ولو مات العالم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ولو مات العالم

لقاء عابر .. لقاء خالد.

  نشر في 20 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 25 شتنبر 2019 .

لا لا يا محمد .. صرخ في وجهي !

( تريد أن يموت الضمير ؟).


هل يمكننا الجلوس ؟

كانا كبيران في السن، رجل ثمانيني وزوجته التي تصغره بقليل.

أكيد.. تفضلا !

هذه الكلمات البسيطة كانت باللغة الإنجليزية، وقبل أن أكمل، يجب أن أخبركم شيئاً ما؛

مر علي ما يقارب ٥ أيام ، وأطول محادثة أجريتها كانت ١-٣ دقائق فقط! بلغتي الإنجليزية البسيطة.

قال لها؛ بعد أن تأكد أن الكنب مرتب ومريح:

( تفضلِ.. اجلسِ هوون ).

كنت اقرأ.. رفعت رأسي وقلت:

( مرحباً.. شرفتوني ) ..

أوووه عربي ! وضحكنا.


وقبل أن أخبركم عن باقي القصة معهم؛

هل جربتهم ذلك الشعور الذي لا يفارقكم بعد قراءة كتاب/ سماع قصيدة/ لقاء عابر ، وكأنه قد أحدثَ لك شرخاً في داخلك ؟ أو أن رمّم جداراً كاد سينقض ؟

هذا الشعور كان موجود بعد اللقاء وحتى هذه اللحظة؛ بعد ٣ أيام .!


لقاء العرب خارج حدود العرب دائماً ما يبدأ بالحديث عن مشاكلنا المشتركة ! وعن مصير العرب والمسلمين ! أو عن كرة القدم؛ جامعة الشعوب .

لكن مع كبيرين، أجداد الآن، هل الحديث عن ماذكرت سابقاً من الأدب واحترام الشيبة ؟

بعد التعارف السريع سألت عادل من متى وأنتم تسكنون أمريكا ؟ ابتسم وقال ( يوووه ) وأجابت فوزية -زوجه- لتخبرني أنه قبل أن أولد. ابتسمت وأصريت على التاريخ متى ؟ فقالوا 1958م .. ضحكت الآن وقلت قبل يُخلق والداي بالمناسبة.

هل هم مهاجرون ؟ لا أعلم ولم اسأل؛

ففقد الوطن والخروج منه بعد أن ضاق عليك، فهو من أقوى الآلام النفسية التي قد تمر على الإنسان. حتى لو كابر أن هذه الهجرة لم تؤثر عليه، ففي الأعماق جرح لن يُبرأ أبداً .

تحدثنا كثيراً عن كل شيء تقريباً.. عن الماضي الجميل والحاضر المرير والمستقبل المجهول. حديث ممتع.

عن ترامب وكيف أنه نبّش وأخرج الضغائن المدفونة في أعماق العنصريين تجاه الآخر ؛( المسلم والأسود والمهاجر ..). عن العرب وعاداتنا وتقاليدنا. عن الاقتصاد والعمل ولقمة العيش. عن الشعر بعد أن علموا أني من ديار قيس وليلى "الأفلاج". عن رحلاتهم فهم في كل سنة منذو فترة طويلة يحددون شهر ليرتحلو سوياً.. سوياً فقط إليه.

والكثير من النصائح الجديدة غير المعلبة ! . وتحدثنا عن دمشق والحب.. وهنا نتوقف لنسهب قليلاً في الحديث؛ فالحديث عن دمشق يا رفاق، وعن الحب.

كان عادل يدرس في أمريكا وأراد العودة للزواج، وكانت فوزية ابنت عمّه هي المرشحة له. كان عمر فوزية وقتها ١٧ عام وكانت أمها ترفض. كيف لهذه الفتاة الصغيرة أن تهاجر إلى أقصى العالم، إلى غرب الغرب .!

لكن هذا النصيب، والرحمن حافظاً لهم.


حصل كتب الكتاب في بيروت.. لم اسأل لماذا لم يستطع عادل العودة إلى سوريا، فربما هي أمور سياسية، والحديث عن السياسة لا يروقني لذلك لم اسأل.

كانت عينهم تلمع وتدمع بنفس الوقت، عندما يتذكرون دمشق وعندما نمر على الحب وقصص العشّاق. كيف لا ودمشق عاصمة الشام والتاريخ وبوصلة العالم.!

تزوجوا عام 1958م وذلك القرار كان يحتّم عليهم أن لا يعودوا أبداً .. تيسرت لهم كثير من الفرص للعودة إلى الوطن، ولكنه قد تغيّر عليهم. أن يتغيّر الوطن .؟!

