم، ويعد من أشهر فلاسفة التشاؤم على الإطلاق، بل يعد أشهر من شوبنهاور الذي كان بدوره متأثراً به وبأفكاره، فوصفه بأنه بمثابة (أخيه الروحي) والمفارقة أن ليوباردي حتى موته لم يكن يعرف أن هناك فيلسوفاً تأثر به وأعتنق الكثير من أفكاره! وكان نيتشه كذلك متأثراً به أيما تأثير.
عانى ليوباردي منذ طفولته بسبب عموده الفقري الذي وُلد به أعوجاً (تشوه خلقي) ولقد ذاق بسببه صنوف الألم والمعاناة، كما عانى من مرض عصبي غامض لم يدرك الأطباء كنهه. وفي شبابه عانى من جديد، فقد أصابه الصمم. وفي آواخر حياته أصبح شبه أعمى. وانتهت حياته بسبب مرض الكوليرا الذي أنهكه في لحظات قليلة، حيث جسده الهزيل والضئيل الذي لم يكن بمقدوره تحمل نوبة ريح صغيرة.
وتمثلت كبرى معاناته من نشأته مع والدين يمثلان تناقضاً لا مثيل له: فوالده كان سطحياً وضيق الآفق ومدمن على شرب الخمر ومبذر، مما جعل ليوباردي يعاني فيما بعد من الفاقة والفقر، ومن حسن حظ ليوباردي أن والده كان لديه هواية ما قد ساعدته كثيراً في حياته الخاصة تمثلت في كون أباه كان محباً لشراء الكتب وجمعها، فلقد كان مهووساً بالشراء مهما كان ثمن الكتاب. فإذا عرف أن ثرياً ما أو كنيسة ما سوف تعرض كتبها أو مكتبتها الخاصة للبيع، كان يتسابق ويبادر لشرائها دون تردد. ولقد ذكرت المصادر أن والده كان يملك مكتبة هي الأضخم في عصره تحوي أمهات الكتب في اللاهوت والفلسفة والأدب والسياسة واللغة والشعر. ولقد كتب أمام منزله أن مكتبته للجميع وبإمكان أي أحد أن يدخل ويقرأ، ولكن نظراً لإقامته في قرية صغيرة، فلم يكن يأتي أحد سوى طفل صغير وهو جاكومو ليوباردي الذي آثرت هذه الكتب على فكره وفلسفته واتجاهاته.
أما والدته فكانت إمرأة متسلطة مستبدة متحكمة في كل تفاصيل البيت، وكانت فضلاً عن ذلك متعصبة دينياً لدرجة التطرف والتزمت. ويتضح تعصبها الديني في كونها كانت تتمنى كل ليلة موت أطفالها صغاراً لكي يضمنوا دخول الجنة! فكلما كبر الطفل زاد ارتكابه للخطيئة والرذائل. ولقد فرحت كثيراً عندما مات ابنها في السادسة من عمره، وأرغمت جياكومو أن يقف ويتأمل جثة أخيه الصغير لكي يتعظ منه!
وعن فلسفة ليوباردي فلم يكن له نسقاً فلسفياً متكاملاً، وعلى الرغم من ذلك فقد كان شعره هو فلسفته -على حد قول أحدهم-
وفلسفته يمكن أن تُلخص في ..
_الشقاء
فالإنسان يولد ليشقى. والشقاء عنده مرادف للحياة، فالإنسان يحيا ليشقى، وما يسمى السعادة ليس إلا وهم. لا شيء اسمه سعادة، بل اخترع الانسان هذا المفهوم لكي يتعايش مع شقائه. وينبع شقاء الإنسان في أنه يسعى للسعادة وينشدها في عالم لا يوجد فيه سعادة! وما نتوهمه سعادة ما هو إلا أنقطاعات خاطفة للألم (غياب جزئي للألم) فالوجود عبثي لا معنى له ولا غاية ووجود الإنسان فيه حادثة طبيعية مشؤومة قذفت بهذا الإنسان لعالم لا يوجد فيه سوى البؤس والشقاء.
والشقاء ينبع من ثلاث:
* وهم السعادة
"من حيث سعي الإنسان الدائم وراء السراب والوهم، فأين السعادة وأنت تولد من رحم الألم والمعاناة؟ فالأنسان يحيا وهو يترقب موته المؤجل والمحتم."
ويربط هنا ليوباردي وهم السعادة والشقاء بالدين: فالدين لعب دوراً كبيراً في حياة الناس من خلال وعدهم بالسعادة في عالم آخر، فهذه الوعود هي التي تجعل الإنسان يتحمل كل هذا البؤس وكل هذه الحروب والويلات والمصائب، وأنه سوف يسعد في الآخرة لقاء ذلك.
* المعرفة
" فالمعرقة نقمة حلت بالبشر، لعنة أصابت البشر، وأكثر الأشقياء هم الأكثر إسرافاً في المعرفة وإغتراف العلم، فكلما عرفنا أكثر نزداد شقاء وبؤس أكثر. "
* شرور الطبيعة
" الطبيعة شر متأصل، فالكون والطبيعة هما شيئان غامضان، كما أن الطبيعة لا تجيب عن سر الأشياء ولا تكشف عن شيء، فالطبيعة تتصرف بشكل عدائي اتجاه الانسان، فهي العدو الأول لوجود الإنسان وتزيد من شقائه وبؤسه، ولا تقيم وزن للوجود الإنساني."
حيث يرى أن الإنسان يعتقد أن الطبيعة خُلقت له، وأنها مُسخرة لأجل خدمته ورفاهيته ولكن في الحقيقة الطبيعة تسحق الإنسان سحقاً من خلال الكوارث الطبيعية تماماً مثلما تسحق تفاحة ساقطة النمل الذين كانوا يتوهمون أنها موجودة لأجلهم، لأجل أن تكون طعاماً لهم!
-
محمد شريفقد أُعدم مثل سقراط أو أُصلب كالحلاج. من يدري ! أنا مزيج من التصوف والعدم ..