فوزية تزور أهلها كثيراً.. لكن بعد ٢٠١١ ! فؤلئك قد أفسدوا كل شيء.


سألتها بعد علموا أني قريب نية بالزواج، وبعد أن ذهب عادل إلى الحمام -تكرمون- :

الآن لكم ٥١ عام وأنتم سوياً.. بعيد أنكم لم تجدوا إلا بعض في وحشة الغربة، لكن ما سر هذه السنوات الطويلة والحب الذي أراه أمامي بعد توفيق الله ؟

ضحكت.. وقالت سألت في الوقت المناسب، عندما ذهب عادل.. وذكرت أن المشاكل طبيعية، وأكدت لي أنها في البداية كانت لا تريده، لأنها لا تعرفه.. لكنه القدر والنصيب، والآن أقول كم كنت ساذجه عندما أردت رفضه.

المهم يا محمد.. الثقة والمساحة الخاصة .! هذا جوهر علاقتنا.

إن عدمت الثقة فسدت العلاقة، وإن لم تكن هنالك مساحة خاصة لكل واحدٍ منكم، ذبل الزواج وأصبح وجودكما سوياً ثقيلاً ! فكل إنسان يحتاج إلى مساحة "خاصة فيه" .

جاء عادل وأضاف أن الزواج اليوم بنظرتنا نحن العرب أن المرأة ناقصه وهذا خطأ . زوجتك شريكتك في هذه الحياة والزواج له قدسيته الخاصة، لا تجعل أحد يتدخل فيه.

إن فتحت الباب فلن يغلق أبدا ..

ما يحصل في البيت يبقى في البيت.. تذكر ذلك.


تقول فوزيه؛ أنها اليوم سعيدة وتحمد الله، فالله قد رزقها ابنتين ولها 5 أحفاد.. جميييييلات كما تقول.

وعدتهم أنه سيكون لنا لقاء آخر بإذن الله، وأخبرتهم أنه لو تزوجت وتحققت خططي فهم من أوائل من أدعوهم للزواج. وسعدوا على ذلك كثيراً. إذا ربي أحيانا وأحياهم بإذن الله.


خمس أيام في ايطاليا لم أخرج بصداقة إلا مع هذين العظيمين. وكفى بهم. ولم يكن هذا مجمل حديثنا، فنحن لم نتوقف عن الحديث دقيقة واحدة لمدة ساعتين متواصلة.


قبل الوداع، وكعادتي مع الكبار، اسألهم أن انصحوني ؟

سألني عادل مباشرة وأكدت على ذلك فوزية:

ما هي أكبر همومك ..؟

نفس عميييق.. لم أتوقع هذا السؤال !

أخبرته، أخبرتهم؛

أني أشعر بالمسؤولية تجاه هذا العالم، وتحديداً لأمة محمد.

وكل ما يحصل (من حروب وتفرقات) يؤلمني كثيراً؛

فحالياً أريد الهرب من هذا الشعور .

لا لا يا محمد .. صرخ في وجهي !

( تريد أن يموت الضمير ؟).

نحن أحياء بكم .!!

لكن ذلك مؤلم.. ولا أستطيع فعل شيء ! أجبته.

من أخبرك ؟

الواقع أخبرني ذلك يا عادل.

لا.. لا. الواقع يخبرك أن تعمل وسوف يرى الله عملك.. ابدأ بمحيطك القريب، وحرّك فراشة التغيير، فنظرية جناح الفراشة صحيحة جداً.. المهم ضميرك، ضميرك لا يموت.. ولو مات العالم.

ودعتهم. 


  • 5

  • محمد الشثري
    خرّيج إدارة .. وأرى التأمل أسلوب حياة .. والقراءة فرضُ عين! .. والكتابة سعي للبقاء .. وأحاول أن أعيش أكبر قدر ممكن من التجارب ..✨
   نشر في 20 شتنبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 25 شتنبر 2019 .

التعليقات

إسراء منذ 4 أسبوع
المهم ضميرك ..ضميرك لا يموت ولو مات العالم .
شكراً لك لمشاركتنا هذا الحوار الرائع ،أحببته كثيراً .. اتمني لك خالص التوفيق .
1
Ahmed Mahmoud منذ 4 أسبوع
الختام أدمع عيني حقا... كثيرا ما ينتابنا هذا الشعور... شعور بالمسؤولية اتجاه عالم يكبل أيدينا بالسلاسل... و كم مرة كنا بحاجة لعادل و فوزية ليقولا لنا: استمر... استمر... انت على الطريق الصحيح حتى و إن قال العالم كله عكس ذلك. شكرا لك محمد على مشاركتنا هذه الكلمات. شكرا لعادل و لفوزية. تحياتي لك
4

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا